في وداع إبراهيم أبو العيش: سلام على روحك الطاهرة

الأحد 18/يونيو/2017 - 11:35 م
طباعة
 

توفي يوم الخميس الفائت، الدكتور إبراهيم أبو العيش (1937-2017) مؤسس تقنية الزراعة الحيوية في مصر، ومؤسس مبادرة "سيكم" للتنمية الشاملة. آمن بفلسفة في العمل التنموي المستدام صديق البيئة، وبمثابرة وكفاح يفوق الوصف امتد لأكثر من أربعين عاماً، استطاع أن يحقق حلمه في منطقة صحراوية قاحلة بالقرب من مدينة بلبيس، ما أثار اعجاب العالم فنال لأجل لذلك جائزة نوبل البديلة عام 2003، في هذا المقال نقدم إطلالة سريعة على ما قدمه هذا العالم الجليل لمصر وللإنسانية.

سيكم واحة من صنع إبراهيم أبو العيش

بعد حرب 1973، قرر الدكتور إبراهيم أبو العيش عالم الفارماكولوجي (علم الأدوية) العودة إلى مصر، بعد رحلة نجاح في النمسا، أصبح خلالها أحد الأساتذة القلائل في تخصصه، ترك خلفه المجد العلمي الذي ينتظره، وهو في عمر الأربعين، مرتحلاً إلى صحراء بلبيس لكي يحقق حلماً راوده طوال غربته، وهو كيف يحقق في مصر صرحاً تنموياً شاملاً بدون أية مقومات أساسية، معتمداً على الإرادة والطاقة الإنسانية غير المحدودة. اختار اسم "سيكم" لهذا المشروع الحلم، وهو اسم فرعوني معناه الحيوية من الشمس. لم تكن رحلته خالية من الصعوبات وأحياناً المستحيلات، ضد البيروقراطية والتقاليد المحلية ومحاولات الاستغلال ومن أعداء النجاح. لكن إبراهيم أبو العيش إنسان مصري أصيل لا يعرف الفشل، تخطى كل هذه التحديات دون أن يتنازل عن مبادئه ومثله العليا، فشهد له العالم بالريادة.

وصف مبادرة إبراهيم أبو العيش ليست مهمة سهلة، لكن مهما كان الوصف دقيقاً، فإنه لا يغني عن مشاهدة ما تم صحراء بلبيس، في مزرعة سيكم التي تبعد حوالي ستين كيلومتر شمال شرق القاهرة، تفصلها من جهة القاهرة سبعة كيلومترات عن مدينة بلبيس، ومدخلها من الطريق الرئيسي لمدينة العاشر- بلبيس، وبعمق خمسة كيلومترات بجوار قرية صغيرة تسمى الجفرة.

من بداية  الطريق الفرعي المؤدي إلى مؤسسة سيكم، تلاحظ وجود مزارع أهلية عديدة، معظمها يعاني من مشكلات في مدخلات الزراعة، وأهمها المياه، ولذا، فان العديد من المزارع على جانبي الطريق خاوية على عروشها، ما يعني صعوبة العمل في هذه البيئة الصعبة، وأن النجاح هناك يحتاج إلى حكمة واصرار وعزيمة، وهي المقومات التي آمن بها الدكتور إبراهيم أبو العيش، وغرسها في نفوس كل من عمل معه، بصورة تستحق الاحترام والتقدير البالغ.

لن تحتاج إلى مرشد كي يدلك على مزرعة سيكم، فأشجار الجازورين السامقة سوف تستقبلك، قبل أن تشاهد  سور المزرعة المبني من التربة الناعمة الصفراء، حتى درجة الحرارة سوف تستجيب لك في رحاب المكان فتنخفض بدرجة ملحوظة كأنها ترحب بقدومك، باختصار ستجد أن كل شيء قد تغير عن المحيط الذي تتحرك فيه، لكن مشاعر الاندهاش الحقيقي تبدأ مع عبورك بوابة المزرعة، فالنبات سيد المكان وصاحب الجلالة، أخضر يانع من كل نوع، فواكه وخضروات ونباتات طبية ونباتات زينة، تلقى منتهى العناية والاحترام من الفلاح الذي يزرع في المؤسسة. فهي نباتات تربت على أسلوب الزراعة الحيوية، بمعنى أنها لم تتجرع طوال حياتها أي نوع من الأسمدة الكيميائية، ولم يدافع عنها الفلاح باستخدام أي نوع من المبيدات.

وداخل هذا المشهد البديع المتناقض تماماً مع المحيط الصحراوي، قام إبراهيم أبو العيش، بتشييد مباني المؤسسة، في تصميم مبدع، هي مباني تجمع بين الحداثة والأصالة والابتكار، لا محل في مزرعة سيكم للعشوائية، لكل عنصر من عناصر المكان أهميته ووظيفته وجماله. الكل يتناغم في نسق لا تغني الكلمات عن وصفه، وإنما المشاهدة والمعاينة هي التي تقنعك بما نصفه الآن.

تضم المزرعة إلى جانب وحدة الزراعة، وحدات إنتاجية أخرى، ترتبط بتحويل المنتج الزراعي الخام إلى منتج قابل للاستهلاك أو التصدير أو التصنيع الدوائي. وبالإضافة إلى هذه الوحدات الاقتصادية، توجد وحدات ثقافية واجتماعية، حيث توجد منظومة للتعليم من الحضانة إلى المستوى الثانوي، إلى جانب مراكز تأهيل المتسربين من التعليم وذوي الاحتياجات الخاصة. ومركز طبي للعاملين، ولأعضاء المجتمع المحلي المحيط.

على الجانب الاقتصادي تعمل سيكم في مجال الزراعة الحيوية والمستحضرات الطبية، وقد  استوفت شروط المؤسسة الاقتصادية المتطورة، ويعمل بها ما يزيد عن 2000 عامل، عمالة دائمة، وجدير بالذكر أن كل منتجات المؤسسة، تتمتع بسمعة طيبة على مستوى العالم، باعتبارها تؤدي في النهاية إلى إنتاج صديق للبيئة، وباستخدام تقنيات متطورة، وقادرة على المنافسة العالمية، فجميع منتجات سيكم تطبق معايير الجودة الدولية.

بالإضافة إلى نجاح إبراهيم أبو العيش على المستوى الاقتصادي أسس ثلاث جمعيات تنموية، تهدف إلى خدمة المجتمع المحلي، والمجتمع المصري والانساني بصفة عامة: (1) الجمعية المصرية للزراعة الحيوية، وتهدف إلى تخليص البيئة من مخاطر المبيدات الكيماوية، وزيادة القيمة الغذائية والاقتصادية للمنتج الزراعي المصري، وتقوم بتقديم برامج تدريب مجانية، وبالتعاون الوثيق مع الجامعات المصرية، وكل المهتمين بالزراعة الحيوية النظيفة في كل أرجاء المجتمع المصري، والمهتمين من كافة أنحاء العالم. ومن خلال هذه الجمعية أسس أبو العيش الرابطة الدولية للمهتمين بالزراعة الحيوية في عام 1984، بهدف دعم حركة الإصلاح والتجديد في مجال الزراعة، والسعي إلى بناء مجتمع صحي في إطار شامل من التعاون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لمواجهة متطلبات القرن الحادي والعشرين، ويلتقي أعضاء هذه الرابطة أربع مرات سنوياً لتقييم تجربتهم وتحديد خطط المستقبل. (2) الجمعية التعاونية لموظفي سيكم، وتهدف إلى تحقيق روح المساواة بين العاملين، وتساعد على التعلم من خلال العمل، والعمل أثناء التعلم.

(3) الجمعية المصرية للتنمية الحضرية، وتتبنى مشروعات تنموية اجتماعية وثقافية، على مستوى المجتمع المحلي والمجتمع المصري ككل: ففي مجال التعليم أنشأت الجمعية داخل المزرعة، دار حضانة ومدرسة ابتدائية وإعدادية وثانوية صناعية، بالإضافة إلى إقامة برامج مستمرة للتربية الخاصة، وبرامج محو الأمية للصغار والكبار، ومركز للتدريب المهني. وفي مجال الرعاية الصحية، أنشأت الجمعية مركزاً طبياً يستقبل 200 حالة يومياً من جميع الجهات، ويسهم في تطوير الرعاية الصحية بأسلوب الطب الشامل. وفي مجال الثقافة أنشأت الجمعية أكاديمية سيكم للعلوم والفنون، تهدف إلى إيجاد الحلول العصرية لأسئلة المجتمع في جميع نواحي الحياة، من خلال البحث العلمي وورش العمل والمؤتمرات التي تعقدها الأكاديمية.

الدائرة والبحث عن المثل العليا

كل العاملين في مؤسسة سيكم يجتمعون كل صباح حول دائرة في منتصف المزرعة، بكافة درجاتهم الوظيفية من العامل والعالم والمدير حتى مؤسس المشروع الدكتور أبو العيش وأولاده، على كل  قوس من هذه الدائرة يقف أعضاء كل وحدة من وحدات سيكم الإنتاجية أو البحثية أو التعليمية. وتبدأ مراسم الدائرة في تمام الساعة التاسعة صباحاً، حيث يقوم أحد الأشخاص، وغالباً ما يكون أقدم العاملين في المؤسسة، وأكثرهم ارتباطاً بالمكان من الناحية الزمنية، لأنهم جميعاً يرتبطون بالمكان وجدانياً وعقلياً. يبدأ هذا الشخص بالنداء على أي فرد من الحضور، ويسأله عن تاريخ اليوم الإفرنجي، ثم يسأل فرد آخر عن التاريخ الهجري، ثم يسأل رؤساء الوحدات عن أعمالهم المنجزة بالأمس وعملهم اليوم، ثم يتولى رؤساء الوحدات سؤال الأفراد تحت رئاسته نفس السؤال، كل هذه الأسئلة والأجوبة تتم في جو من الصرامة والجدية، وهكذا إلى أن ينتهي الجميع من تقرير ماذا تم بالأمس وماذا سيتم اليوم.

إن التجمع كل صباح – حول الدائرة – يعني حالة من التكامل والمساواة، والتذكير بالتاريخ الإفرنجى، يعني أولاً أن مبدأ احترام الوقت مبدأ ضروري للعاملين بمؤسسة سيكم، والتذكير بالتاريخ العربي، يعني أن ذاكرة الفرد في سيكم لابد أن تتكون من  الحاضر والماضي العربي والروحي. أما السؤال عن انجازات الأمس وأهداف اليوم، فله مغزى، في تنمية المسئولية الأخلاقية للعمل، فتقرير الإنجاز والأهداف يعني إطلاق للضمير الإنساني كي يكون فاعلاً في هذا المكان، ضمير العامل في سيكم هو الذي يحدد مهام الدور الواجب القيام به، في إطار منظومة متكاملة. كما أن هذا التواصل الشفاهي يعكس ثقة الجميع في بعضهم البعض، ويضع أيضاً مسئولية على كاهل العاملين بالمؤسسة،  بالجملة الإجتماع حول الدائرة كل صباح هو اتفاق ضمني على قبول وتفضيل والتزام بالقيم الانسانية الكبرى.

حكاية إبراهيم أبو العيش، لم تنته بوفاته، لأنها حكاية أسطورية، تحولت إلى حقيقة مشرقة إشراق الشمس على صحراء بلبيس، يرقد أبو العيش الآن في مقبرة بناها داخل مزرعة سيكم. سلام على روحك الطاهرة أيها الحكيم.

شارك