الطريق إلى 30 يونيو: الثورة والهوية والتحول الديمقراطي في مصر

الأحد 06/أغسطس/2017 - 05:15 م
طباعة الطريق إلى 30 يونيو:
 
د. عبد العليم محمد - عرض: هاني سليمان

صدر عن مركز الأهرام للترجمة والنشر كتب بعنوان: "الطريق إلى 30 يونيو: الثورة والهوية والتحول الديمقراطي في مصر"، تنبع أهمية هذه الكتاب، الذي نقدمه للقارئ العزيز، من عدة اعتبارات؛ أولها هو شخصية المؤلف، الدكتور عبد العليم محمد، فهو شخصية وطنية من طراز رفيع، مشهود له بالموضوعية والحيادية، لم يسع يومًا إلى منصب، ولم يخض يومًا معركة من أجل منفعة شخصية أو ذاتية، بالرغم من خوضه مئات المعارك، التي تقع في باب "الوطنية المصرية"، فهو من "شباب مركز الأهرام" الذين قال عنهم المرحوم الدكتور رءوف عباس، أنهم وقفوا بقوة وجسارة ضد التطبيع والمُطَبِّعين" في فترة ما بعد توقيع اتفاقية السلام وما بعدها حتى اليوم. إن مؤلِّفنا العزيز مشهودًا له بمواقفه الوطنية، التي اختطها لنفسه منذ أن كان طالبًا في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، والتي لم يحد عنها يومًا من الأيام. وتحت هذا الباب يعلن الدكتور عبد العليم انحيازاته الوطنية، كما عهدنا عنه، للقارئ في مقدمة هذا الكتاب، حيث أكد على أن الكتاب عبارة عن "دراسات تعلن انحيازها ودون لبس للثورة والتغيير أولاً، ولاختيارات الشعب المصري في التطلع إلى إقامة الدولة المدنية الديمقراطية ورفض الدولة الدينية التي تتقنع بالديمقراطية".

ثانيًا، أسلوب الدكتور عبد العليم في الكتابة، فهو السهل الممتنع، يميل إلى التبسيط غير المخل، وإلى الكتابة الأكاديمية الرصينة في ذات الوقت، وهو يسعى في ذلك إلى الوصول للقطاع العريض من المصريين.

ثالثًا، الأفكار التي يحملها الكتاب في طياته، حيث يحتوى الكتاب على مجموعة من الإشكاليات، والرد عليها في الوقت ذاته، التي تفجرت عقب ثورتي 25 يناير و30 يونيو، وهي تلك التي شغلت الفكر العربي الحديث والمعاصر، تلك المتعلقة بأسئلة: التقدم والتأخر، الهوية والتخلف، التحول الديمقراطي والاستبداد، وأخيرًا الإرهاب وكيفية مواجهته، تلك الظاهرة التي باتت تهدد أمن البشرية قاطبةً.

ورابعًا، إن مؤلفنا ومفكرنا العزيز لديه قدرات فائقة وكبيرة على استشراف المستقبل، فهو صاحب مدرسة فكرية منمقة وعميقة، تحظى باحترام واسع في مصر والوطن العربي، حيث تتلمذ على يديه مئات الباحثين، ولي الشرف أن أكون أحدهما، في مصر والوطن العربي، تلك المدرسة صاحبة عنوان عريض اسمها "الإخلاص للعلم، وحب الوطن أولاً".

وأخيرًا، فإن أهمية الكتاب تنبع أيضًا من كونه يقع ضمن كتب "التأريخ السياسي" لفترة مهمة ومفصلية في حياة الأمة المصرية الحديثة، حيث عجت الساحة الفكرية المصرية بمئات الكتب عن الثورة ولكنها كُتبت بغير حيادية، وبتحيز طبقًا للمرجعية السياسية لمؤلفها. أما الكتاب، الذي يوجد بين أيدينا، يتسم بالنزاهة والشفافية والموضوعية في الرصد والتحليل، ويتضمن عبر أربعة فصول رئيسة، مجموعة من الدراسات المعمقة والمقالات الأكاديمية الرصينة، التي ترصد وتحلل الأحداث والوقائع وإرهاصات ثورة 30 يونيو وما بعدها.

وفي الفصل الأول، يتناول الكتاب الحديث عن الهوية من حيث المفهوم والمحددات والتحديات، تلك القضية التي أعيد طرحها مجددًا عقب ثورتي 25 يناير و 30 يونيو، بعد صعود تيار الإسلام السياسي في العمليات الانتخابية التي جرت عقب الثورة، والتي انصب جل اهتمامها حول مقولة "استعادة هوية الدولة والمجتمع". وقد أكد الدكتور عبد العليم محمد على أن السؤال المتعلق بهوية مصر، الذي أعقب نجاح ثورة 25 يناير، ليس جديدًا كما يتبادر إلى أذهان الكثيرين، وربما يكمن الجديد في طرح هذا السؤال في المناخ السياسي، والذي فتح الباب أمام تشكيل نظام ديمقراطي، يحترم المواطن والمساواة في إطار دولة القانون.

وأكد أيضًا على أن الجدل حول الهوية في مصر مثار منذ ثلاثينات القرن العشرين، بعد الجدل الذى أثاره الراحل طه حسين في كتابه حول "مستقبل الثقافة في مصر" عام 1938. وأعيد الجدل بقوة في مرحلة صعود وتبلور الحقبة الناصرية 23 يوليو 1952. ويؤكد مؤلفنا على أن مفهوم الهوية من أكثر المفاهيم غموضًا والتباسًا في العلوم الاجتماعية، ويتميز عن غيره من المفاهيم، بأنه يدخل في صلب العديد من التخصصات العلمية، ولا ينتمى بالكامل لأى منها بالتحديد. وإن الهوية ليست معطى واحدًا يتحدد مرة واحدة وللأبد، بل هي عملية صيرورة تاريخية، وعملية ديناميكية تتعرض فيها الهوية للتشكل والتحول والإضافة والتغير والتأثر بالهويات الأخرى، والتأثير فيها، وتدخل حينئذ في مضمار النمو والتطور والترقي والتغير. وفي هذا الفصل أيضًا يتناول الكتاب مسألة صعود الإيديولوجيات ومطالب الهوية، والطابع المركب لتشكيل الهويات، ومكونات الهوية وخطابها، والعولمة والهوية الكونية.

الطريق إلى 30 يونيو:

وفي الفصل الثاني، يتناول الكتاب "ما بعد الثورة: سؤال الهوية والتحول الديمقراطي"، حيث يؤكد على أن الثورة لا تكون ممكنة في أي مجتمع، إلا إذا توافرت فيها بعض الشروط، على رأسها وفي مقدمتها تغيير ثقافي يمهد للثورة ويتلخص مضمونه في نقد القيم السائدة التي روج لها النظام القائم، والتي تبرر استمراره وإعادة إنتاجه مجددًا، كالخضوع والاستسلام والرضا بما حكمت به المقادير. أما الشرط الآخر فيتمثل في وجود "حالة ثورية" تسمح بالتمرد والثورة على النظام القديم، وهذه الحالة الثورية لا توجد هكذا فجأة أو مرة واحدة، بل هي صيرورة تجمع التراكمات والإحباطات والاحتجاجات الجزئية والكلية وتمهد إلى الثورة على النظام القديم.

ويشير الكتاب بموضوعية شديدة إلى أنه لظروف شتى محلية وإقليمية ودولية متداخلة ومتشابكة في آن واحد، تحدد مسار الثورة المصرية في طريق أحادي ألا وهو طريق الصراع الثقافي والفكري بين الإسلام السياسي بتياراته المتباينة وبين القوى المدنية الليبرالية واليسارية والقومية، وهو الصراع الذي تصدر المشهد السياسي في مصر بعد نجاح الثورة. 

ويؤكد الدكتور عبد العليم أنه على الأرجح لم يعني تصدر الصراع الثقافي والفكري المشهد غياب أو احتجاب الأبعاد السياسية والمصالح المختلفة لدى الشركاء في الثورة، أو اختفاء العناوين الأخرى للصراع بين قوى الإسلام السياسي والقوى المدنية بمختلف توجهاتها، ذلك أن النزاع الثقافي حول هوية الدولة والمجتمع وحول الموقف من الغرب المعاصر وقيم حقوق الإنسان، يقف وراءه أمران أولهما اختلاف المصالح وثانيهما اختلاف المفاهيم.

الطريق إلى 30 يونيو:

وفي الفصل الثالث "الهوية في منظور الإسلام السياسي: تفكيك أوهام الحداثة والاختزال والتفرد"، يتناول الكتاب عددًا من الأفكار المهمة مثل مسألة الهوية في المجتمعات العربية والإسلامية، وتطور النظرة إلى الهوية في العالم العربي والإسلامي، والإسلام السياسي وتحديات ما بعد الثورة، والهوية في برامج أحزاب الإسلام السياسي ونقدها.

 أما الفصل الرابع المعنون بـ "التحدي المتجدد – الإرهاب والهوية المصرية" حيث أكد الدكتور عبد العليم على أن الأعوام التي أعقبت ثورات ما عرف "بالربيع العربي" شهدت تصاعدًا ملحوظًا، ونموًا مطردًا للظاهرة الإرهابية والتطرف الديني. وذلك لا يعنى بحال أن الإرهاب ارتبط ظهوره بظاهرة الثورات العربية، بل سبقها بتاريخ طويل منذ سبعينيات القرن العشرين، ومع ذلك فإن الثورات وما لحقها من تغير للنظم وضعف الدول الوطنية، يبدو أنها مثلت فرصة لتطور هذه الظاهرة وخروجها من "القمقم" والسرية إلى الفضاء العام والعلن، كذلك كشفت هذه الثورات عن قصور الدولة الوطنية في إرساء مبادئ المواطنة والعدالة والشفافية، وعجزها عن إدارة التنوع المذهب والطائفي، وخلق كتلة مدنية قوامها الطبقة الوسطى، كتلة مناهضة للتطرف والغلو الديني ومؤثرة في تشكيل سياسات التوزيع والعدالة الاجتماعية ومكافحة الفقر وضمن جودة التعليم.  

  وفي نهاية الكتاب يحاول الدكتور عبد العليم الإجابة على السؤال الأوسع والعريض والذي يدور في أذهان ملايين العرب، وهو المتعلق بمعوقات الحداثة في العالم العربي. وفي معرض إجابته على هذا السؤال أشار إلى أن أحد أهم معوقات الحداثة في العالم العربي يتمثل في ضغط الماضي على الحاضر وخاصة الميراث الإسلامي في الانتقال إلى الحداثة. أما ثاني هذه المعوقات فهو يرتبط بتأسيس شرعية الحداثة على الماضي والموروث العربي وليس من خلال التجديد والمصادر المعرفية والعلمية والفلسفية للحداثة.

والخلاصة، إن للكتاب أهميته العلمية لكل الباحثين المهتمين بالشأن الثقافي، وللدولة ومؤسساتها، خاصة الأزهر والأوقاف، التي تبحث عن وضع خطة لتجديد الخطاب الديني. إن على واضعي السياسات، من أجل تجديد الخطاب الديني ومحاربة الإرهاب الفكري، أن يقوم بقراءة الكتاب جيدًا لكي يعلموا ما هي المشكلات والإشكاليات التي تواجه مأزق التجديد في الأمة العربية والإسلامية أولاً. كما يحتوى الكتاب على خطة عملية لطرق التجديد الديني ومواجهة الإرهاب. يضاف إلى ذلك فإن الكتاب مهم للغاية لكل المؤرخين المصريين الذين يقوموا بكتابة تاريخ هذا الفترة من حياة الشعب والأمة المصرية.

شارك