إدارة التوحش: ملاحظات على خطاب السلفية الجهادية

الأحد 18/يونيو/2017 - 11:22 م
طباعة إدارة التوحش: ملاحظات
 
د. محمود عبد الله

عثرت الاستخبارات الأمريكية عام 2008 على وثائق ورسائل موجهة لأسامة بن لادن، تحتوى على فصول كاملة من كتاب غريب مجهول، عرف فيما بعد تحت اسم "إدارة التوحش". والكتاب مؤلف من 113 صفحة ومؤلفه هو أبو بكر الناجي، مؤلف مجهول. ويتداوله المتطرفون بمزيد من الاحترام والتبجيل والتقدير. وهو متوفر على الشبكة، وهناك من يدعي أنه ترجم إلى عدة لغات وتتوفر له 15 ألف رابط على الشبكة. وعند النظر في محتويات هذا الكتاب يمكن الخروج بعدد من الملاحظات الأساسية:

§        إن رؤية العالم السلفية تنطلق من ذات المعطيات والتمفصلات التي قدمتها مدرسة التبعية عند فالرشتاين وسمير أمين وغيرهم من المنظرين. إذ تنطلق هذه المدرسة من تصور للعالم على أساس أنه مكون من مركز وتوابع، وأن التوابع تتأثر بالتبعية مما يحدث في المركز، وأن الثروات تتحرك من التوابع المحلية وتفيد منها المراكز. التصور ذاته لدى السلفية الجهادية، فالعالم مكون من قوى مركزية هي الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، وأن دول العالم هي بمثابة دول تابعة، تأتمر بأمر المركز، فيما المركز يدعمها بالمال والسلاح، استرضاء لها، فيما تستولى النخبة المهيمنة على هذا الدعم وتحصل عليه كاملاً. هذا التشابه في تصور العالم لا يقف عند هذا الحد بل يمتد إلى تصورات تتصل بقضايا التوزيع العادل للثروة، والاعتبار بمبدأ أهل الثقة، والرهان على الأعضاء الأصليين للتنظيم دون سواهم، والملتزمين بأفكاره.

§        فيما يتم تقديم العالم في صورة شبكة من العلاقات المتفاعلة، ينقسم فيها العالم إلى عدة عناصر: العنصر الأول هم الكفار، وهم الذين على ديانة أخرى غير الإسلام، ويشار عادة بهذا المصطلح إلى الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي. أما العنصر الثاني فهم المرتدون، ويطلق الخطاب هذا الاصطلاح على النخبة الحاكمة سواء أكانوا ضباط جيش أو مدنيين، وهم برأي الخطاب مرتدون لاعتبار عدم تطبيقهم للشريعة الإسلامية، وخضوعهم للغرب الكافر، ونهبهم لأموال الشعوب التي يحكمونها. فيما العنصر الثالث هم المجاورون، ويقصد بهم الحركات الإسلامية التي تتبنى تطبيق الشريعة الإسلامية. والخطاب يميز بين خمسة أشكال للحركات الإسلامية. الأول هو السلفية الجهادية، ويطلق الخطاب عليها عدة اصطلاحات منها المؤمنون أو أهل السنة والتوحيد، أو المجاهدون، وينحاز الخطاب، بطبيعة الحال لهذه الحركة. وثاني الحركات حركة الإخوان المسلمين، التي تعتبر الحركة الأم للحركات الإسلامية، لكنها حركة ذات مشروع علماني يتدثر بغطاء الإسلام. وثالث الحركات التي يطلق عليها الحركات الحركية، ويقصد بها تحديدا التنظيمات التي تستخدم السلاح ووصلت للحكم عبر الانتخابات كحركة حماس. ورابعها هي الحركات الإسلامية التي وصلت للحكم عبر انقلاب عسكري كما هو الحال في الحركة الإسلامية في السودان. وخامسها تيار سلفية الصحوة ويمثله سلمان العودة وسفر الحوالي. وجميعها برأي المؤلف الضمني هي حركات تبتعد عن النموذج الإسلامي الرصين كما يراه الخطاب، ويقترب بها من النموذج العلماني. أما العنصر الرابع والأخير فهو الشعوب، وهي تارة تبدو مصدر القوة والعون، وتارة أخرى هي شعوب مظلومة ومحرومة وتحتاج لمن يرد لها حقوقها المهدرة، أو هي شعوب مغيبة عن فضيلة الحق، وهي بحاجة للتربية والصقل، وهو ما تتكفل به ساحة القتال.

§        كذلك يعتمد الخطاب على الاستقطاب كآلية أساسية لبناء رؤيته للعالم. ولأن السجال والقتال هو المحور الرئيسي لرؤية الخطاب، فإن تقسيم العالم إلى فسطاطين هو الغالب على مجمل الخطاب. فعلى المستوى الدلالي يميز الخطاب بين جماعة المجاهدين والخصوم. فيميز جماعة المجاهدين بخواص الإيمان والنباهة والذكاء والحنكة والوعي والقدرة على التنبؤ ورجاحة العقل، والقوة والبسالة، والشجاعة، فيما يصف غيرهم بالجبن والغفلة، والكفر، والبلاهة، والخبل، والطمع والجشع والرخاوة، وعدم القدرة على مواصلة القتال، وغير ذلك من الصفات. ومنه أيضاً التمييز بين الدولة والفوضى، دولة يحكمها نخبة فاسدة ويسودها الاستقرار (وهي أكثر وحشية)، وحالة فوضى عارمة يحكمها قانون الغاب.

§        يغلب على الخطاب على المستوى اللغوي، سواء في البنية الدلالية أو البنية البلاغية، الميل لتأكيد أهمية الجهاد. بل تتغلب كلمة الجهاد ودلالاتها في كامل النص ، كما تتغلب على المستوى البلاغي، في المجازات والاستعارات المستخدمة. فنجد على المستوى الدلالي استخدام لكلمات: الحرق والقتل والنهب والسلب والإذعان والخضوع والأسر، والإطلاق، والجزر، والذبح، والشدة، والإنهاك، والإثخان، والتشريد وغيرها من المفردات الدالة على القتال. أما على المستوى المجازي فالخطاب يضن بالصور المجازية ولكنها إن وردت فهي تتعلق بالقتال وأجواءه.

§        لا يستند الخطاب إلى الحوارية، إلا في حدود ضيقة. والحوارية هي استحضار رؤية الأطراف المغايرة، سواء باستحضار مباشر أو بصورة غير مباشرة. فالغالب على النصوص المرجعية التي يعود إليها الخطاب الصبغة السلفية. والدليل على ذلك أن حضور الآخر المخالف لا يتأتي ولو على ذكر الأعلام، فيما يتم الإكثار من ذكر أعلام السلفية، والاستدلال بآرائهم، والاحتكام إليها. وهو ما يجعل الخطاب خطاباً مغلقاً، لا يقبل الحوار، ولا يبنيه على أساس القبول والرفض، والتفاعل الحر الخلاق مع الأطراف المغايرة في الرؤية والفهم.

§        يطرح هذا الكتاب موضوعاً محورياً وهو مراحل قيام الدولة الإسلامية. ويضع الخطاب نموذجاً بنيوياً، يتكون من عدة مراحل: أولها مرحلة النكاية والإنهاك، وثانيها مرحلة إدارة التوحش، وثالثها مرحلة التمكين. وتعتبر المرحلة الأولى هي المرحلة التي يقوم فيها أعضاء التنظيم بإنهاك الدولة عبر أساليب متنوعة، باستهداف الأجانب، ومواقع النفط، وقتل الجنود، وذلك بغرض خلخلة وتفكيك وإسقاط الدولة. ويرى الخطاب أن ذلك يتم بالعمل من خلال الأطراف. فمن جهة يبين الخطاب أن مواجهة الولايات المتحدة ممكنة من خلال مواجهتها عبر عدة أطراف، ما يجعلها غير قادرة على المواجهة، مع توزع أماكن القتال وتفككها وتشتتها. كذلك فإن مواجهة النخب الحاكمة في البلاد العربية والإسلامية، إنما يتم من خلال استهداف متعدد لأطراف يقل فيها حضور الدولة. وعندما تحاول الدولة المواجهة، فإنها مع احتدام القتال ستضطر إلى الدخول بكامل قواتها المتمركزة في المناطق المركزية، ما يجعل هذه المناطق خالية وقابلة للاحتلال والسيطرة. فيما تكون مرحلة إدارة التوحش المرحلة التالية لإسقاط الدولة. إذ مع سقوط الدولة، سواء من خلال تدخل خارجي، كما حدث في العراق، أو من خلال التنظيمات الجهادية، تنهار سبل العيش، وتعود الحياة إلى "عالم الغاب". فيكون الناس في حاجة إلى قوة تحميهم وتوفر لهم سبل الحياة الكريمة. وفي هذه الحالة يتدخل التنظيم ليحقق عدداً من الأهداف يأتي على رأسها السيطرة على منطقة التوحش، سواء أكانت حياً أو قرية أو مدينة أو بلداً بأكمله، وتوفير الاحتياجات الأساسية للبقاء. وخلال هذه المرحلة تتشكل الدولة مع اتحاد الخلايا والتنظيمات الصغيرة في وحدة واحدة، يجمعها رؤية واحدة تيسر سبل الاستمرار في الحكم. ثم يتم الانتقال إلى مرحلة التمكين التي يحاول الخطاب أن يبرز عدداً من المشكلات التي يمكن أن يواجهها التنظيم خلالها.

§        يبدو أن الموضوع الرئيس الذي يتحاشاه الخطاب هو الحديث عن الوطنية. فهو يذكرها لماما، ويشير إليها بالدحض والإنكار، ويصفها بالكافرة. ولعل ذلك مرجعه أنها القوة الوحيدة القادرة على مواجهة الفناء الذاتي للمجتمع.

§        يختلف الباحثون والمعلقون والمهتمون بالحركات الإسلامية بشأن مؤلف هذا الكتاب. فمنهم من ينسب الكتاب لشخص يدعى "أبو مصعب السوري"، أو "عمر عبد الحكيم" أو مصطفى عبد القادر، فيما ينسبه آخرون إلى محمد خليل الحكايمة. والأول محتجز في السجون السورية، وكان واحداً من ضمن 35 شخص تضمنتهم لائحة إتهام أصدرها قاضي إسباني. فيما الثاني هو مسئول الدعاية لتنظيم القاعدة، عاش في بريطانيا لفترة قصيرة وقتل في إحدى الغارات. بينما فريق ثالث أن الكتاب تأليف جماعي وليس من عمل فرد واحد. وفي الواقع إن غياب المؤلف هنا هو جزء من طبيعة التنظيم، كتنظيم إجرامي، محكوم بالسرية والكتمان، علاوة على ما يتسم به من طابع خاص كتنظيم يرى في نفسه أداة للتغيير بالانتقال من عالم إلى عالم آخر، انتقال يتطلب معه تغيير الأعضاء لأسمائهم، وكأنهم يدخلون ديانة أخرى غير التي عرفوها, ولا يختلف الأمر هنا مع ما ظهر من تنظيمات دينية أسست لطقوس بعينها يتم من خلالها نقل العضو من عالمه الأرضي القذر، إلى عالم التنظيم المحاط بالقداسة.

§        إن المتلقى الرئيسي لهذا النص هو جمهور الحركة الإسلامية بصورة عامة، وشبابها بشكل خاص. يستدل على ذلك أن النص لا يخلو من مناطق فراغ، تتطلب الملأ، مناطق معرفية يستطيع أبناء الحركة الإسلامية ملأ هذا الفراغ ووضع العبارات المفسرة لها. وعلى الرغم من أن اللغة المستخدمة لم تجنح كالعادة إلى اللغة الحوشية والمفردات الشاذة، إلا أن هناك محذوفات تتجلى داخل النص في مواضع عديدة، تحتاج لمتلقين بعينهم، هم الأرجح أبناء الحركة الإسلامية. والواضح أن النص في برمته محاولة أساسية لإقناع أبناء هذه الحركات بالخصوص للانضمام للتنظيم. ويبدو ذلك واضحا بالمقارنات الكثيرة التي يجريها الكتاب بين خيار القبول بالاستقرار وخيار القبول بالقتال، سواء بصيغة مباشرة، أو عبر صيغ بلاغية. فالغاية هي تعزيز الإيمان بضرورة القتال، واعتبارها سمة تعلي من شأن صاحبها وتبلغ به أعلى المراتب. ومن صور هذه المقارنات على سبيل المثال المقارنة التي يجريها الخطاب بين سيد قطب وعبدالله عزام. حيث يجرى المقارنة بين من أسس للفكر الجهادي ولكنه لم يقاتل، وبين من ينظر للجهاد ويقاتل في صفوف التنظيم. فالأول تنبأ بسقوط الاتحاد السوفيتي، وهذا في حد فعل تنبؤي جيد، لكن الثاني تنبأ بالأرقام، مقدما بيانات إحصائية، يرى الخطاب أنها تحققت بالفعل.

شارك