تحالفات حماس الخاطئة وخطة الهروب من دفع الأثمان

الثلاثاء 18/يوليه/2017 - 03:29 م
طباعة تحالفات حماس الخاطئة
 
د. محمد السعيد إدريس

لو أن حركة المقاومة الإسلامية "حماس" أرادت أن تقدم قراءة للواقع العربي والإقليمي الراهن وانعكاساته على القضية الفلسطينية عامة وعليها بصفة خاصة لتوصلت إلى قناعة مفادها أن القضية الفلسطينية هي من يدفع الأثمان قبل كل الأطراف، وأن حركة "حماس" على وجه الخصوص هي أبرز الأطراف الفلسطينية المعنية بدفع تلك الأثمان، وأن مؤشرات ذلك كانت واضحة منذ المؤتمر الذي عقدته الحركة بزعاماتها السابقة واللاحقة في العاصمة القطرية "الدوحة" وقدمت فيها رؤيتها الجديدة المطورة لميثاقها الوطني والذي اعترفت فيها ضمنياً بالكيان الصهيوني من خلال الإقرار بإقامة دولة فلسطينية، ولو مرحلية، على الأراضي التي احتلت نتيجة عدوان الخامس من يونيو عام 1967.

لم يكن خافياً على قادة "حماس" أن هذا الثمن الذي جاء بضغوط من الحليفين الداعمين تركيا وقطر كان يستهدف إبعاد الحركة عن قائمة يجرى إعدادها للمنظمات الإرهابية، وكان هناك طموح أكبر لدى الحليفين مفاده أن "حماس" ربما تكون الطرف الفلسطيني الأجدر بالتفاوض في مستقبل عملية التسوية التي تعد لها الإدارة الأمريكية الجديدة. لكن ما حدث في قمتي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الرياض مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي ثم مع بعض القادة العرب والمسلمين جاء مخالفاً لكل التوقعات، فلا تم إبعاد حركة "حماس" عن قائمة المنظمات الإرهابية، ولا أحد تحمس لأي دور يخصها في عملية السلام، ولم يكن ملف المصالحة الفلسطينية المتعثرة بين السلطة الفلسطينية و"حماس" مدرجاً بأي صورة من الصور على أي من القمتين ولا حتى القمة السعودية – الأمريكية التي سبقت هاتين القمتين، بل ما حدث هو النص على أن حركة "حماس" منظمة إرهابية مثلها مثل "حزب الله" كما تم استهداف جماعة الإخوان المسلمين أيضاً في البيان الصادر عن تلك القمم وحمل اسم "إعلان الرياض".

مشكلة "حماس" لم تتوقف عند هذا الحد بل وجدت الحركة نفسها محشورة بين الحصار المفروض عليها من السلطة الفلسطينية من جانب، ومن الجانب الآخر التداعيات المتلاحقة للأزمة الخليجية التي ترتبت على البيان الصادر عن أمير قطر الشيخ تميم بن حمد انتقد فيه قمة الرياض ومقرراتها كما انتقد الدول الشريكة لقوات مجلس التعاون الخليجي، وأدت إلى صدور قرار بمقاطعة قطر من جانب السعودية والإمارات والبحرين ومصر.

الأزمة بين "حماس" والسلطة الفلسطينية

تشكل هذه الأزمة المستفحلة بين "حماس" من ناحية وحركة "فتح" ممثلة بالسلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس (أبو مازن) من ناحية أخرى أخطر مفاصل المأزق الوطني الفلسطيني بسبب إصرار كل طرف منهما على إلغاء الآخر، الأمر الذي حال دون نجاح أي فرصة للحوار والمصالحة الوطنية، فكل منهما يتمسك بأحقيته في الحكم رغم وعيهما بأن الوطن الفلسطيني مازال خاضعاً للاحتلال، ورغم أنهما في نهاية الأمر محاصرتان: "حماس" محاصرة باسم المقاومة أو لانتسابها للمقاومة، والسلطة محاصرة باسم عملية السلام، وكلتاهما محكومتان بأجندات إقليمية ودولية ومرتهنتان لها.

العناد وصل بالطرفين إلى طريق مسدود، ورغم ذلك، تحاول كل منهما إقصاء الآخر، حاولت "حماس" بمؤتمرها الاحتفالي المدعوم من قطر، وبخطوتها الاستباقية لتقديم تنازلات جوهرية إلغاء السلطة والإحلال محلها لقيادة عملية السلام تحت رعاية الإدارة الأمريكية الجديدة بوعود تركية وقطرية، وكانت المحصلة هي وضع الحركة على قائمة المنظمات الإرهابية. وحاول الرئيس محمود عباس التفرد بعملية السلام وشطب "حماس" نهائياً واستعداء الرئيس الأمريكي عليها، لكنه لم يكتف بذلك ولكنه قرر مضاعفة ضغوط الحصار الإسرائيلية بإصداره قرارات عقابية ضد قطاع غزة شملت خصم نسبة من الرواتب وإحالة موظفين على التقاعد المبكر وتخصيص ساعات الكهرباء مع تخصيص نسب دعم الأدوية.

تداعيات الأزمة الخليجية

تزامناً مع هذه الضغوط جاءت الأزمة الخليجية لتضاعف من الضغوط المفروضة على حركة "حماس" فهي اضطرت من ناحية إلى تقديم تنازلات مقابل تعهدات من الحليفين التركي والقطري، لكنها من ناحية أخرى وجدت نفسها معرضة للعقاب ولدفع الثمن مرتين، مرة بعد تصنيفها منظمة إرهابية ومن ثم إنهاء أي فرصة لها لتكون طرفاً في أي عملية تفاوض مقبلة، وبعده بسبب علاقتها مع قطر وكونها مسحوبة عليها، وهذا الثمن مضاعف لأن قطر المحاصرة سوف تضطر لوقف أو على الأقل تخصيص دعمها لحركة "حماس"، كما أن الدول الأخرى ستمارس ضغوطها على "حماس" باعتبارها حليف لقطر، على نحو ما كشف "هان هلير" الزميل غير المقيم في "المجلس الأطلسي للأبحاث" فقطر تعتبر "عمود ارتكاز مهم" فهي "داعم مالي كبير إلى جانب كونها ملاذاً آمناً لعدد من قادة الحركة»، ومن ثم فإن تضييق الخناق على قطر يعني، ضمن ما يعني، تأثر الدعم، وسبل وصوله إلى الحركة، لكن ما هو أهم من الدعم المالي أن الحركة هي في الواقع جزء من الأزمة المثارة مع قطر، شاءت أم أبت، ومن ثم فان عليها أن تدفع ثمن اخطائها واخطاء القيادة القطرية.

مشكلة حركة «حماس» أن الأزمة الخليجية تفجرت في وقت شديد السوء من منظور تشديد السلطة الفلسطينية أحكام ضغوطها على قطاع غزة، ودخول «إسرائيل» هي الأخرى طرفاً في إحكام الحصار، فضلاً عن الإغلاق المتقطع لمعبر رفح البري مع مصر، هذه الضغوط جعلت قادة الكيان الصهيوني يفكرون في ردود الفعل المحتملة من الحركة في ضوء هذه الضغوط المكثفة من الجوانب كافة، وتوصلوا إلى خيارين؛ الأول، أن هذا هو الوقت المناسب لتوجيه ضربة قاصمة لحركة «حماس» تنهي سيطرتها على قطاع غزة نهائياً، كما أن تركيا وقطر لن يكون في مقدورهما فعل شيء له قيمة بهذا الخصوص، ومن ثم فإن هذا الخيار يعد مثالياً من كل الجوانب. أما الخيار الثاني، فإن حركة «حماس» يمكن أن تقوم بالرد على غارات «إسرائيلية» في محاولة خاطئة منها لخلط الأوراق، والحصول على التعاطف العربي والإقليمي، والدولي، كمحاولة للخروج من «عنق الزجاجة» الذي وجدت نفسها محشورة داخله.

ورقة محمد دحلان

كان هناك خيار ثالث لم يفكر فيه «الإسرائيليون»، ويبدو أن أطرافاً عدة كانت تُعد له، في مقدمتها حركة «حماس» نفسها، والقيادي الفلسطيني الفتحاوي محمد دحلان، العدو اللدود للرئيس محمود عباس، وهو التأسيس لتحالف بين «حماس» ودحلان ينهي الحصار المفروض على الحركة، ويفرض على «أبو مازن» أن يعيد حساباته مع الطرفين: «حماس» ودحلان، ويُبعد شبح خطر عدوان «إسرائيلي» بات محتملاً، إن لم يكن مؤكداً، لكن الأهم أن هذا المشروع ربما يكون المدخل المناسب للمراجعة بالنسبة للجميع، وفي المقدمة الرئيس «أبو مازن»، وعلى الأخص بالنسبة لمشروع الوحدة الوطنية الفلسطينية.

هذا الخيار يبدو أنه يجد أرضية صلبة لإنجاحه، إذا أخذنا في الاعتبار الوثيقة التي تم تسريبها، وحملت اسم «وثيقة حوار وطني لبناء الثقة» التي كشفت أنها جاءت بدافع من «اقتناع الجميع بأننا نمر في مرحلة مفصلية من تاريخ التحرر، وبناء الدولة يتحملها الجميع»، وأنها جاءت أيضاً «بعد انسداد أي أفق للمصالحة غير المشروطة التي تحمل شراكة وطنية حقيقية واقعية مع السلطة والرئيس أبو مازن».

أهمية الوثيقة ترجع إلى كونها تعطي إشارات إلى اتفاق الطرفين على تشكيل حكومة وحدة وطنية على أساس برنامج وطني، لا أبعاد سياسية له، يرأسها دحلان، وبمشاركة من يرغب من الفصائل بما فيها «فتح» و«حماس»، يكون في مقدمة أولوياتها فك الحصار ودعم قطاع غزة وبناء ما دمره الاحتلال وتنميته، مع إشارة مهمة بأن هذه الحكومة لن تكون بديلاً عن السلطة الفلسطينية.

كما ترجع أهمية هذه الوثيقة إلى أنها يمكن أن تبعد حركة "حماس" بعيداً عن مأزق دفع الأثمان المضطرة لدفعها سواء بسبب ضغوط السلطة، أو بسبب تداعيات الأزمة الخليجية وتحالفها مع قطر، فإذا صدقت هذه الوثيقة التي لم تظهر للعلن من جانب الطرفين، فإنها تعتبر "خيار الإنقاذ" بالنسبة لحركة "حماس"، لأنها تفتح مجالات التعاون المباشر بين "حماس" وكل من مصر والإمارات، وتتضمن أن تحل الإمارات محل قطر كداعم، وهنا فإن الدعم لن يكون مالياً واقتصادياً فقط بل وسياسياً أيضاً، خصوصاً مع تأمين مصالحة حقيقية بين مصر و"حماس" ودخول مصر هي الأخرى كطرف ضامن لتعاون "حماس" مع محمد دحلان، شرط وفاء "حماس" بالمطالب الأمنية المصرية وفي مقدمتها المنطقة الحدودية العازلة.

فقد نصت هذه الوثيقة على بنود مهمة من أبرزها:

1-  الانخراط في تنفيذ "مصالحة مجتمعية في قطاع غزة تشمل دفع دّيات وتعويضات للقتلى والمصابين في أحداث عامي 2006 و2007، ويتكفل النائب محمد دحلان بجلب الدعم المادي لهذا الملف بالكامل.

2-  الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية على أساس يرأسها محمد دحلان وبمشاركة من يرغب من الفصائل بما فيها "فتح" و"حماس" على أن تكون وزارة الداخلية من مسؤولية مرشح حركة "حماس" في الحكومة بالكامل بما يضمن استقرار حالة الأمن في القطاع.

3-  أن يتم تشكيل الحكومة بشراكة وطنية وسياسية من الجميع تعمل على فك الحصار ودعم قطاع غزة وبناء ما دمره الاحتلال وتنميته، وهذه الحكومة ليست بديلاً عن السلطة الفلسطينية، إنما تؤسس لوحدة الضفة الغربية وقطاع غزة، وللتواصل لإنهاء الانقسام بين غزة ورام الله، والمصالحة الفتحاوية الداخلية وفق مبدأ "فلسطين تجمعنا بشراكة وطنية جامعة".

4-  يتعهد النائب محمد دحلان بالعمل مع المصريين على فتح معبر رفح بشكل كامل تدريجياً وتطويره كمعبر: (أفراد وتجاري)، والاحتفاظ بالطاقم الموجود مع إشراك موظفين فلسطينيين وآخرين، والسعي الحثيث والعمل مع الأصدقاء والدول لإنشاء ميناء ومطار وتشغيلهما في قطاع غزة، وتكون المرجعية العليا مشتركة.

5-  هذا الاتفاق لا أبعاد أو أثمان سياسية له ويمنع التطرق، في أي وقت من الأوقات، لسلاح المقاومة والمواقف السياسية لها، أو تقسيم الوطن أو بديلاً عن السلطة، بل هو بداية لوحدة الوطن ولإصلاح المسار والنهج السياسي على أسس صحيحة وطنية لا تمس الثوابت الفلسطينية، كما أن هذا الاتفاق مرحلي للتأسيس لما بعده من وحدة الوطن والنهج السياسي.

6-  بعد تطبيق بند "المصالحة المجتمعية" بالكامل تدعو حركة "حماس" النائب محمد دحلان لقطاع غزة لتسلم مهامه مع توفير كل الحماية والأمن لشخصه ولطاقمه الأمني.

7-  عند الموافقة من كلا الطرفين على هذه المبادرة يتم توجيه دعوات مصرية للإشراف والرعاية والتوقيع.

بهذا المعنى فإن مصر والإمارات هما دولتان راعيتان، وبهذا المعنى أيضاً، إذا صدقت هذه الوثيقة تكون حركة "حماس" قد استطاعت أن تفلت من كل تداعيات دفع الأثمان سواء باتهامها كمنظمة إرهابية أو لعقابها على تحالفها مع قطر، لكن الأهم أن "حماس" هذه ستكون حتماً بعيدة عن سيطرة جماعة الإخوان الأمر الذي سيؤسس لعلاقة جديدة مع مصر بقدر ما سيؤسس لوضع جديد داخل القطاع تقوم فيه مصر بإمداد القطاع بقدر كبير من احتياجاته من المنتجات النفطية، وتقوم الإمارات ببناء محطة لإنتاج الكهرباء يكون موقعها على الأراضي المصرية في رفح لإمداد القطاع باحتياجاته، كما تقوم مصر بمراجعة موقفها من معبر رفح وعمل الصيانة اللازمة ليكون صالحاً لمرور الأفراد والبضائع شرط أن تلتزم "حماس" بإقامة المنطقة العازلة على الحدود بعمق كيلو متر داخل الأراضي الفلسطينية، وتسليم الأفراد المطلوبين أمنياً لمصر.

خيار "محمد دحلان" يمكن أن يكون هو المخرج الوحيد أمام "حركة حماس" للانعتاق من تداعيات الضغوط والأثمان الباهظة المضطرة إلى دفعها بسبب تحالفاتها الخاطئة، لكن يبقى السؤال المهم للجميع هو مدى جدية حركة "حماس" في الوفاء بالالتزامات المطلوبة، والتعامل بجدية مع بنود هذه الوثيقة وألا تكون هذه الوثيقة مجرد مخرج للهروب من دفع الأثمان، أو مجرد إجراء تكتيكي ليست له أية أبعاد استراتيجية ويمكن الانقلاب عليه إذا تغيرت الظروف للأفضل من منظور "حماس" وتحالفاتها وارتباطاتها الإقليمية.

شارك