بين خياري العقلانية والتشدد: إيران روحاني على صفيح ساخن

الأحد 18/يونيو/2017 - 11:06 م
طباعة بين خياري العقلانية
 
د. محمد السعيد إدريس

عندما أعلن عن فوز الدكتور حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية الإيرانية التي أجريت يوم 19 مايو الفائت كانت كل التوقعات ترجح أنه سيطرح مشروعاً إصلاحياً واضحاً للحكم وأنه سوف يحاول المزج بين مشروع التنمية السياسية الذي يعد عنواناً للمشروع الإصلاحي الذي سبق أن كافح من أجله الرئيس الأسبق محمد خاتمي وبين مشروع التنمية الاقتصادية الذي يعد مطلب المرشد الأعلى السيد علي خامنئي والتيار المحافظ الذي يتبنى دعوة "الاقتصاد المقاوم" أي القادر على مقاومة ضغوط العقوبات الاقتصادية ضمن مسعى من روحاني لاستعادة الوحدة الوطنية من خلال مشروع جديد للمصالحة الوطنية، كي يتمكن من إكمال المشروع الإصلاحي في بُعده الخارجي بالانفتاح على الخارج واحتواء الاستقطاب الإقليمي ضد إيران، على أساس أن النجاح في هذا المسعى هو الذي سيخدم مشروع الاقتصاد الداخلي لأنه سيؤدي إلى إنهاء العقوبات الخارجية المفروضة على إيران.

كان هذا هو التوقع المرجح لكن تسارع الأحداث على المستوى الإقليمي أولاً ثم على المستوى الداخلي قلب التوقعات رأساً على عقب وأخذ يهدد فرص روحاني في قيادة مشروع إصلاحي يعبر عن احتياجات المواطنين الذين صوتوا له أملاً في تخفيف الضغوط الخارجية وطموحاً في تحسين علاقات إيران الإقليمية والتأثير الإيجابي لهذا كله على دعم مطالب "الحريات الاجتماعية" التي تعد مطلباً أساسياً لأجيال جديدة من ملايين الشباب الإيراني الطامحين إلى تخفيف قيود وأعباء نظام الجمهورية الإسلامية خاصة ما يتعلق منها بالأبعاد الثورية والتشدد إزاء دعوات التغيير والاعتدال.

فالاستقطاب الإقليمي ضد إيران الذي تقوده المملكة العربية السعودية وتدعمه الولايات المتحدة والذي أخذ يتبلور في التأسيس لتحالف إستراتيجي إقليمي يكون مقره في مدينة الرياض عاصمة المملكة السعودية، والأزمة الخليجية المتصاعدة الآن وبالتحديد الأزمة القطرية التي تفجرت عقب بيان منسوب لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أثنى فيه على إيران ورفض اعتبار حركة "حماس" منظمة إرهابية وانتقد فيه الرئيس الأمريكي وضعت إيران أمام تحديات خارجية غير مسبوقة من شأنها أن تدفع بالتشدد كي يتسيد الموقف داخل إيران على حساب المشروع الإصلاحي والانفتاح على الخارج. فإيران أصبحت هي العدو وهي المصدر الرئيسي للإرهاب وللتهديد في مفهوم الرئيس الأمريكي وإدارته وفي مفهوم قادة السعودية والإمارات وبالتالي ستكون هي المستهدفة من التحالف الإستراتيجي الإقليمي الجديد الذي يدفع نحو إعادة ترسيم خرائط التحالفات والصراعات الإقليمية مجدداً، وعلى إيران أن تواجه هذا كله بمشروع مقابل على المستوى ذاته ليس هو بالقطع المشروع الإصلاحي الذي انتخب من أجله الرئيس حسن روحاني.

وجاءت العمليتين الإرهابيتين الأخيرتين في مرقد الإمام الخميني وداخل البرلمان (مجلس الشورى) صباح يوم الأربعاء (7/6/2017) وما أدت إليه من خسائر كبيرة في الأرواح، والأهم ما تمثله من اختراق خطير للأمن الإيراني لتزيد من حتمية أن يتسيد مشروع التشدد السياسة والحكم في إيران، في ضوء اتهامات إيرانية مباشرة للمملكة العربية السعودية التي سبق أن نظمت مؤتمراً كبيراً للمعارضة الخارجية الإيرانية وعلى رأسها منظمة مجاهدي خلق المعروفة في إيران بـ "المنافقين" في العاصمة الفرنسية باريس وكان الأمير تركي الفيصل رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق هو راعي هذا المؤتمر الذي تبنى دعوة تجديد وتفعيل المواجهة داخل إيران، والتي سبق أن أعلنت على لسان الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد وزير الدفاع السعودي نقل المواجهة إلى الداخل الإيراني.

السؤال المهم بهذا الخصوص هو هل سيكون في مقدور الرئيس حسن روحاني أن يوائم بين مطالب الشعب الإيراني في المشروع الإصلاحي وبين ضغوط التشدد الآتية من الخارج؟

أولويات مشروع الإصلاح

كشفت التوترات والانتقادات الحادة المتبادلة بين المرشحين الرئيسيين الذين خاضوا معركة انتخابات الرئاسة وعلى الأخص الرئيس حسن روحاني ممثلاً لتحالف الإصلاحيين والمعتدلين وإبراهيم رئيسي ممثلاً للتيار الأصولي المحافظ وبالتحديد تحالف معظم أطراف التيار المحافظ الذي حمل اسم "الجبهة الشعبية لقوى الثورة الإسلامية" أن الانقسام بين التيارين الكبيرين: الإصلاحيين والمحافظين بلغ ذروته، وأن إيران باتت تتجه إلى حتمية حسم نهائي لسيطرة أي من التيارين أو تأسيس تيار ثالث متوازن يقود إيران وسط فشل وإحباطات داخلية مكثفة وضغوط وتحديات عدائية خارجية غير مسبوقة.

هذا الانقسام والتوتر قد لا يكون جديداً.. عاشه بعمق ودفع أثمانه الرئيس السابق الدكتور محمد خاتمي وحاول بلورة توافق صحي يحافظ على المشروع الوطني للجمهورية الإسلامية. تحمس لدعوته إلى "التنمية السياسية" وإلى ضرورة تأسيس تجربة "ديمقراطية دينية" تجعل من إيران دولة ديمقراطية تؤمِّن الحريات التي تكفل القدرة على الإبداع والتطوير المطلوب لتقدم ونجاح التجربة الإيرانية دون إخلال بالأسس والمقومات العقائدية التي يرتكز عليها المشروع السياسي للجمهورية الإسلامية، لكنه فشل أمام سطوة المرشد الأعلى واستعلاء المؤسسات المعينة على المؤسسات المنتخبة. وحاول من بعده هاشمي رفسنجاني في ذروة الانقسامات التي واجهت البلاد في الانتخابات الرئاسية عام 2009 عندما تأكد من انحياز المرشد إلى صف محمود أحمدي نجاد ضد المرشح الرئاسي الآخر مير حسين موسوي، وعندما تعجل المرشد في إعلان فوز أحمدي نجاد متخطياً المؤسسات الدستورية المسئولة عن ذلك، عندها أدرك رفسنجاني أن المرشد الأعلى السيد علي خامنئي أخلّ بأحد أهم أسس ولاية الفقيه وهو الحيادية، لذلك دعا إلى "ولاية فقيه – جماعية" ولم يسلم بعدها رفسنجاني من غضب المرشد الذي زاد في تشدده وعدائه لرموز الحركة الإصلاحية خاصة بعد أحداث 2011 التي واكبت موجة الثورات العربية، وجرى وسم قادة ما سمي بـ "الثورة الخضراء" الذين قادوا احتجاجات ما اعتبروه تزويراً في النتائج الانتخابية لصالح أحمدي نجاد بأنهم "تيار الفتنة". ولم يتوقف الأمر عند ذلك حيث لم يسلم أحمدي نجاد من غضب المرشد بسبب كثرة حديثه عن اقتراب موعد ظهور "الإمام الغائب" وتأسيسه لتيار اسماه بـ "المهدوية" نسبة إلى الإمام المهدي الغائب وحمل مسئولية التبشير باقتراب موعد ظهور الإمام عندها ثار المرشد عليه، وبات تياره المهدوي يسمى في أدبيات النظام والمتشددين من المحافظين بأنه "تيار الانحراف" أي الانحراف عن عقيدة النظام والتبشير بدعوة بديلة.

هذه المرة يبدو أن الأمور الانقسامية بدأت وقد لا تعود، لكن مشكلة الرئيس حسن روحاني أنه من المستحيل أن يقود البلاد ويواجه الأزمات الداخلية وخاصة الاقتصادية منها ويواجه التحديات الداخلية دون توحيد القوى السياسية والوصول إلى توافق حول برنامج وطني لحكم البلاد.

مؤشرات هذا الانقسام والاستقطاب الحاد هذه المرة تزامنت مع الاستعداد لتقديم أسماء المرشحين من جانب التيارات والأحزاب السياسية لخوض معركة الانتخابات الرئاسية، بل إنها سبقتها في شكل هجوم حاد وممنهج من جانب المرشد وكبار رجاله في مجلس خبراء القيادة ومجلس صيانة الدستور ضد الرئيس حسن روحاني وحكومته واتهامها بالفشل.

معالم الانقسام تأكد بعد أن حسم الإصلاحيون وأنصار لحكومة وجماعة رفسنجاني من المعتدلين إضافة إلى بعض الرموز الأصولية خاصة علي لاريجاني رئيس مجلس الشورى أمرهم بدعم الرئيس حسن روحاني مرشحاً لخوض معركة الانتخابات الرئاسية للسنوات الأربع القادمة وعلى الطرف الآخر نشط المحافظون وخاصة الأصوليين منهم لطرح مرشح قوي قادر ليس فقط على منافسة روحاني بل والانتصار عليه خصوصاً بعد الهزيمة التي تعرضوا لها في الانتخابات الرئاسية السابقة وانتخابات مجلس الشورى في العام الماضي وكذلك انتخابات المجلس البلدي خاصة في العاصمة طهران.

فقد بادرت قيادات وشخصيات من التيار الأصولي للمرة الأولى في تاريخ الانتخابات الإيرانية على دعوة الأحزاب والأجنحة السياسية والمهنية الأصولية، إضافة إلى الفعاليات السياسية في المحافظات الإيرانية إلى مؤتمر عام انبثقت عنه «الجبهة الشعبية لقوى الثورة الإسلامية» التي وضعت ميثاقاً سياسياً، الهدف منه الاتفاق على آلية انتخاب مرشح أو مرشحين لخوض الانتخابات الرئاسية والبلدية مقابل الرئيس حسن روحاني.

وانبرت لهذه المهمة شخصيات قريبة من المرشد كحسن رحيميان رئيس مؤسسة الشهيد السابق، ومرضية وحيد دستجردي وزيرة الصحة في حكومة الرئيس أحمدي نجاد، ومهدي جمران رئيس المجلس البلدي السابق لطهران، ويحيى آل اسحاق عضو اللجنة المركزية لحزب المؤتلفة، والنائب السابق علي رضا مرندي الطبيب الخاص للمرشد، ودعمتهم شخصيات لعبت دوراً مؤثراً في تشكيل «الجبهة» أمثال رئيس مجلس الشورى السابق غلام علي حداد عادل والنائب المتشدّد علي رضا زاكاني.

وفي الاجتماع الذي عُقِد الخميس 6 (أبريل) وقبل أربعة أيام من فتح باب الترشُّح أجرت «الجبهة الشعبية لقوى الثورة الإسلامية» انتخابات داخلية شارك فيها أكثر من ثلاثة آلاف عضو لانتخاب خمسة مرشحين من أصل عشرة لخوض الانتخابات الرئاسية، هم ابراهيم رئيسي سادن العتبة الرضوية في مدينة مشهد، والنائب السابق علي رضا زاكاني والنائب السابق مهرداد بذر باش القريبين من الرئيس احمدي نجاد، ورئيس بلدية طهران محمد باقر قاليباف إضافة إلى برويز فتّاح وزير الطاقة في وزارة نجاد الذي اعتذر ووقّع المرشّحون على وثيقة تُلزمهم الانسحاب لمرشح واحد قبل يومين من الانتخابات لعدم تشتُّت الأصوات.

وشارك ابراهيم رئيسي في الانتخابات الداخلية عبر مندوب أرسله لاجتماع الجبهة، بعد جدل ومطالبة شخصيات مهمة في التيار، منهم المرجع المتشدِّد محمد تقي مصباح يزدي الذي يدير اللعبة خلف الكواليس، بترشُّح رئيسي للترشح للانتخابات باعتباره الشخصية الوحيدة التي تستطيع منافسة روحاني. فرئيسي من الشخصيات المقرّبة من المرشد الذي عيّنه العام الماضي في منصب المتولّي للعتبة الرضوية ذات الرمزية الخاصة لدى الإيرانيين، كما أن اسمه مطروح ضمن الشخصيات المحتملة لخلافة «ولي الفقيه»، إضافة إلى أن المصادر تتحدّث عن رغبة القيادة الإيرانية بدخول رئيسي العمل التنفيذي الحكومي لاكتساب الخبرة اللازمة تحسباً لأي طارئ ربما يحدث لمنصب «ولاية الفقيه».

دخول رئيسي حلبة السباق الرئاسي دفع الإصلاحيين إلى إعادة حساباتهم لمواجهة هذا المتغيّر الجديد لأن قبوله الترشُّح للانتخابات لم يكن ممكناً إلا بعد موافقة المرشد وهذا ما جعل جميع أجنحة التيار الأصولي ومراكز القوى والمؤسسات المختلفة تقف وراء دعمه، فقد أدرك هؤلاء منذ الوهلة الأولى إن رئيسي دخل حلبة المنافسة للفوز وليس لشيء آخر، ثم إن خسارته في الانتخابات ستزيحه من لائحة الشخصيات المرشحة لمنصب «ولاية الفقيه»، وبعبارة أخرى فإن رئيسي والداعمين له كانوا يعلمون جيداً أن دخوله السباق هو بمثابة حياة أو موت ولا بد من الحياة. وهذا ما جعل قادة الإصلاحيين يرحبون بدخول رئيسي الانتخابات لأنها ستكون بمثابة «كسر عظم» مع الأصوليين وستحفّز المتلكّئين والغالبية الصامتة على المشاركه في الانتخابات لخلق حماسة جديدة لروحاني.

في ظل هذا الاستقطاب بدأت المعركة الانتخابية في ظل اتهامات لروحاني وحكومته بالفشل في إنجاز الوعود الانتخابية سواء على صعيد الاقتصاد أو على صعيد الانفتاح على المجتمع الدولي وإنهاء الحصار، واتهامه وحكومته بأنه حصر النمو الاقتصادي وحل المشكلات، ومنها التلوث والمياه، بالنجاح في المفاوضات المتعلقة بالاتفاق النووي. ورغم إبرام هذا الاتفاق فإن انعكاساته الاجتماعية الإيجابية من ارتفاع مستوى الدخل إلى انخفاض مستوى البطالة وازدهار بنية الاستثمار لم تتحقق إلا بمستويات محدودة وضئيلة، وهذا ما جعل المرشد الأعلى السيد علي خامنئي يكثف هجومه ضد الرئيس روحاني وحكومته. ففي خطابه السنوي بمناسبة عيد رأس السنة الإيراني (عيد النوروز) أعلن خامنئي أن السياسات الاقتصادية للحكومة "خيبت الآمال" ودعا إلى "اقتصاد مقاوم جديد قادر على خلق الوظائف" وقال بوضوح "أشعر بمعاناة المواطنين الفقراء ومحدودي الدخل بكل وجداني وخصوصاً بسبب ارتفاع الأسعار والبطالة والتفاوت (الاجتماعي)" كما أكد في كلمته أن الحكومة "اتخذت خطوات إيجابية لكنها لا تلبي توقعات الشعب وتوقعاتي". ولم يكتف بذلك بل أن تعمد تفنيد مقولة يدافع عنها الرئيس حسن روحاني تفيد بأن الاتفاق النووي المبرم بين طهران و"دول مجموعة 5+1" عام 2015 جنب البلاد حرباً، حيث أكد أن الشعب وصلابته هو من أوقف مثل هذه الحرب، وقال "وجود الشعب في الساحة هو الذي أبعد شبح الحرب عن البلاد".

لم يتوقف الأمر على الانتقادات العنيفة للحكومة بل امتدت إلى الإساءة لشخص الرئيس نفسه على نحو ما حدث منتسبي ما يعرف بـ "حزب الله" الإيراني التابعين للحرس الثوري الذين أجبروا روحاني من الخروج من "حسينية المرشد" وطردوه من المراسم التي أقامها مكتب خامنئي بمناسبة ما يعتبرونه في إيران "ذكرى استشهاد السيدة فاطمة عليها السلام". كما تكررت الإهانة المتعمدة عندما روجت وكالة أنباء "فارس" القريبة من الحرس الثوري لاعتداءات تعرض لها الرئيس روحاني عندما زار موقع منجم انهار قبل أسبوعين من موعد إجراء الانتخابات الرئاسية وأدى إلى مقتل 23 عاملا. فقد استغلت الوكالة وتيار الأصوليين حادث انهيار المنجم ضد روحاني رغم أنه مملوك لشركة تابعة لقوات "التعبئة الشعبية" (الباسيج) فقد نشرت الوكالة تسجيلاً لم ينشره التليفزيون الحكومي، لاعتراضات العمال وأهالي الضحايا الغاضبين وهم يمنعون روحاني من الوصول إلى موقع المنجم وهم يهتفون ضده.

الآن فاز روحاني في الانتخابات وحصل على 23,5 مليون صوت من أصل 41,2 مليون ناخب شاركوا في الاقتراع، أي أنه حصل على 57% من إجمالي الأصوات، وبما يزيد بـ 6% عن انتخاباته الأولى عام 2013، وفازت معه "لائحة الأمل" الإصلاحية التي يتزعمها محسن هاشمي رفسنجاني نجل هاشمي رفسنجاني بكاملها في الانتخابات البلدية التي أجريت تزامنا مع الانتخابات الرئاسية، ما يعني أن الناخبين انحازوا إلى موقف الإصلاحيين والمعتدلين سواء بالنسبة لما يخص القضايا الداخلية أو ما يخص إدارة علاقات إيران الخارجية، وفي ذات الوقت تتردد تكهنات بقرب تعيين مدير دائرة التفتيش والرقابة في مكتب المرشد الأعلى الرئيس الأسبق لمجلس الشورى المرشح الأسبق للانتخابات الرئاسية عام 1997 علي أكبر ناطق نوري رئيسا لمجمع تشخيص مصلحة النظام، ما يشكل غلبة لمعسكر روحاني نظراً إلى قرب ناطق نوري منه، بخلاف محمود شهروردي المرشح السابق للمنصب نائب رئيس مجلس خبراء القيادة الرئيس الأسبق للقضاء والقريب من المرشد الأعلى.

مجمل هذه النتائج أظهرت رغبة الطبقات الاجتماعية المختلفة في دعم الاعتدال والإصلاحات والانفتاح على الخارج ودعم الحريات العامة والشخصية ورفض العيش في عزلة، كما أكدت هذه النتائج تفوق الأوساط الاجتماعية المتطلعة إلى الديمقراطية والمشاركة السيايسة على الأوساط "الشعبوية" المحافظة، بما يعنيه ذلك من نمو في الوعي عند الناخبين وتطلعهم إلى إصلاحات أكبر من أجل التقدم والتنمية، وثقتهم في شخص روحاني والقيادات الكبيرة التي أيدته خاصة الرئيس محمد خاتمي وحفيد الإمام الخميني حسن الخميني الذي سبق أن منعه مجلس صيانة الدستور في العام الماضي من الترشح لانتخابات مجلس خبراء القيادة، والشيخ مهدي كروبي، وعلي أكبر ناطق نوري وعلي لاريجاني والأخيران من تيار الأصوليين المعتدلين.

هذه المطالب الإصلاحية بدأت تأخذ أبعاداً اجتماعية عرقية وطائفية بعد الفوز الكاسح لروحاني على نحو ما تأكد من تصريحات كل من "مولوي عبد الحميد إسماعيل زهي" إمام جمعة زاهدان عاصمة إقليم بلوشستان جنوب شرقي إيران (معقل الكتلة السنية الكبرى في البلاد الذين ينتمون عرقياً إلى إقليم بلوشستان الممتد في عمق باكستان) والزعيم الكردي عضو مجلس الشورى (البرلمان) جلال جلالي زاده وهي تصريحات أكدت أن المشروع الإصلاحي له امتدادات قوية ذات أبعاد عرقية وطائفية تطالب بمنح الأقليات العرقية حقوق المواطنة تطالب بمنح الأقليات العرقية حقوق المواطنة الكاملة  دون تمييز كما تطالب بإعطاء المسلمين السنة حقوق المشاركة والمواطنة الكاملة دون تمييز طائفي وهي مطالب في صميم وعمق أي مشروع إصلاحي حقيقي في البلاد.

فحسب موقع "إيران أمروز" الإخباري طالب مولوي عبد الحميد زهي الرئيس روحاني بأن يعين وزيراً سُنياً في حكومته القادمة، وكان حريصاً وهو يتقدم بهذا المطلب على الإشارة إلى تصويت المسلمين السُنة بكثافة لصالح روحاني في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، ومشيراً إلى وجود ممارسات تمييزية غير شرعية وغير قانونية ضد السنة "منعت تصدي أهل السُنة والجماعة في إيران للمناصب العليا السياسية والتنفيذية في الحكومة وباقي المؤسسات"، وطالب مولوي عبد الحميد الرئيس الإيراني "أن يمنع تلك الممارسات وأن يضع حداً للممارسات التمييزية ضد الطوائف والقوميات المختلفة في البلاد".

وبالمعنى نفسه تحدث جلال زاده وقال أنه "لا يوجد قانون أو مادة في الدستور يمنع تصدي أهل السُنة والجماعة للمناصب التنفيذية وخلافها في البلاد إلا في منصب رئاسة الجمهورية الذي ينص الدستور في مادته 115 على أنه يجب أن يكون من بين أتباع المذهب الشيعي الإنثي عشري" مشيراً إلى "وجود قانون غير مكتوب وغير مكشوف لدى النظام الإيراني بمنع أهل السُنة والجماعة من أن يكونوا وزراء وسفراء ومسئولين كباراً". جلال زاده كان أكثر وضوحاً عندما قال أن "الحكومات المتتالية لم تعين محافظاً واحداً من بين أهل السُنة حتى للمحافظات السُنية نفسها، وأن النظام الإيراني أجحف كثيراً في حقهم، وأنه حتى الإصلاحيين الذين حظوا بدعم كبير من المواطنين السُنة لم يولوا اهتماماً لذلك".

رسالة جلال زادة التي أراد أن تصل إلى روحاني ملخصها كالتالي أن أكثر من 6 ملايين مواطن سُني صوتوا لحسن روحاني في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وأنهم يشكلون 25 في المائة من الذين أدلوا بأصواتهم لصالحه، وأن روحاني بات مطالباً بأن يعطي ربع المناصب في حكومته للسُنة، لكن تعيين وزير سُني واحد هو أقل شئ ممكن أن يفعله الرئيس روحاني.

الضغوط الخارجية ومشروع التشدد

رسالة واضحة وصريحة تؤكد أن القطاع الأكبر من الشعب مع مشروع إصلاحي حقيقي، وأن من وقفوا بقوة مع روحاني وكانوا السبب في فوزه الكاسح على منافسه الأصولي المحافظ إبراهيم رئيسي المدعوم من شخص المرشد الأعلى والحرس الثوري وغلاة الأصوليين المحافظين يطالبون باستحقاقات قوية: هؤلاء سواء كانوا من قادة التيار الإصلاحي الذين اختاروا حسن روحاني مرشحاً لهم لن يقبلوا منه أن يتراجع عن وعوده الإصلاحية على نحو ما فعله في رئاسته الأولى، وأهل السُنة هم أيضاً خرجوا عن صمتهم وأكدوا انحيازهم للمشروع الإصلاحي لأنه وحده الكفيل بالحصول على حقوق المواطنة المتساوية وإنهاء التمييز الطائفي والعرقي، هؤلاء لن يستسلموا لأي مراوغة من جانب روحاني لكن الأحداث المتسارعة جاءت لتفرض قيوداً هائلة أمام إمكانية استجابة روحاني إلى هذه المطالب ابتداءً بمقررات القمم الأمريكية للرئيس دونالد ترامب في الرياض (20- 21/5/2017) مع قادة السعودية ودول مجلس التعاون وزعماء لجول عربية وإسلامية، وامتداداً إلى مواقف وتحركات أمريكية جديدة ضمن حالة الصراع الخليجي- الخليجي الراهنة في ظل الأزمة القطرية وصولاً إلى التفجيرات الأخيرة داخل إيران.

فقد اختتمت القمم الأمريكية الثلاث في الرياض بإصدار إعلان حمل اسم "إعلان الرياض" الذي كشف عن استعداد لتوفير 34 ألف جندي لمواجهة الإرهاب في سوريا والعراق، وتضمن التأسيس لشراكة وثيقة بين قادة دول عربية وإسلامية مع الولايات المتحدة لمواجهة التطرف والإرهاب، وتأسيس ما سمي بـ "تحالف الشرق الأوسط الإستراتيجي" ومركز علمي لمواجهة التطرف، وإلى جانب هذا الإعلان صدر بيان ختامي مشترك أمريكي – سعودي في ختام زيارة ترامب للسعودية أكد فيه البلدان عزمهما على العمل معاً لاحتواء التهديدات الإيرانية لدول المنطقة والعالم، والتصدي لـ "الميليشيات" التي تدعمها، ودعم الحكومة اللبنانية لنزع سلاح "حزب الله" وحصر السلاح بالمؤسسة العسكرية الشرعية.

وفي كلمته أمام القمة العربية – الإسلامية- الأمريكية قال الرئيس الأمريكي أن إيران "تمول وتسلح وتدرب الإرهابيين والميليشيات، إذ أشعلت إيران النزاعات الطائفية، وهي مسئولة عن زعزعة الاستقرار في لبنان والعراق واليمن. كما أن التدخلات الإيرانية التي تزعزع الاستقرار واضحة للغاية في سوريا. وبفضل إيران ارتكب الأسد الجرائم بحق شعبه، ويجب أن نعمل معاً لعزل إيران، ومنعها من تمويل المنظمات الإرهابية" وفي لقائه مع قادة الكيان الصهيوني الذي وصل إليه مباشرة قادماً من الرياض خاطب ترامب رئيس الكيان رؤوبين لريفين قائلاً:  أن "هناك شعورا واسعا في العالم الإسلامي بأن لديهم قضية مشتركة معكم، في التهديد الذي تشكله إيران، وهي بالتأكيد تهديد، ولا شك في ذلك" وأضاف "ما حدث مع إيران قرب الكثير من المناطق في الشرق الأوسط باتجاه إسرائيل، وإذا ما تحدثتم عن فوائد، فإن هذه هي الفائدة، لأنني لمست شعوراً مختلفاً تجاه إسرائيل من دول كانت لا تكن شعوراً جيداً تجاهها حتى وقت قريب، وهذا أمر إيجابي حقاً، ونحن سعداء".

واقع إقليمي ودولي جديد لم يكن عاقل في العالم كله، وليس في إيران وحدها يتوقعه، حيث لم تعد إيران هي العدو لدول الجوار فقط، بل أصبحت إسرائيل هي الحليف برعاية أمريكية، وإدراكاً لهذا الواقع استبق بنيامين نتنياهو رئيس حكومة الكيان جولة الرئيس الأمريكي الشرق أوسطية بين الرياض والقدس المحتلة ليقدم قائمة مطالبه من الرئيس الأمريكي، وهي كلها بالمناسبة مطالب تمس مصالح الأمن القومي والشعور السياسي للجمهورية الإسلامية الإيرانية . هذه القائمة التي كشفتها صحيفة "جيروزاليم بوست" تضمنت خمسة مطالب هي بالتحديد أولاً: إبقاء الضغوط على إيران وعلى رأسها العقوبات، وثانيا مطالب إسرائيلية في الساحة السورية أولها الاعتراف الأمريكي بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان المحتلة، وثانيها منع إيران أو "حزب الله" من أي وجود أو نفوذ في سوريا وخاصة بالقرب من الجولان، وثالثاُ نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، ورابعا دعم وتعزيز سياسة الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة، وخامساً ضمان الحفاظ على التفوق النوعي العسكري والإستراتيجي الكامل على كل الدول العربية ، أخذا في الاعتبار صفقات السلاح الأمريكية المتطورة التي وقعتها واشنطن مع السعودية.

هذا الواقع الإقليمي الجديد قد يقود إلى إعادة تشكيل خرائط التحالفات الإقليمية، وإمكانية إعادة تأسيس "محور الاعتدال" ولكن دون اعتدال بل حزم وتشدد ضد إيران وضد الإرهاب مع ميول لضم إسرائيل إلى هذا التحالف الذي تغذيه مواقف وتصريحات شديدة التطرف من جنرالات الإدارة الأمريكية الجديدة وعلى الأخص وزير الدفاع جيمس ماتيس ومستشار الأمن القومي هربرت ماكماستر اللذين لا يخفيان مواقفهما المتشددة تجاه إيران باعتبارها "الخطر الأكبر" على المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط. لكن الجديد هو تعيين "مايكل داندريا" المعروف باسم "أمير الظلام" مسئولية التجسس على إيران ورئاسته مركز جديد بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي. آي. إيه" يكون مختصاً بجمع المعلومات الاستخباراتية بشأن إيران وتحليها تنفيذاً لسياسة الرئيس دونالد ترامب بـ "جعل إيران هدفاً ذا أولوية عليا للجواسيس الإيرانيين" حسب معلومات نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" التي كشفت أن هذا الرجل كُلِّف سابقاً بالبحث عن أسامة بن لادن تمهيداً لقتله، وبإدارة برنامج الاغتيالات عبر طائرات بدون طيار، وأنه كان مسئولاً عن "مركز مكافحة الإرهاب" في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية خلال سنوات مضت، وأنه كان مسئولاً عن تدبير عملية اغتيال عماد مغنية القيادي العسكري الكبير في "حزب الله" اللبناني. وبحسب "نيويورك تايمز" فإن المدير الجديد لـ "سي.آي. أيه" مايكل بومبيو، مع مايكل داندريا "قد يكونا حالياً المسئولين عن تحديد ما إذا كانت الإدارة الأمريكية ترى أن إيران تتقيّد بالاتفاق النووي الموقع مع القوى الكبر أم لا".

هذا يعني أن إيران أضحت في عين العاصفة وهذا ما أدركه جيداً المرشد الأعلى السيد علي خامنئي وبناء عليه حدد أن الرد الإيراني يجب أن يكون على المستوى نفسه، وحسم الخيارات بالانحياز للتشدد ونبذ دعوة "العقلانية" التي ينادي بها الإصلاحيون وينحاز لها الرئيس روحاني.

فقد شن المرشد هجوماً مكثفاً على قادة السعودية والرئيس الأمريكي في خطاب له بمناسبة الذكرى السنوية الـ 28 لرحيل مؤسس الجمهورية الإسلامية الإمام روح الله الخميني قال فيه أن "صلافة العدو وصلت إلى حد أن الرئيس الأمريكي يقف عند نظام قبلي متخلف ومنحط ويرقص رقصة السيف بجانب رئيس القبيلة". مؤكداً في الوقت ذاته أن "العدو يتربص بنا".

لم يكن حديث خامنئي موجهاً فقط إلى الخارج بل كان موجهاً في الأصل إلى الداخل الإيراني عندما قال أن "البعض يطرح العقلانية في مقابل شعارات الثورة"، معتبراً أن "هذا أمر خاطئ"، ومؤكداً أن "العقلانية الحقيقية هي في الثورة" وعلى هذا الأساس رأى أن "النظرة الثورية بإمكانها أن تظهر لنا الحقائق". وموضحاً أن "معنى الثورية هي ألا ترضخ البلاد والمسئولون للغطرسة، وألا يصابوا بضعف النفس والانفعال"، مشيراً إلى أن "تحدِّي القوى الكبرى له ثمنه، لكن المساومة لها ثمنها أيضاً". ولمزيد من الوضوح حول "معادلة الأثمان بين الصمود والمساومة" قال: "لاحظوا بأن الحكومة السعودية، ومن أجل المساومة مع الرئيس الأمريكي الجديد اضطرت إلى إنفاق أكثر من نصف احتياطها المالي لخدمة الأهداف والرغبات الأمريكية.. أليس هذا ثمناً؟!!".

بهذا الخطاب وضح المرشد خطاً أحمر على خيار المساومة وعلى دعوة الرئيس روحاني للرئيس الأمريكي في أول مؤتمر صحفي له بأن "إيران منفتحة على كل العالم وترغب في التعامل معها على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة". كما أعرب عن أمله بأن "يكون لدى الإدارة الأمريكية تصور واضح حول آلية التعاطي مع الملف الإيراني"، مشيراً إلى أن "الحكومة الأمريكية لن تستطيع خدمة مصالح شعبها إذا لم تتمكن من أخذ مصالح الآخرين في الاعتبار".

هل يعي الرئيس الأمريكي فحوى هذا الخطاب المعتدل للرئيس الإيراني وهل يمكن أن يتجاوب معه؟

في الإجابة حسم ليس فقط للخيار الإيراني بل حسم للمستقبل السياسي للرئيس حسن روحاني.

شارك