الحشد الشعبي العراقي، بين متطلبات الواقع وآفاق المستقبل

الأحد 30/يوليه/2017 - 11:15 م
طباعة
 

المتتبع لما بعد مرحلة سقوط نظام صدام حسين في العراق عام2003, يلمس التغييرات التي عمدت الى تنفيذها الأدارة الأمريكية على مؤسسة الجيش العراقي , فقامت بأولى عمليات التدمير الممنهج لتلك المؤسسة العسكرية العريقة والتي ترجع بدايات تأسيسها الى عام 1921, ليصبح العراق وتحت الاحتلال الامريكي , بلا مؤسسة عسكرية قادرة على حماية البلد , الأمر الذي جعل الحدود مفتوحة امام كل قوى الأرهاب المتطرفة للقدوم الى العراق , في ظل عدم ممانعة امريكية , لتجعل من العراق , ساحة الأرهاب الرئيسية في العالم , فكانت القاعدة , من اوائل تلك التنظيمات الوحشية التي زعزعت الاستقرار فيه ولمدة طويلة جداً , وفي المقابل , بدأت اولى محاولات اعادة تأسيس جيش عراقي جديد من قبل الامريكان , ليكون نواة القوات المسلحة والتس ستدافع عن امن وسيادة العراق , ضد التهديدات المحتملة من تلك المجاميع الارهابية, فبدأت طلائع ذلك الجيش تتشكل لتكون مستعدة لتحمل المهام الملقاة على عاتقها , في ظل اوضاع المنطقة الأقليمية والدولية , وصولاً لمرحلة قيام تنظيم داعش الارهابي من احتلال ثلثي مساحة العراق الكلية ومنها مدن الموصل وتكريت والرمادي وغيرها من المدن العراقية , والتي شكًلت نمطاً جديداً وغير مألوفاً في تكتيكات التنظيمات الارهابية , فهي استطاعت ولأول مرة في تأريخ العلاقات الدولية الحديثة من احتلال مناطق شاسعة في بلدين متجاورين وهما , العراق وسوريا , لتؤسس دولتهم المزعومة, ومتجاوزة لمرتكزات الدولة الويستفالية القائمة منذ عام 1648, لتدخل المنطقة في انذار وخطر كبير , في تهديد للسلم والأمن الدوليين , ومعرضة بذلك سيادة دول المنطقة الى حقيقة ذلك الخطر الارهابي والذي اصبح على مقربة من حدودها , ومن منطلق التصدي لتلك الهجمة الخطرة , جاءت خطوة تأسيس قوات الحشد الشعبي , لتكون موازية لتكتيكات تلك المجموعات الارهابية , في اتباعها لأستراتيجيات حرب الشوارع والقتال داخل المدن , ومن الطبيعي ان تكون تلك الدعوة شاملة في ابعاد نشأتها , لكل مكونات الشعب العراقي , بدون تمييز بين طوائفه وقومياته ومذاهبه, لتكون تلك القوات الشعبية , عاملاً حاسماً في تفتيت قدرات ذلك التنظيم , وعاملاً مساعداً للقوات العسكرية العراقية , لتحقيق النصر واستعادة الأراضي العراقية والتي كان قد احتلها التنظيم في 10-6-2014.

لذلك ومن اجل الاحاطة بحيثيات تأسيس الحشد الشعبي, لابد لنا من معرفة الخلفية التأريخية لتشكيله, وذلك من خلال دعوة المرجعية الدينية للشعب العراقي بالأنخراط في صفوف المتطوعين , اذ تعتبر فكرة الجيش البديل أو الرديف من الافكار القديمة والتي تعود الى الثورة الفرنسية عام 1798, وكذلك تم تجارب مماثلة اخرى لتلك الجيوش ومثلما حدث في ايران, حيث يُطلق على تلك القوات تسمية الحرس الثوري , وكذلك التعبئة الشعبية للمواطنين في العراق في اثناء الحرب العراقية الايرانية, اذ كانت فصائل الجيش الشعبي , رديفاً للقوات المسلحة , اذن من الناحية التأريخية , نرى بأن القوات الرديفة والتي تتطلب تعبئة شعبية وانضمام افراد الشعب اليها , تتوافر عندما تكون الدولة محاطة بالخطر , أو اذا كان المعركة تتطلب المزيد من الدعم الشعبي , لذا فأن القوات البديلة أو الجيوش الرديفة هي محط انظار القائمين على الدولة في حالات التهديد القصوى , وكما حدث بالفعل في العراق , في اعقاب احتلال داعش للمدن العراقية في 10-6-2014, لتكون الدولة في خطر حقيقي , يتطلب منها مجابهة تلك الاخطار , ولمعالجة الانهيار في صفوف القوات المسلحة , ولمنع تقدم التنظيم نحو العاصمة بغداد , انطلقت الدعوات لتأسيس جيشاً رديفاً للقوات المسلحة وذلك بتنظيم صفوف المواطنين الراغبين بالتطوع , دفاعاً عن الوطن, ومما يؤشر على هذه الدعوة والتي انطلقت من قبل المرجعية الدينية في العراق , انها لم تكن تستهدف فئة دون اخرى , وطائفة دون سواها , بل دعت القادرين على حمل السلاح من المواطنين ومن كل المكونات العراقية , وهذا يعني دلالة واضحة على انتفاء المعنى الضيق والتي تصوره هواجس الدول وخصوصاً الاقليمية منها , والتي تتخوف من تلك الدعوة وتتصورها بأنها موجهة للاخر من المكونات العراقية , ولكن هذا الامر , مردود ايضاً , فالتوجه الذي حملته الدعوة الكفائية للجهاد , انما انطلق من مبررات احتلال الارض من قبل التنظيمات الارهابية والتي لم تستثني احداً من اجرامها وارهابها , فأخذت تقتل وتهجر وتشرد من لا يؤمن بنهجها وفكرها , وبصدد ذلك نجد بأن قوات الحشد الشعبي تتألف من مختلف المكونات العرافية من شيعة وسنة وكرد وعرب وتركمان ومسيح وشبك وغيرهم من الطوائف , لتفوت الفرصة على المتصدين بالماء العكر والذين يتصورون ان الحشد الشعبي , انما يمثل مكون واحد , ومن خلال تطورات الأوضاع , نجد بأن المعارك الدائرة في العراق , انما تتطلب استخدام نفس مستوى التكتيك العسكري المتبع في ادارة المعارك , اي بمعنى اخر , ان الجيش العراقي غير مؤهل للخوض بمثل تلك التكتيكات التي يجيدها التنظيم الارهابي , ما يعني ذلك , انه لابد من فكرة ابتكار موازي للنهج المستخدم من قبلهم , فكان الحشد الشعبي , يمثل المعادل الحقيقي لأستراتيجية حرب الشوارع , ولذلك , ومن اجل تدعيم فكرة مساندة القوات العسكرية العراقية , نجد بأن الحشد الشعبي , استطاع ان يحقق العديد من الانتصارات في المعارك بفعل اجادته لتلك التكتيكات التي يستخدمها داعش في المعارك , فأغلب المنضوين تحت راية الحشد الشعبي , هم من المقاتلين السابقين واصحاب خبرة عسكرية اكتسبوها من سنوات طوال , لذلك تغيرت المعادلة العسكرية لصالح العراقيين , بفعل استخدام الحشد الشعبي في معارك التحرير وابتداءاً من جرف الصخر وامرلي وتكريت وبيجي والرمادي وغيرها من المدن والتي تحررت من سطوة التنظيم المتشدد , ولكن ارتفعت الصيحات والحملات الأعلامية الممنهجة تجاه ذلك التقدم السريع للقوات العراقية , بسبب وجود الحشد الشعبي , فأخذت تسوق الحملات التي تصوره بميليشيات طائفية تسعى الى تغيير ديموغرافي في المناطق التي يتم تحريرها , وانه ينتهك حقوق الأنسان وغيرها من الصور التي لا تنسجم مع الغرض الذي تأسس عليه , وهو تحرير الأراضي وفقاً للقانون الدولي الانساني , والذي يمكننا هنا قوله ازاء تلك الافتراءات المغلوطة , ان الحشد الشعبي , هو جزءاً من القوات المسلحة وفقاً لمرسوم صادر من مجلس الوزراء العراقي وبالتالي لا يمكن اعتبارها ميليشيات خارجة عن القانون , وذلك بحكم ارتباطها بالقائد العام للقوات المسلحة , لذلك فهي تقع ومن الناحية القانونية تحت ولاية القائد العام واوامره وبالتالي فهي تخضع للقانون العسكري , واي مخالفة تستوجب العقوبة فهي تنطبق عليه كما هي الحالة مع بقية القوات المسلحة , ولذلك فأن قوات الحشد الشعبي هي مؤسسة رسمية ولا يمكن اعتبارها ميليشيات وكما تصوره بعض التصريحات هنا وهناك , فالجدل قد حُسم من هذه الناحية, وفي حالة وجود انتهاكات بشأن حقوق الأنسان , فالقانون العسكري هو الحاكم وكما ورد بتصريحات السيد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي , بشأن ان العراق ملتزم بالقوانين الخاصة بظروف الحرب, ويعاقب كل من ينتهك تلك القوانين ويخضع منفذيها للقوانين السائدة.

اما من الناحية المستقبلية لقوات الحشد العسكري , فأننا امام سناريوهات متعددة لطبيعة ادوار تلك المؤسسة الجديدة في القوات المسلحة , فأما ان تكون قوات الحشد الشعبي وبأعتبارها جزءاً من المنظومة الأمنية , فهي ستًكلف بمهام امنية داخل الدولة العراقية لحفظ الأمن في المدن العراقية بعد انتهاء الحرب مع داعش وتحقيق النصر عليه , لأن  ذلك سيكسبها خبرة امنية في التعامل مع الملفات المستعصية ومحاربة الجريمة المنظمة , ولذلك فهي ستنخرط في تنظيم نفسها داخل المنظومة الأمنية والعمل على اجهاض اي محاولة ارهابية اذا م توفرت لها المستلزمات المطلوبة وذلك من خلال التعاون مع بقية الدوائر الاخرى داخل البلد , هذا هو الخيار الأول لتلك القوات لما بعد داعش , اما الخيار الثاني , فهو ينطلق من ابعاد سياسية بحتة وذلك بدخول الحشد الشعبي ومن خلال تكوين احزاب سياسية لممارسة العمل السياسي والتهيؤ لدخول الانتخابات المزمع اجراؤها في عام2018, وذلك من فرضية مفادها ان الحشد بقواته استطاع النصر على داعش وتحرير الارض , وهو قادر على العمل السياسي وذلك بحكم الشعبية والتي يحظى بها والتي جعلته يتجه نحو ذلك الهدف, وعليه ستتقرر خيارات قوات الشعبية بعد انتهاء عمليات التحرير, ونحن نرى امكانية تفضيل الخيار الأول, اي الانخراط في مهام امنية وذلك من خلال اختيار عناصر من القوات الشعبية لتكون ادوات للعمل الأمني داخل العراق . 

شارك