لماذا إصلاح المجال الديني؟

الأربعاء 16/أغسطس/2017 - 12:09 ص
طباعة لماذا إصلاح المجال
 
نبيل عبد الفتاح

أود أن أشير ابتداءً إلى أن بحث "لماذا إصلاح المجال الديني" للدكتور عبد الإله بلقزيز بوصفه مفتتح البحوث المختلفة حول الموضوع، يشكل في ذاته الحركة الأولى في البحث الإصلاحي في مجال من أعقد المجالات قاطبة في عالمنا العربي، وينطوي على إشكاليات نظرية ومعرفية وفقهية وكلامية وسوسيو-ثقافية وسياسية وتاريخية، وتراكمات، وتداخلات تجعله صعبًا وعسيرًا في مقاربته كماضِ مركبُ، وحاضر مترع بالاضطراب والتشوش، ومستقبل غائم. أجاد الكاتب في تناول موضوعه على عديد المستويات، والتحليل وبلغة سوسيو/فلسفية متميزة. ونظرًا لصعوبة الموضوع وتعدد جوانبه وأبعاده، وتاريخية المبادرات، والأفكار، والتمرينات التي رادته منذ نهاية القرن التاسع عشر، والقرن العشرين، فهو حمالُ رؤى وأوجه ويفتح الطرق عن سعة لمقاربات عديدة، لاسيما أن المقاربة الافتتاحية تشكل مرافعة جيدة في ضرورات إصلاح المجال الديني، وتنطوي على عمومية وانفتاح يسمحُ بمقاربات ومداخلات معها وحولها أو ناقلة عنها، وذلك على النحو التالي:

أولاً: لماذا السؤال حول لماذا إصلاح المجال الديني؟

السؤال في ذاته افتتاحي، وإعادة تذكير وتحيين الذاكرة المعرفية والسياسية والدينية ببداهة الإصلاح والسعي إليه في واقع ديني وسياسي واجتماعي مضطرب، ساعد عليه جمود الفكر الديني الإسلامي والمسيحي الأرثوذكسي الشرقي، ومساهمة أيديولوجيا الغلو الديني الإسلامي الراديكالي في إنتاج العنف المادي والوحشي والرمزي واللغوي في عالمنا العربي. من ثم السؤال يحثُ على إنتاج مقاربات وبالأحرى تمرينات جديدة وبحوث حول مسألة الإصلاح في المجال الديني.

لماذا السؤال حول لماذا إصلاح المجال الديني؟

1-  لأنه سؤال يرمي إلى إعادة إنتاج البداهات في سياقات متغيرة ومأزومة ومضطربة وهو سؤال يبدو لى أنه يحتاج إلى استصاحب سؤال آخر وهو لماذا فشلت مشروعات الإصلاح الديني تاريخيًا في تطور العقل والبُنى الفكرية والفقهية والإفتائية والدعوية الإسلامية، بل واللاهوتية المسيحية الأرثوذكسية التي تعاني من عديد المشكلات والإعاقات، وعلى رأسها الجمود ومفارقة الواقع التاريخي المتغير.

وسؤال ثالث: حول السؤال، وهو هناك مجال ديني مستقل نسبيًا في عالمنا العربي؟

وسؤال رابع: هل هناك مجال عام ومجال ديني مستقلان في ظل أنماط من الدول تحت التشكيل، ولم تستكمل بعد مقومات الدولة الأمة من حيث تطورها الداخلي، وتكاملها، وبناء أنسجتها الاجتماعية وموحداتها الجامعة بين مكوناتها الرئيسة، باستثناء الدولتين المصرية، والمخزنية المغربية إلى حد ما؟ أليس المجال العام الحر والمفتوح هو نتاج تطور تاريخي في إطار الدولة القومية ومؤسساتها وأجهزتها ومجتمعاتها المدنية؟

هل هناك مجال ديني مستقل نسبيًا في الدول العربية ما بعد الاستقلال؟ أم أن ثمة تداخل بين المجال العام السياسي والديني والاجتماعي؟ هل يمكن الحديث عن مجال عام في ظل وضعيات الحصار والمصادرة والقيود والقمع القانوني والأمني؟

هل يمكن الحديث عن مجال عام سياسي في ظل ظاهرة موت السياسة؟ وفي ظل موجات الانتفاضات الثورية المجهضة، وعودة السياسة، ثم تراجعها مع عودة التسلطية السياسية وحصار المجال العام السياسي، هل يمكن الحديث عن استقلالية المجال الديني ولو على نحو نسبي؟

الأسئلة السابقة وغيرها لا تقدح في أهمية مقاربة الباحث المتميزة، إلا أنها تشير إلى تعقد الموضوع ومقارباته، لاسيما في عالم عربي ودوله ونُخبه الشمولية، والتسلطية التي تتلاعب وتوظف الأديان في السياسة، وممارسة الهيمنة من خلاله على المجتمع.

هل خمدَّ النقاش حول تجديد، وإصلاح الفكر الديني الإسلامي والمسيحي العربي؟ وهل ذهب إلى دائرة اللامفكر فيه بتعبير أركون، وفق ما ذهب إليه الباحث القدير.

يبدو لي – وأرجو ألا أكن مخطئًا- من متابعة تطور نظم الأفكار ومدارس الفكر والعمل السياسي إننا إزاء مشكلات وإشكاليات لم يخمُد فيها النقاش من المرحلة شبه الليبرالية إلى بعض المشروعات السياسية والتنموية الكبرى في ظل الناصرية والبعثية وما بعدهما. التجديد والإصلاح – على اختلاف كلا المصطلحين – يمثلان أحد أهم قضايا الفكر العربي الحديث والمعاصر، وذلك نظرًا لجمود بُنى الفكر الديني النقلي، وتحوله إلى عقبة أمام تمثل الحداثة وقيمها الرئيسة في أنماط التفكير والسلوك الاجتماعي في الحياة اليومية، والأخطر تشكيك وجحده لشرعية الاستعارات الحداثية للهندسات القانونية والسياسية والثقافية المستمدة من المرجعيات اللاتينية والأنجلوساكسونية واستخدام الجماعات الإسلامية السياسية لخطابات وضعية تفسيرية وتأويلية سلفية ومحافظة ومتشددة في نفي شرعية الدولة العربية ما بعد الاستقلال من منظورات دينية وسياسية وضعية. السبب في تقديري ليس نتاج فوبيا أو نزعة عُصابية، وإنما نحن أمام إعاقة تكوينية ومعرفية لدى بعض رجال الدين مرجعها أنماط التعليم والتكوين في الدرس الديني في المؤسسات الدينية، أو تكوين أعضاء الجماعات الإسلامية السياسية، والسلفيين. السبب الرئيسي بنيوي في بنية العقل النقلي ذاته، وآليات العنعنة وغياب الدرس التاريخي حول المذاهب ومدارس التفسير والتأويل، والإفتاء، وغياب الدرس الاجتماعي وطبيعة المصالح الاجتماعية وتحيزاتها فيما وراء إنتاج الفقه والتفسير والإفتاء.

السؤال الذي نطرحه هنا هل هناك رفض عُصابي لأي حديث في الإصلاح الديني أن محاججة الكاتب – د. عبد الإله بلقزيز – لأطروحات رافضي دعاوى الإصلاح موضوعية، إلا أن هذه الأطروحات الرافضة يرتبط بعضها تاريخيًا بالدور التاريخي الدفاعي للإسلام الذي تستدعيه المؤسسة الدينية الرسمية ورجال الدين، والجماعات الإسلامية على تعددها واختلافاتها، كمحور من محاور سياسة الهوية والدفاع عنها، وهو ما كان يظهر في المراحل الاستعمارية – دور الأزهر مثلاً- ثم تكرس بعد هزيمة يونيو 1967، وعودة النظام إلى الدين كوسيلة دفاعية وتوازنية لاحتواء آثار الهزيمة النفسية، وتحقيق التوازن الاجتماعي آنذاك. كان الدين والأزهر والجماعات الإسلامية والدعاة والسلفيين في عهدي السادات ومبارك يستخدمون الإسلام الفقهي والتأويلي والدعوى الوضعي كأحد أهم الأجهزة الأيديولوجية الهجومية على الحداثة والنظام والجماعات الحداثية المبتسرة، وكجزء من خطاب الخصوصية الثقافية، والسجال مع السلطة في المجال السياسي المحاصر، ومحاولة كسره واختراقه عبر التعبئة الدينية من خلال خطاب الهوية الإسلامية. ثمة غياب في البحث – موضوع التعليق لأسناد أطروحات الرافضين للإصلاح في المؤسسة أو السلطات في بعض الدول العربية الملكية أو المشيخية أو الأميرية التي توظف الإسلام في الشرعية، أو في المؤسسة الدينية، أو بعض الجماعات الإسلامية السياسية والراديكالية، والجماعات السلفية، أو بعض الدعاة التلفازيين أو دعاة الطرق.

وهنا يثار تساءول آخر حول لماذا يعاد إنتاج السؤال حول التجديد والإصلاح، وتحوله الآن إلى دائرة أخرى هي المجال العام الديني؟

إعادة إنتاج السؤال المركزي ودوائره الفرعية من الأسئلة يعود في تقديرنا إلى ما يلي تمثيلاً لا حصرًا:

1-  إن المحاولات التجديدية والإصلاحية الجزئية والمبتسرة لم تحقق أهدافها، لأنها لم تستكمل أسئلتها التي تدور في مدارات العمومية والسيولة والغموض، بديلاً عن وضع قوائم الأسئلة المنضبطة الدلالة والمعاني في سياقات تاريخية محددة، وتجري من البحوث السوسيو-تاريخية حول الإسلامات الوضعية الفقهية والكلامية وعلاقاتها بالنزاعات المذهبية والسلطة، على نحو يسمح بالإجابة عن هذه الأسئلة، وتحرير المقدس والآلهي والسّنوي من الوضعي وسردياته ومقولاته وتأويلاته. وتحديد المساحات التي تتطلب إصلاحًا أو تجديدًا على صعد التأصيل والتفسير والتأويل.

2-  غياب رؤية تجديدية أو إصلاحية تتسم بالمنهجية والإطار المعرفي الذي يسمح للإصلاحي أو التجديدي بالممارسة التطبيقية لإعادة بناء أو إصلاح أو تجديد نظام أصول الفقه ومصادرة، أو المنظومة الكلامية سواء من داخلهما أو ببعض الاستبعادات البرانية من الفكر الحديث والمعاصر في مدارسه الهيرمنطيقية والفلسفية والسوسيولوجية.

ومن الشيق هنا ملاحظة أن بعض المفكرين والباحثين في العلوم الاجتماعية الحديثة وتحولاتها المعاصرة لم يستطيعوا تطبيق بعضُ من استعاراتهم ونقلها إلى مجال التطبيق التاريخي على الموروث إلا قليلاً، وتحولت دعوات بعضهم إلى دور الدعوة والتبشير، وثمة من فشل في تطبيقها الجزئي والأمثولي المحدود.

3-  بعض المحاولات الإصلاحية اتسمت بالنزعة البرانية القادمة من الإصلاح الديني الأوروبي منزوعًا من سياقاته وصراعاته وحروبه، وسعت على سبيل الدعوة إلى لوثرية وكالفينية إسلامية، ومن ثم لم تتجاوز طابعها الشعاري Cliche.

4-  باستثناء محمد عبده نسبيًا، وبعض تلاميذه مصطفى المراغي، ومحمود شلتوت، وعبد المتعال الصعيدي، ومحمود بخيت من مشايخ الأزهر، لا تعدو بعض المحاولات أن تكون بعضُ من الفتاوى التي حاولت إيجاد سند شريعي لرأي يُشّرعن بعض السلوكيات الاجتماعية الحديثة والمعاصرة، وليس إصلاح في مقاربات، وبنية الإفتاء ذاته، وبعض الجوانب التي تتطلب إصلاحًا بالحذف أو الإضافة أو تطوير بعضها الآخر.

5-  لم تصل بعض هذه المحاولات إلى حد إصلاح مناهج الأصول والأدلة والتفسير والتأويل وتطويرها استجابة لإشكاليات ومشكلات معقدة تفرزها عمليات التحديث السلطوي للقيم، وبعضُ من اقتباسات الحداثة وما بعدها أو ما بعد بعدها قليلة ونادرة هي محاولات إصلاح البُنى التفسيرية، أو التأويلية، والكلامية.

الأعطاب هنا لا تعود فقط لاستخدامات السلطة الشمولية والتسلطية للديني في إطار هيمنة السياسي، واستخدامها للمؤسسة الدينية التابعة والخاضعة لها، وإنما يرجع إلى اختلالات منهجية ومعرفية في مقاربات الإصلاح الديني وآلياته.

المجال العام والمجال الديني هما جزءان من تطور هندسة الدولة القومية الحديثة، ويختلفان نوعيًا عن نظام الأسواق الـ Agoras في بعض نماذج الدول ما قبل القومية، في الدولة القومية حيث تفرض طبيعة الدولة الحياد إزاء الأديان المختلفة مع اختلاف بين بعض نماذج الدولة في أوروبا. في دول المنطقة العربية تتحدد طبيعة العلاقة بين الدين، والدولة من حيث الاستقلالية النسبية علاقة الدين والنظام السياسي وشكله وطبيعته وتكوين النخبة السياسية الحاكمة وفي ضوء ذلك تتحدد هندسة المجالين، وطبيعة القوى الفاعلة أو الفواعل داخل كلا المجالين، ومن ثم تختلف أي مقاربة إصلاحية لأيهما على طبيعة هذه العلاقة وتاريخيتها، وذلك لضبط وأقلمة المقترحات الإصلاحية ومدى ملاءمتها وإمكانية تطبيقها.

خذ على سبيل المثال الحالة المصرية لطبيعة العلاقة بين الدين والدولة منذ ثورة يوليو 1952، والتي تحددت في ضوء الصراع السياسي بين الضباط الأحرار وجماعة الإخوان المسلمين، والتي أدت إلى صياغة ناصر لرؤيته حول الدين الإسلامي والمسيحي لاسيما الأرثوذكسية المصرية، وهو توظيف بعضُ القيم الدينية في دعم وشرعنة النموذج التنموي، وكمصدر من مصادر الشرعية السياسية، وأداة من أدوات التعبئة السياسية والاجتماعية، وفي مواجهة الإخوان المسلمين ونظائرهم وأشباههم، والماركسية، وأحد أدوات نظام السياسة الخارجية. في عهد السادات استخدام كمصدر للشرعية، وفي التعبئة، وفي إعادة بناء التوازنات السياسية مع الماركسية والإخوان والقوميين والليبراليين، وفي إطار السياسة الخارجية المصرية. وهو الأمر الذي استمر في عهد مبارك إلى حد ما.

هذه التوظيفات السياسية للدين، في ظل ظاهرة موت السياسة، والمجال العالم المحاصر ومجال ديني تحت السيطرة، ثم انفلاته النسبي في عهدي السادات ومبارك مع صعود الحركات الإسلامية السياسية الراديكالية ومعها العنف وخطاب جحد الشرعية عن الدولة والنظام والنخبة السياسية وتكفيرهم جميعًا. المجال العام المحاصر متداخل مع مجال ديني تشوبه الصراعات والنزاعات من أجل السيطرة على الدين وحراسته والنطق باسمه بين النظام وأجهزته الأمنية والأيديولوجية، والمؤسسة الدينية الرسمية التابعة، والجماعات الإسلامية السياسية، والسلفيين، ودعاة الطرق، والحركة الصوفية.

من هنا أتصور أن بناء تصور إصلاحي للمجال الديني في عالمنا العربي، يتطلب دراسة واستصحاب بعض الحالات في أكثر من بلدُ عربي لتطور المجالين العام والديني والسياسي بل والمجال الخاص الذي وظف من قبل الجماعات الإسلامية والسياسية والسلفية ودعاة الطرق كأداة لأسلمة المجال العام والدولة وأجهزتها عبر الجسد الأنثوي وأقنعته ونظام الزي. ناهيك عن بعضُ التمايزات في المجال الديني وفق المذهبية المسيسة الجديدة في المنطقة، وعلاقتها بالانتفاضات الثورية ومآلاتها، وانهيار الدولة في العراق، وسوريا، واليمن، وليبيا.

تشكل مجادلة الكاتب ونقده لجميع رافضي الإصلاح للمجال الديني مثالُ على عمق معالجته وموضوعيتها، وتمييزه بين نظام الدول ونظام الدين، وأن الأخير يقع بحسب وضعه التحليلي "حصرًا في نطاق الإيمان والسلوك الفردين، أما في الحياة العامة، حيث الولايات للدولة لا الفرد وأن نظام الدولة غير نظام الدين، لأن نظامها نسبي متغير، وبشرى، قائم على المصالح الجامعة، فيما نظام الدين مطلق، ثابت، قائم على الإيمان. الدولة دولة المواطنين والدين وبين المواطنين (ص4 من الورقة) ومن ثم هى سعي إلى فردنة الدين كإيمان وعقيدة وهو ما يناسب ويتكامل مع الحساب الإلهي الأخروي على أساس فردي. وصحيح أيضًا قوله أن تاريخ الإسلام لم يشهد تماهيًا بين الدين والدولة كما حصل في أوروبا المسيحية الوسطى، وإنما عرف أشكالاً من الانفصال والتمايز.

ثانيًا: في المجال الديني ومسوغات إصلاحه

ثمة بعض الخلاف مع الكاتب حول تحديد المقصود بالمجال الديني والسياسات الدينية حيث ذهب إلى أن المجال الديني الذي يدعو إلى إصلاحه هو "ميدان واسع من المعطيات الدينية أو السياسات الدينية في مجتمع أو مجتمعات بعينها والمجتمعات العربية الإسلامية في حالتنا،؟ وهي مزيج من معطيات فكرية تتعلق بنوع الصلة التي ينسجها الوعي بالدين = الفهم الديني أو فهم النصوص الدينية، ومن معطيات اجتماعية – سياسية، تتعلق بنوع السياسات التي تنتهجها الدولة في إدارة الشئون الدينية" (ص5). ويرتب على هذه العلاقة نتيجتين مختلفتين هما:

1-  تتقدم السياسات الدينية في مجتمع ودولة كلما تطورت مستويات الصلة بين الوعي والنص الديني، وتطور هذه الصّلة يتولد – أو تتولد ممكنات لها- من النجاحات الإيجابية التي قد تحرزها تلك السياسات الدينية " والعكس صحيح.

2-  كلما انحط صلة الوعي – الفردي والجماعي- بالدين، عَسُر على السياسات الدينية أن تأخذ مسارًا إصلاحيًا، وعُسْرُ هذه يعيد إنتاج الصلة غير الصحية عينها بين الوعي والنص، بين الفكر الديني والدين" (ص5).

السياسة الدينية –وفق تعريفنا- هي مجموعة الرؤى والتصورات التي تتبناها، وتعبر عنها النخبة السياسية المسيطرة إزاء الدين كمنظومة اعتقاد وتشريع وأخلاق، والتي تعبر عن مصالحها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية من أجل الهيمنة الرمزية على قطاعات اجتماعية واسعة، وفرض أهدافها عبر أجهزة القوة التي تحتكر العنف المشروع المادي أو الأيديولوجي والرمزي ومن ضمنها الدين من منظور تأويلي محدد ووضعي، والمجال العام الديني هو حيز الفراغ الحر الذي تتداول فيه الرؤى والأفكار والعقائد والطقوس الدينية، والسلع الدينية الوضعية حول الأديان، من فقه ولاهوت وكلام، وفتاوى ... إلخ، ويشغله أطراف وفواعل دينية مختلفة من مؤسسات دينية رسمية وطوعية، وجماعات مذهبية، وفقهية ولاهوتية، والأشخاص / الأفراد المؤمنين، ودعاة طرق لاسيما في المجتمعات العربية. ويختلف هذا المجال الديني ومدى استقلاليته اعتمادًا على طبيعة الدولة ومدى تطورها، دولة علمانية أم دولة إسلامية وعربية تستخدم الدين في العمليات السياسية والتعبئة الاجتماعية، والهيمنة الرمزية أم لا؟

المجال العام الديني مفهوم إجرائي ويختلف من حالة لأخرى، وتاريخيتها وطبيعة علاقة الدولة والنظام والنخبة بالدين في السياسة أو حياديتها.

السياسة الدينية هو أمر يتصل بالنظام السياسي وطبيعته شمولية أو تسلطية أو ديمقراطية، ومن هنا لابد من التركيز في كل حالة على هذه الطبيعة، ووصف المجال الديني ومدى علاقته بالمجال العام السياسي، والسياسة الدينية للنظام في كل مثال عربي لإمكانية استخلاص المشتركات والتباينات على المستوى العربي.

مسألة الوعي بالنص الديني ومستوياته، أدخل في تنوع مستويات الثقافية الدينية السائدة، ومهم ما ساقه الكاتب في تحليله، لكن في الأوضاع العربية، هناك تدهور في مستويات الوعي بالنص على مستوى النخب أو الجماهير على تعدد فئاتها التكنوينية والاجتماعية بما فيها بعض عناصر داخل المؤسسة الدينية الرسمية، أو الجماعات الإسلامية السياسية، وما ساقه الكاتب بالغ الأهمية لكنه يبدو على سوية التنظير، إنما الواقع العربي المتعدد يبدو مغايرًا.

في الحاجة المعرفية إلى فهم جديد للدين، يتناسب ومستوى تطور الفكر الإنساني هذا الجزء من البحث يبدو بالغ الأهمية والرصانة والعمق، لاسيما ما طرحه من استراتيجية متكاملة لإعادة قراءة تراث الإسلام في ضوء منهجي جديد هذه الرؤية وتأصيلها التي قدمها الكاتب متميزة ومقبولة في مستوياتها الفكرية المتوازية في:

1-  تأهيل العلوم الدينية التقليدية بالمناهج الحديثة، التاريخية، والنقدية، والتأويلية واللسانية لإعادة بناءها أو إعمارها بتعبير الكاتب، وذلك لتحرير الدين من سياجات صارمة وضعها رجال الدين التقليديون، من البنُى التفسيرية والتأويلية والفقهية، والإفتائية الوضعية، وأضفوا عليها قداسة من بعضهم أو شبه قداسة لحماية وتكريس وشرعنة مكانتهم، ومن ثم تحولت إلى ديانة وضعية موازية أو نص موازي للنص المقدس – تعالى وتنزه- والنص السّْنوي، وخطورة ذلك أنه ارتبط بالسياسة ومصالح بعض رجال الدين ومؤسساتهم. ومن ثم صحيح ما قاله الكاتب من "إن التعالي بنصوص الأئمة إلى مستوى المقدس خطأ فادح في حق الفكر الإسلامي، بل في حق الإسلام، وتخليط غير مشروع بين البشرى النسبي والديني المثالي". (ص 9، ص 10 من البحث).

2-  تأسيس إسلاميات نقدية حديثة والانفتاح على مكتسبات العلوم الاجتماعية والإنسانية ومناهجها الحديثة.

يمكن أن نضيف إلى هذا المطلب الإصلاحي من الاستفادة والاستيعاب والتعديل إلى التنظير المباشر للواقع – بتعبير حسن حنفي- لأن بعض المحاولات السابقة (أركون / نصر حامد أبو زيد) لم تكن سوى تبشيرية ودعوية بالمحدث في العلوم الاجتماعية، ولم يطبقوا بعضها إلا قليلاً، على المقدس ولم تكن ناجحة (مثال: العجيب والخلاب في القرآن لأركون)، من ناحية أخرى لم يقم أحدهم بدراسة المهن السنوي تاريخيًا على نحو موضوعي ومنهجي.

هذه المهام وغيرها هي من اختصاص الباحثين في هذه المجالات وليست من مهام علماء الفقه واللاهوت كما ذهب وبحق الكاتب إلا أن ثمة تجارب إصلاحية تستصحب من داخل المؤسسة الدينية وخارجها في المرحلة شبه الليبرالية، ممن تفاعلوا مع المجال العام السياسي والثقافي شبه المفتوح في مصر. من ثم أحد شروط الإصلاح هو إصلاح بل وتحرير المجال العام السياسي المحاصر والمقيد، من خلال الحرية الأم الرأي والتعبير بكافة أشكالهما، ومعها حرية التدين والاعتقاد، والبحث الأكاديمي والاجتماعي في مختلف مجالاته.

3-  إصلاح المنظومة التربوية والتعليمية وبرامج التكوين الديني فيها، وهو أمر بالغ الأهمية، ونضيف ضرورة إدخال المكون الثقافي في برامج التكوين التعليمي الديني والمدني معًا. والأهم هو إعادة تأهيل المدرسين والمدرسات والأساتذة ذوي التعليم الردئ، لأن دورهم بالغ الخطورة في تقديم دروس دينية وضعية حول مقررات تعليمية ضعيفة المستوى وتمثل إعادة إنتاج النزعة النقلية القائمة على الحفظ والاستظهار من ناحية أخرى إعادة تأهيل الإعلاميين سواء في المجال الديني أو في غيره من المجالات لتدهور مستويات تكوينهم وثقافتهم الدينية الإسلامية، أو المسيحية

من ينهض بإنجاز إصلاح المجال الديني؟

صحيح ما ذهب إليه الكاتب من أنه لا يمكن الاعتبار، كثيرًا بدرس الإصلاح الديني في أوروبا القرن السادس عشر لاختلاف الحالتين ومعطياتهما. أن الهدف عندنا هو إصلاح المجال الدين "أي جملة البُنى والمؤسسات والعلاقات والتشريعات السياسية المتعلقة بالدين لا الدين نفسه" (ص 35) وأن هذه المهمة لن يقوم بها عندنا رجال الدين حصرًا كما في البروتستانتية، وإنما هي مهمة النخب العلمية من جماعات الدارسين للفكر الديني والفكر الإسلامي عمومًا. وهذا الدور يحتاج إلى حامل سياسي هو الدولة وأن ما تستطيعه يعادل أضعاف أضعاف ما تستطيعه النخب (ص 38).

إصلاح المجال الديني يحتاج إلى جملة سياسات ومقاربات متكاملة يتداخل فيها المعرفي والديني والثقافي والتعليمي والاجتماعي، وليس محضُ إصلاح للخطابات الدينية فقط كما يطرح في بعض الخطاب السياسي السائد عربيًا.

شارك