الكويت ومفعول المضاد الحيوي لفيروس النفوذ الإيراني

السبت 29/يوليه/2017 - 03:17 م
طباعة الكويت ومفعول المضاد
 
أحمد أمير محمد*

تتوالى الأحداث في منطقة الشرق الأوسط خلال الفترة الأخيرة، بصورة سريعة الحركة، مما يجعل المراقبين السياسيين يرون مشقة في تجميع المشاهد السياسية لاستنتاج حقائق مثبتة بالأدلة والقرائن. والحديث على الاتهامات الموجهة إلى النظام الإيراني أصبح من أهم المجريات السياسية التي يعيشها العالم و بالتحديد منطقة الشرق الأوسط خلال الحقبة المعاصرة، وبين الشد والجذب وتأرجح العلاقات بين طهران والكويت، يبدو أن الأخيرة قد رأت حديثًا أنه لا فائدة من لعب دور الوسيط في ظل الظروف المشتعلة التي تعيشها المنطقة، فما فائدة الوساطة في حين إيران هي مثيرة الشغب الأولى في أغلب الأزمات الإقليمية ولا تفتأ القوى الإقليمية والدولية بتوجيه أصابع الاتهام نحوها وإدراجها في القوائم السوداء كدولة راعية للإرهاب وسببًا في زعزعة استقرار وأمن المنطقة، وهذا ما دفع الكويت أخيرًا أن تدرك بأن أضرار فيروس التوغل الإيراني يستدعيها لتناول جرعة وقائية.

قرار الحكومة الكويتية بتقليص حجم العلاقات الدبلوماسية مع إيران، يبدو في الظاهر لا علاقة له بالأزمة القطرية، لكن يصاحبه تساؤلات وتخمينات مثيرة للاهتمام ومن المحتمل وجود صلة له بالعقوبات العربية ضد الدوحة.

ربط المسئولين الكويتيين القرار الذي أصدرته المحكمة الكويتية العليا يوم الخميس 20 يوليو، والذي تضمن تخفيض عدد الدبلوماسيين العاملين في السفارة الإيرانية بالكويت، وإغلاق المكاتب الفنية التابعة للسفارة وتجميد أي نشاطات في إطار اللجان المشتركة بين الكويت وإيران، بملف جماعة تسمى "خلية عبدلي" وأن عدد من المتهمين في هذه القضية حسب قولهم قد هربوا إلى إيران. لكن ما هي "خلية عبدلي"؟

في الـ 13 من أغسطس 2015م، ذاع التلفزيون الكويتي مقاطع فيديو تفيد بضبط كميات ضخمة من الأسلحة والذخائر وأجهزة تصنت، ومعدات أخرى لها استخدامات عسكرية وتجسسيه وقد وجدتها قوات الأمن الكويتية حسب إفادتهم، في مزرعة تدعى "عبدلي" بالقرب من الحدود العراقية.

وأعلنت وزارة الداخلية الكويتية أنها ضبطت بداخل هذه المزرعة 605 قطعة سلاح و204 قنبلة يدوية، وكميات ضخمة من الخراطيش و144 كيلو جرام مواد متفجرة ذات قوة مدمرة.

تم اعتقال صاحب المزرعة ويدعى "حسن حاجيه" وهو المتهم الأول في القضية واعتقل أيضًا عدد من أفراد عائلته وأقاربه الذين كانوا يعيشون معه في نفس المزرعة وهم متهمين في القضية أيضًا. وانتشرت التقارير في الكويت ودلت التحقيقات على أسلحة ومعدات وأجهزة اتصال في 3 مواقع أخرى بينها مخبأ محصن بالإسمنت المسلح تحت بيت أحد المتهمين. وقدرت وزارة الداخلية في بيان وقتها كمية الأسلحة بعشرين طناً تقريباً، واعتقال عدد كبير من الأفراد ودخلوا جميعهم ملف القضية الذي تضمن 24 متهم من بين هارب ومعتقل وعرفوا بـ خلية عبدلي.

صدرت عقوبة ضد المتهمين قبل ثلاثة أسابيع شملت على اعتراف المتهمين بأنهم حصلوا على هذه الأسلحة والذخائر من إيران عن طريق البحر وأن عدد من جنود حزب الله اللبناني قاموا بتدريبهم عسكريًا.

وكان أحد المتهمين الهاربين، إيرانيًا يدعى عبد الرضا دهقاني وهذا الأمر الذي جعل السفارة الإيرانية في الكويت تصدر بيانًا تستنكر فيه أي صلة لإيران بهؤلاء المتهمين واعتبرت ما قالته الكويت مجرد دعاية إعلامية ضد العلاقات بين طهران والكويت، لكن نظرًا لسياسات إيران في المنطقة، واعتقاد جزء كبير من العالم العربي بتدخل غير بناء من قبل إيران في بشئون بلادهم الداخلية، أثارت هذه الأفعال الإيرانية ضجة إعلامية كبرى على مستوى العالم.

مع بداية المحاكمة العلنية في الـ 4 من سبتمبر 2015م، ادعى المتهمين جميعهم أنهم اعترفوا تحت وطأة التعذيب وأنه لا توجد أي صلة بينهم وبين حزب الله اللبناني ولا إيران.

وقال "حسن حاجية"، المتهم الأول في القضية إنه حصل على هذه الأسلحة قبل خمسة وعشرون عامًا، حينما كانت الكويت مُحتلة من العراق، حيث أعطاها له الشيخ عذبي ابن شقيق الأمير الكويتي بعد الحرب حسب ما ادعى، ووضعها تحت ناظره بطلب من هذا الأمير. وبعد قيام المحكمة بالتحقيق في هذا الأمر، أصدرت في النهاية يوم 13 يناير 2016م، أي بعد 11 يوم من اقتحام السفارة والقنصلية السعودية في طهران ومشهد، في تلك الآونة التي اضطربت فيها العلاقات بين إيران والسعودية وحلفائها من الدول العربية؛ بإصدار حكم الإعدام على "حسن حاجيه" و"عبد الرضا دهقاني". وتباينت أحكام المتهمين الآخرين بين السجن من 6 سنوات إلى مؤبد ومنهم من تبرأ.

أوضحت وسائل الإعلام الكويتية أن "عبد الرضا دهقاني" هو إيراني متزوج من كويتية وله أملاك وعقارات في الكويت ودول أخرى. على الرغم أنه لم تظهر أية أدلة وثيقة على صلة هذا الشخص بالمؤسسات العسكرية أو الاستخباراتية الإيرانية إلا أن النظرة الفاحصة على الموضوع ترمي إلى سياسة التدخل والنفوذ الإيراني المعهود.

وكانت الكويت قد كشفت عام 2010م شبكة تجسس إيرانية أعقبها أحكام بالسجن المؤبد على أربعة أشخاص، وجرى الحديث حينها عن أنها شبكة من ثماني شبكات تجسس، عملت بإشراف الحرس الثوري الإيراني لكن ما بادر به النظام الكويتي هو الحفاظ على علاقات جيدة مع طهران، وهونت من شأن تلك الخلية. غير أن "خلية عبدلي" وما كشفت عنه من أسلحة ضخمة وبالإضافة إلى تورط شيعة كويتيين، أثار حرج الحكومة خصوصًا في ظل تدهور العلاقات السعودية -الإيرانية. وردت حكومة الكويت على ما جرى من تعرض للسفارة السعودية باستدعاء سفيرها من طهران.

        أما على الصعيد الإيراني، ورد فعله حيال هذه الاتهامات، نرى تكرار في ديناميكية الجهاز الدبلوماسي لهذه الدولة، حيث أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية "بهرام قاسمي" عصر الخميس 20 يوليو، خبر استدعاء القائم بالأعمال الكويتية في طهران "فلاح الحجرف"، إلى وزارة الخارجية، فقال نصًا: "عقب توجيه الاتهامات الواهية من قبل مسئول في وزارة الخارجية الكويتية ضد إيران بشأن الملف المعروف بـ "العبدلي"، تم استدعاء القائم بالأعمال الكويتي في طهران إلى الخارجية الإيرانية وإبلاغه احتجاج إيران الشديد في هذا الصدد". النبرة المتكررة التي طالما استخدمتها الخارجية الإيرانية في معرض رد فعلها على قرارات الوقاية الدبلوماسية التي بدأت دول الخليج العربي في اتباعها منذ فترات قريبة بالتدريج.

مثل هذه الأعمال العدائية التي تدعمها إيران وميليشيات الحرس الثوري عسكريًا وفكريً انتشرت على نطاق واسع إقليميًا ودوليًا؛ فتكتشف دول الخليج باستمرار خلايا إرهابية مدعومة من إيران في البحرين والسعودية والإمارات. حتى الكويت عانت مراراً منها، لكن الآن دخلت العلاقة في مرحلة حرجة، ولأول مرة تتخذ الكويت هذا المستوى من الإجراءات مع أنها لم تصل لدرجة قطع العلاقات.

        لكن ما الدافع الذي يجعل الكويت وسيطاً مفضلاً من الأساس بين القوى الإقليمية وإيران، وللإجابة على هذا السؤال يتوجب الانتباه إلى موقعها الجيوسياسي بين ثلاث دول كبرى، السعودية وهي تمثل الشقيق الأكبر والعمق الاستراتيجي للكويت، والعراق الذي يمثل شقيقًا آخر يعاني من الاضطراب وعدم الاستقرار، وإيران دولة جوار لديها مطامع وأفكار توسعية حاولت الكويت احتواءها كثيرًا. يقول أستاذ العلوم السياسية الكويتي د. عبد الله الشايجي: "الكويت تلعب دور "التوازن الصعب" الذي يتمثل بعلاقة طبيعية مع إيران، واحتواء مع العراق، وعلاقة وطيدة مع السعودية. وسعت الكويت أن تكون حلقة الوصل، التي تمثل دول مجلس التعاون الخليجي وتعلب دور الوساطة مع إيران. لكن الأزمة الحالية تكشف المعضلة الأمنية التي تواجهها مع إيران، وتثبت الخلية الإرهابية صعوبة ذلك".

وهنا يطرح السؤال نفسه: هل من المحتمل أن تقطع الكويت علاقتها الدبلوماسية نهائيًا مع إيران؟ على الرغم من مرور العلاقات بين البلدين بفترات صعود وهبوط حادة، ومعاناة الكويت من مساعي إيران التخريبية، إلا أنها لا تريد قطع أواصر الصلة نهائيًا لأنها مفوضة من قبل دول مجلس التعاوني الخليجي بفتح حوار مع إيران لمحاولة بناء أرضية مشتركة تقوم على مبادئ احترام حسن الجوار وعدم التدخل بشؤون الآخرين، وعلاقات تقوم على المصالح المشتركة تعود بالخير على دول المنطقة.  فحتى في أحلك الأوقات التي كانت فيه التصرفات الإيرانية أسوأ مما هي عليه الآن، مثل الاعتداء على موكب أمير الكويت ومحاولة اغتياله عام 1985، لم تأخذ الأمور مستوى القطيعة الكاملة.

مرورًا على أحداث بضعة السنوات الماضية حتى الآن لا نرى مسمى "الجمهورية الإسلامية الإيرانية" إلا وبجانبه الحديث عن أسلحة وجنود ومتعصبين مذهبيين وعمليات تهريب ما يلخص كيف تكون شاكلة "الدولة الإرهابية"، وإذا ربطنا الأحداث من حيث قصر المدة خلال الآونة الماضية، وقرارات قطع العلاقات بين دول المنطقة والعالم مع إيران، ربما نجد صلة بين قرار محكمة الكويت وحصار دول الخليج لقطر وعقوبات الولايات المتحدة الأمريكية، ربما أدركت القوى العالمية أخيرًا مدى خطورة النظام الثيوقراطي الإيراني، وترغب في تطهير شعب هذه الدولة العريقة تاريخيًا، وبدأت الدول المتضررة من تصرفات هذا النظام بالتوجه نحو خطوات أكثر حسمًا في إطار مقررات السلام الدولية، لعل هذه الجهود تسفر عن وقفة فعلية ومؤثرة أمام الإرهاب والتطرف.


* باحث في الشئون الإيرانية

 

شارك