صوت الإمام – الخطاب الديني من السياق إلى التلقي

الإثنين 21/أغسطس/2017 - 05:10 م
طباعة صوت الإمام – الخطاب
 
د. أحمد زايد - مراجعة د. أحمد موسى بدوي

أحمد زايد، 2017، صوت الامام الخطاب الديني من السياق إلى التلقي، القاهرة، دار العين للنشر.

يثير هذا الكتاب العديد من الأسئلة الجوهرية، التي تكشف العلاقة بين الدين والمجتمع المصري، وهو محصلة جهد علمي متواصل بذله الدكتور زايد عبر سنوات ليست بالقصيرة. ولا نبالغ القول بأنه نص تشكل على مهل واستوى على سوقه في لحظة تاريخية فارقة من عمر الوطن العربي، والنص من هذه الزاوية يمثل صرخة خبير وزفرة ألم مخلصة. ولأن الكتاب قدم تشخيصاً شاملاً لأبعاد العلاقة بين الدين والمجتمع، فإنه من الصعب على الراغب في مراجعته وتعريف القراء به أن يلتزم النمط العادي في عرض الكتب. ومن ثم فإننا نقدم في السطور التالية مراجعة، قمنا باختصارها أكثر من مرة، لكنها تبقى في النهاية مراجعة مطولة شكلا مختصرة موضوعا. وهي تعرف القارئ بالعمل ولا تغنيه عن قراءته.

يقع الكتاب في 285 صفحة، وينقسم إلى مقدمة وسبعة فصول: يؤسس الفصل الأول لإشكالية الدراسة، وسؤالها والاستراتيجية المنهجية، وأدوات التحليل والتفسير والتأويل. ويتناول الفصل الثاني أهم المقاربات النظرية السوسيولوجية الكلاسيكية والمعاصرة التي عالجت العلاقة  بين الدين والمجتمع. أما الفصلين الثالث والرابع فيعالجان بُعْد تكوين الخطاب الديني، سياقه العالم وأوضاع النخب الدينية. ويعالج الفصلين الخامس والسادس بُعْد مضمون الخطاب الديني، من خلال تحليل عينة كبيرة من الخطب المنبرية، المكتوبة والشفاهية. ويختص الفصل السابع بدراسة بُعْد تلقي الخطاب لاستكشاف أنماط هذا التلقي وأسراره وخبراته المعقدة. ويقدم الكتاب في الفصل الثامن رؤية استشرافية لدمج الخطاب الديني في قضايا النهضة والتنمية.

السؤال نصف المعرفة:

يبدو من الوهلة الأولى أن الكتاب يستوعب دائرة واسعة من القراء، ابتداءً من القارئ العادي المهموم بالواقع وآثاره، مروراً بالمثقف والمختص، وانتهاء بصناع القرار. ولأن السؤال الجيد هو نصف المعرفة كما يقولون، فإن زايد قدم لقارئيه في الفصل الأول حزماً أربع من الأسئلة المفككة للتركيب والتعقيد: (1) أسئلة السياق الحضاري بأبعاده الاجتماعية والثقافية. (2) أسئلة الذوات المنتجة للخطاب الديني. (3) نظام الخطاب الديني وأنواعه. (4) أسئلة تلقي الخطاب وأنماطه. هي حزمٌ من الأسئلة الواعدة بإنتاج معرفي شامل ومحيط بإشكالية الدراسة في أبعادها الثلاث، بُعْد التكوين، بُعْد المضمون، بُعْد التلقي، ويبدو من الوهلة الأولى وقبل الإبحار في فصول الكتاب، أن هذه الأسئلة تقف على قدمين ثابتتين، تُسَاءِل الواقع وتبحث في المثال، تنطلق من المجرد وتسترشد بالإجرائي، ما يعني أنها تؤسس لمشروع بحثي من المفترض أن تنشغل به الجماعة العلمية بصورة دورية في المستقبل.

الاستراتيجية المنهجية للكتاب:

ولأن الكتاب كما ذكرنا يستهدف طائفة واسعة من القراء، فإنه لم يترك أيا من هذه الفئات القارئة داخل غابة الأسئلة دون أن يحدد لهم استراتيجية الخروج وطرق توليد المعرفة المجيبة عن هذه الأسئلة، فاستعرض في بقية الفصل الأول، الاطار المنهجي الحاكم، والبيانات التي يستهدف معالجتها، وأسلوب التحليل الذي ينطلق منه، هي استراتيجية مرنة تتمتع باللياقة المنهجية العالية، تشتمل على التحليل الكمي والكيفي، وتحليل ثانوي وتاريخي، وتحليل مضمون وتحليل خطاب، على النحو التالي:

(1) في درس البُعْد التكويني (السياق والذوات المنتجة للخطاب): يقدم الكتاب تحليلا لبيانات احصائية تشخص حالة التعليم الديني في بعض المجتمعات الاسلامية، ثم ينتقل إلى دراسة تفصيلية لواقع التعليم الديني في مصر، ومراحل تطوره في العقدين الأخيرين، وبعدها يركز البحث على النخبة الدينية، محاولا إزالة الغموض عن أساليب تشكلها، والدور الذي تلعبه في تشكيل العقل الديني، ودورها في ترسيخ هوية دينية أو بالأحرى هويات دينية فرعية.

(2) وفيما يتصل بِبُعْد المضمون: استهدف زايد تحليل نوعين من البيانات المكتوبة والشفاهية، فقام بتحليل للخطب الدينية ذائعة الصيت، المنشورة في كتب ومجلدات، واختار عينة كبيرة من الخطب الشفاهية التي ألقيت في محافظات القاهرة الكبرى وبني سويف والفيوم والمنيا وسوهاج خلال الفترة (2007-2010) بلغ مجموعها 242 خطبة. ولأنها مادة ضخمة وثرية، فقد خضعت لثلاث عمليات تحليل: (أ) تحليل مضمون كمي، لاكتشاف السمات الأساسية والعامة التي تسم الخطاب الديني المعاصر بنوعيه المكتوب والشفاهي. (ب) التحليل المعياري للكشف عن درجة ظهور أو غياب قيم التنمية في الخطاب الديني، بالتركيز على أربعة قيم مركزية هي: قيم العمل، القيم السياسية، القيم الاجتماعية، القيم الشخصية. باعتبار أن هذه القيم حاسمة في فهم علاقة الدين بتقدم المجتمع أو العكس في لحظة تاريخية محددة. (ج) وأخيرا طبق زايد أداة تحليل الخطاب في محاولة متممة ومكملة تكشف المعاني والدلالات الرمزية الكامنة في هذه النصوص وكيف يمكن ربطها بالسياق الحضاري العام.

(3) أما بُعْد تلقي الخطاب الديني: فقد اعتمد ثلاثة أنواع من البيانات، الأول ناتج استبيان عينة قوامها 350 مفردة متنوعة الخصائص، للتعرف على سمات الهابيتوس الديني لدى جماعة المتلقيين. ثم من أجل التعمق في فهم التوجهات والميول الدينية والمواقف التفاعلية مع الخطابات المنتشرة في الفضاء العام، اعتمد كتاب صوت الامام على أداتين أخريين هما الملاحظة والمقابلات الكيفية المفتوحة لعينة عمدية قوامها 30 مشارك.

التكامل النظري كإطار مرجعي:

على الرغم من أن زايد قدم مجموعة من الافتراضات النظرية في الفصل الأول من الكتاب، تصلح في حد ذاتها كأساس للتفسير في هذه النوعية من الموضوعات، إلا أنه لم يترك القارئ المتخصص، دون أن يشبع فضوله العلمي، فقدم في الفصل الثاني، إجابة عن كيفية استنباط  هذه الافتراضات عبر قراءة سوسيو- فلسفية للتراث النظري.

استعرض زايد في الفصل الثاني النظريات التي تأثرت بالفلسفة الوضعية، والتطورية الداروينية، والنقد الهيجلي للدين، مبتدئا من أفكار اميل دوركايم الأصيلة، وتتبع تطورها الابستمولوجي لدى الوظيفيين المحدثين، ثم انتقل لماكس فيبر، وكارل ماركس، فالمدرسة النقدية، وخاصة هبرماس، ثم عرض أفكار بيتر برجر، واختتم بالتوسع في عرض نظرية بيير بورديو، ومفاهيمه الجوهرية عن الهابيتوس، ورأس المال النوعي، والحقل الديني.

ينهي زايد الفصل الثاني، باستخلاص نظري تكاملي، يبرر الافتراضات النظرية التي وضعها في نهاية الفصل الأول. حيث أن حلول المقدس على صفحة الحياة يؤدي وظائف كبيرة في تحقيق تماسك المجتمع، كما يذهب دوركايم، ويمثل هذا المقدس القوة الدافعة للحياة الاقتصادية إذا فهم على نحو تقشفي خلاصي، كما يذهب ماكس فيبر، ويمكن استغلاله لتحقيق المآرب السياسية والاقتصادية كما يذهب ماركس، وأنه   يمثل مظلة ينظر إليها كل شخص بطريقته الخاصة كما يذهب بيتر برجر، وأنه يعاد إنتاجه باستمرار عبر المؤسسة الدينية، ويتم تداوله بنفس الطريقة التي يتم بها تداول السلع الثقافية وغير الثقافية، كما يذهب بورديو، كل هذه التصورات تحيل زايد إلى لب الدرس، وهو أن الوجه الثقافي – الاجتماعي للدين هو التدين، أي سلوك البشر وممارساتهم واتجاهاتهم واستخداماتهم للدين، وحضورهم في الدين، وحضور الدين فيهم. (ص57)

السياق الديني العام وذواته الفاعلة:

يتناول الفصل الثالث مصادر التعليم الديني التي تشكل السياق الديني العام في المجتمع المصري،  بالتركيز على ثلاثة مصادر أساسية، اثنان منها تقدمان معرفة دينية مباشرة، وهما مؤسسات التعليم الديني الجامعي وما قبل الجامعي، ومؤسسات التعليم المدني بقطاعية الحكومي والخاص. أما المعرفة غير المباشرة، والتي يسميها زايد "المنهج الخفي"  لأنها تتم عبر ممارسات المرتبطين بالعملية التعليمية، وخاصة المدرسين.

لم يكتف كتاب صوت الامام، بالبحث في السياق المصري، ولكنه قدم للقارئ اطلالة على ثلاثة تجارب أخرى منتقاة بعناية من العالم الاسلامي، لكل منها سمات خاصة: (1) حالة التعليم في باكستان التي تقوم على المعرفة النصية المحافظة التقليدية، وكما تشير البيانات الكمية التي أوردها زايد، فإن احتمالات زيادة الاتجاهات التعصبية الدينية والتطرف والارهابية مرشحة للاستمرار في الحالة الباكستانية. (2) وتجربة التعليم الديني الماليزي التي تربط الدين بقيم التنمية وفق استراتيجية تتحكم فيها الدولة. (3) وتبقى التجربة الأخيرة خاصة بتونس، وفيها يكتسب الطلاب قدراً محدوداً من المعرفة الدينية الضرورية دون توسع رأسي أو أفقي، ما يعني أن المعرفة الدينية تقع على هامش المعرفة المدنية في تونس.

ثم افاض الفصل في عرض حالة التعليم الديني في مصر، داخل مؤسسات الأزهر، وقطاع التعليم المدني الحكومي والخاص. بالإضافة الى عرض الطرق الخفية المؤثرة في تشكيل السياق الديني العام في مصر، تأثيراً ينحرف بالحاسة الدينية للنشء والشباب نحو التشدد والجمود وعدم قبول الآخر، ومن بين هؤلاء يخرج المتطرف والمتعصب والارهابي.

وبصفة عامة فإن هذا الفصل يكشف بوضوح أن ثمة توسعا واضحا في التعليم الديني أفقياً ورأسياً، التوسع الذي يعمل على نشر ما أطلق عليه زايد "المنصات الخطابية". وأمسى الحقل الديني أكثر حقول المجتمع بروزاً وسيطرةً، وتحول إلى حقل مراقبة (ص80)، بحيث يمتلك التأثير في الممارسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.

هذا التأثير منح الذوات المنتجة للخطاب الديني، ميزات تاريخية على بقية الفاعلين في المجتمع، فحرصت النخب الحاكمة على تجنب الصراع مع النخبة الدينية، بل واستمالتها والتعاون معها، فاللمسة الدينية المانحة لشرعية الحكم، هي لمسة سحرية يحتاجها الحكام في كل زمان.

ويذهب زايد في الفصل الرابع إلى ان النخبتين الدينية والسياسية، أجهضتا بعض المحاولات الجريئة لتعاطي العقل العربي مع الحداثة القادمة من الغرب، واصطنعتا نمطا هجينا من الحداثة البين بين، لا تقطع مع الماضي ولا تعرف طريق المستقبل.

وعبر نقاش جاد وعميق لعمليات تشكل النخب الدينية، أوضح صوت الامام، أن النخبة الدينية المصرية لم تعد متماسكة، ودخلت عليها عناصر ذات توجهات سياسية ودينية وفكرية مختلفة لحد التناقض والصراع. ولأن بعض رموز هذه النخبة تهيئت لها-  بفعل فاعل- عوامل الانتشار والتشبيك، عبر استغلال ميزات ثقافة الاستهلاك (خاصة الاعلامي) واستثمار آليات السوق الرأسمالي، وتمدد رجال الدين داخل الطبقة الوسطى بشرائحها الثلاث، فإن المحصلة المحبطة هي تحول الدين  إلى أداة من أدوات التوتر وعدم الاستقرار والتصارع داخل المجتمع الواحد، وبين المجتمعات كما نشهد الآن.

ولأن التعاطي مع الحداثة كان استاتيكياً، أمسى الحقل الديني محتفظا بوضعه المركزي داخل المجتمع، الذي طالما تمتع به تاريخيا. وهنا نجد النخبة الدينية بعلاقتها مع النخب الحاكمة من جانب، وقوة تأثيرها على جمهور المتدينين من جانب آخر، تفرض آليات متنوعة للهيمنة، كتوسيع دائرة الإثم والتجريم، واستخدام الفتوي كأداة للمراقبة، واشاعة التفكير الانفعالي القائم على الخوف من ضياع الاسلام في دروب الحداثة الوعرة، أو ذوبانه في بوتقة الحداثة السائلة.

وبالجملة فإن الذوات المنتجة للخطاب الديني لم تستطع حسم القضايا الملحة، وعلى رأسها الموقف من الحداثة، وقضايا العدل والديمقراطية، وقضايا المرأة، على الرغم من وجود محاولات هامة لتغيير هذا الاطار المهيمن، ذكرها المؤلف، ولكنها محاولات تبقى كالمُمَهِّلات على الطريق، لا تمنع النخبة الدينية من مواصلة السير في ذات الاتجاه.

ويذهب زايد إلى أن الذوات المنتجة على المستوى المحلي، لا تختلف عن الذوات المنتجة للخطاب على المستوى الاقليمي، فالمنظمات الاسلامية الإقليمية تثير نفس المسائل والقضايا، وترسم نفس الاطار، وتطبق نفس آليات الهيمنة. إذن هي علاقة عضوية بحيث يقوي المحلي الاقليمي والعكس. ولا أدري لماذا ابتعد الدكتور زايد في هذا الفصل عن تحليل العلاقات الصراعية بين المرجعيات الدينية في العالم الاسلامي، أو ما يمكن تسميته بالهيمنة المذهبية، فبعض المنظمات الاسلامية الاقليمية، لا تمثل مظلة جامعة، وتنتهج منهجا متحيزاً تجاه الصراعات الدينية والمذهبية في العالم العربي.

على أية حال فإن المؤلف ينهي الفصلين الثالث والرابع المخصصين للبحث في بُعْدِ التكوين، مستنتجاً أن الهوية الدينية تتشكل عبر تحديد ملامحها من ناحية والدفاع عنها بالحضور الدائم المستمر للدين. وإذ تتأكد الهوية الدينية على هذا النحو يتأكد الإطار الديني المهيمن الذي تنتجه النخب الدينية، والذي يعمل على تهميش الأطر الأخرى التي تزاحمه. (ص119)

مضمون الخطاب الديني:

ينتقل زايد في الفصلين الخامس والسادس إلى البحث في بُعْدِ المضمون، يقدم في الخامس تحليلا للخطب المنبرية المطبوعة واسعة الانتشار، يقوم على تقسيم موضوعات هذه الخطب إلى (1) الموضوعات ذات التوجه الديني الأُخْرَوِي، وتستحوذ هذه الموضوعات على 77% من مساحة هذه الخطب، وتتفرع إلى العلاقة مع الله، الدار الآخرة بما تشمل من الاستعداد لليوم الآخر، والاحتضار والقبر وعذابه وعلامات الساعة والبعث والحشر، العبادات بأنواعها، الأحكام والفتاوى والتحذيرات، الإسلام وصفات المسلمين، القرآن فضله واعجازه، النبي وصفاته، الأحداث التاريخية الدينية. واتضح من خلال التحليل الكمي لمضمون هذه الخطب أن العلاقة مع الله والحديث عن الدار الآخرة والعبادات بأنواعها تحتل الأهمية البؤرية في نصوص الخطب المتعلقة بالتوجه الديني والأخروي. (2) اما الموضوعات ذات التوجه الدنيوي، فلم تستحوذ الا على 23% ، وتتفرع إلى موضوعات سياسية واجتماعية عامة، الحقوق، العلاقة بالذات والآخرين، القيم ، نقد السلوك والممارسات الشخصية، قضايا علمية عامة، رؤية المستقبل. واتضح أن القيم والحقوق، يحتلان مستوى الاهتمام البؤري في نصوص الخطب ذات التوجه الدنيوي.

مع لفت انتباه القارئ إلى صعوبة الاشارة إلى كافة عناصر هذا التحليل الهام في هذه المراجعة، لكن يكفي أن نشير إلى المعاني والدلالات المستخلصة من هذا التحليل الثري. فهناك ميل من منتج الخطاب نحو مجافاة المتلقي، والاستعلاء بالمعرفة على الجمهور المستهلك لها. كما تشير الدلالات المستخلصة إلى ثنائيات تفرضها هذه الخطب المطبوعة بصورة خفية فيها حيلة والتفاف، بحيث تعمل على استبعاد الأفكار الجديدة، والانشغال الدائم بالآخر (ديار الكفر والجاهلية) وتأسيس معرفة مشوهة به تدفع العلاقات بين الذات والآخر نحو التوتر الدائم. إنها الثنائيات المؤسسة للخوف، فالخطاب يزخر بعبارات الزجر والتحريم والعذاب بكافة صوره. (ص172)

صوت الإمام الذي يتجلى في الخطب المنبرية المكتوبة، يحول النفس المسلمة (المطمئنة) إلى نفس خائفة باستمرار قلقة باستمرار، غير قادرة على التسامح والحب بأمر الامام، غير قادرة على الاستمتاع بالحياة بأمر الإمام، منشغله بالآخرة يائسة من التقدم والتنمية لأنها باختصار تخشى فتح ملف المستقبل حتي لا تخرج منه عذابات القبر وعلامات الساعة وأهوال يوم القيامة. كأن الإمام يسرق الزمن الحقيقي الذي يعيشه الجمهور، ويعطيهم زمنا آخر، يبدأ من الماضي، ويقفز على الحاضر والمستقبل، ليقف على آخر نقطة في الزمن الفردي لحظة موت الانسان، أو آخر نقطة في زمن البشر لحظة القيامة. الفصل الخامس هو بالتأكيد فصل ممتع ثري بالمعلومات، بذل فيه الدكتور زايد جهدا في التعريف والتصنيف والتحليل، فقطع بنا شوطاً أول في فهم بعد مضمون الخطاب الديني.

ننتقل إلى الفصل السادس، وأظنه من أفضل فصول الكتاب، لما فيه من وضوح ابستمولوجي رائع، والروعة مصدرها الحقيقة التي استطاع زايد أن يستخلصها من البيانات الخام التي أخضعها للتحليل، وفي السهل الممتنع التي صيغت به هذه الحقيقة، لكي تناسب كل مستويات القراءة،  ونذكر القارئ أننا مازلنا في البحث عن مضمون الخطاب الديني، لكن في هذا الشوط تختلف الأدوات والموضوعات، فالتحري هنا عن قيم التنمية (السياسية، الاجتماعية، العمل، والقيم الشخصية)، ومجموعها 54 قيمة فرعية. والبحث عن درجة ظهور هذه القيم وأشكاله، في عينة كبيرة من الخطب الشفاهية (خطب أيام الجمع) في عدد من محافظات الدلتا والصعيد، بلغ مجموعها (470 خطبة).

وتشير البيانات الواردة في الفصل إلى عدد من الحقائق الصادمة: فلدينا أكثر من ثلث العينة، لم تظهر فيها أي من قيم التنمية. وأكثر من 80% من الاشارات التي وردت في الخطب عن قيم التنمية جاءت اشارات غير مباشرة. كما تشير البيانات إلى غياب تام لعدد 15 قيمة فرعية وظهور هامشي لعدد أكبر من ذلك. أما الوزن النسبي لكل قيمة فرعية داخل هذه العينة الكبيرة، فهذه قصة أخرى، لابد أن يطالعها القارئ مباشرة من نص الكتاب.

لكن تكفي الاشارة إلى أن قيمة العمل احتلت المرتبة الأخيرة بين القيم الأساسية التي ظهرت في العينة، كما أن الغياب الكبير للقيم الفرعية جاء على حساب قيم العمل. واحتلت القيم السياسية المرتبة قبل الأخيرة. وظهرت القيم السياسية الفرعية، ظهورا غير متزن، لا يسمن ولا يغني من جوع، فقيمة المسئولية الاجتماعية التهمت أكثر من نصف التكرارات. وغابت قيم فرعية بالغة الأهمية كالشفافية والمحاسبية، وقيمة المواطنة، وقيمة الحفاظ على المال العام. أما بالنسبة للقيم الاجتماعية فقد احتلت المرتبة الأولى في الظهور، وعلى مستوى القيم الاجتماعية الفرعية، احتلت قيمة الاحترام وحسن التعامل مع قيمة التكامل والتعاون على ما يقرب من نصف التكرارات، وجاءت قيمتي السلام والتراحم في مؤخرة القيم الاجتماعية الفرعية. وزاحمت القيم الشخصية القيم الاجتماعية في الظهور، وأظهرت النتائج وجود مستوى مقبول من الاشباع لكافة القيم الفرعية، باستثناء غياب قيمتي الشجاعة، والاعتماد على الذات. وظهور يتيم (مرة واحدة) لقيم الإرادة، احترام القانون، القناعة.

وبالجملة فإن هذه الحقائق العلمية الرائعة في وضوحها، المؤلمة في دلالاتها، تشير كما يذكر زايد، إلى أن تعاطي الامام مع قيم التنمية لم يكن بقصد الحض على الحياة والتقدم، وإنما جاء على هامش القصدية الدينية، وتركيز الاهتمام على القضايا التنموية الصغرى واهمال الضروري أو السكوت عنه بالكلية. فحديث الامام عن العدل لا يمس قضية الفساد وقضية الفقر أو قضية الاحتكار، وحديثه عن القيم الاجتماعية والشخصية، يسقط قضايا الاحترام والتسامح والتعايش. (ص228)

تلقي الخطاب الديني – حقائقه وأسراره:

انتهى عصر التلقي التقليدي الذي يعتمد على الاتصال الشخصي بين المنتج والمتلقي في أيام الجمع التي لا يحضرها سوى الرجال. التلقي في عصر العولمة وثورة الاتصال، لم يعد يحده المكان، فأمسى متاحا داخل الغرف وعلى المقاهي وبين يدي المتلقي وعلى هاتفه النقال، يستدعيه في أي وقت.

بناء على هذا المتغير، انطلق زايد في الفصل السابع من مقدمة نظرية ضرورية للعلاقة بين انتاج المعاني وفهمها. استعان فيها بأفكار، رولان بارت، فولفجانج إيزر، ميشيل فوكو، وغيرهم، مستنبطاً أن جمهور المتلقيين، يخلقون منصاتهم الخطابية في خضم الحياة اليومية عبر إعادة إنتاج صور متعددة ومختلفة من الفهم للخطابات الدينية التي يتعرضون إليها. ما يعني أن التلقي يعود انعكاسيا فيصبح جزءا من عملية تكوين الخطاب الديني، حيث يتحول ناتج التلقي إلى منصة خطابية عبر ما يسميه زايد بـ "الأركيولوجيا المعكوسة لتلقي الخطاب" بحيث تتدرج المستويات الخطابية على هرم، قاعدته تمثل منصات خطاب الحياة اليومية، وأوسطه يمثل المنصات الخطابية داخل المساجد، وقمته تمثل المنصات الخطابية للإطار الديني المهيمن. (ص232)

وتؤكد الملاحظة العلمية والمقابلات والاستبيان المطبق في هذا الفصل على أن الصمت الذي يصاحب عملية التلقي ما يلبث أن يتحول إلى موقف واضح يعبر فيه الناس بشكل مباشر عن رأيهم فيما استمعوا إليه، نقداً وشجباً واعجاباً وتأويلاً. إنها عملية تقييم شاملة للخطاب: من صوت الإمام وحركاته وسكناته إلى مضمون الخطاب. على معنى أن المتلقي لم يعد ذلك الصامت الخاشع مطأطئ الرأس، وإنما هو المتلقي المتأمل البليغ، أو المتلقي المقاوم، أو المتلقي المفتون، أو الصامت المصفق.

لقد أثبت زايد أن المعرفة الدينية تنصهر في الآفاق المعرفية والوجدانية لدى المتلقي لتنتج خطاباً جديدا بمعارف ومدركات جديدة (ص242) وبحسه السوسيولوجي العالي وجد أن العلاقة بين فعل التلقي والبنية التي تتم فيها عمليات تكوين الخطاب، ماتزال في حاجة لمزيد من الفحص والتحري، فانتقل في القسم الثاني من الفصل نقلة نوعية أخرى، وفيها يختبر زايد مفهوم الهابيتوس لدى بيير بورديو، اختباراً امبيريقيا، وقد تعامل زايد بمهارة نظرية ظاهرة في انتاج هذه المعرفة الامبيريقية، فاستخدم مفهوم النمط المثالي لدى ماكس فيبر، وعدد من دراسات التلقي لفهم وتحليل كيفية تشكل الهابيتوس الديني لدى جمهور المتلقيين.

منتهياً إلى أن الهابيتوس الديني لدي الشباب، يتأسس على قاعدة الفهم المثالية، فلدى هذه الفئة تصورات واستعدادات ايجابية نحو الدين. ينتج عن ذلك طموح مثالي حيث كشف الاختبار الامبيريقي عن رفض كثير من الأطر الجاهزة التي يتضمنها خطاب الوعظ، ونقد حاد لكبار الدعاة.

بينما يتأسس الهابيتوس الديني لدى الكبار (أكبر من 50 عام)، على قاعدة الفهم التقليدي، فهم أكثر ميلا إلى الوعظ الديني التقليدي، ويتمتع كبار الدعاة لديهم بالتبجيل الزائد، مع الاستخفاف بالدعاة الجدد، وضعف الإقبال على التلقي منهم، وفي ضوء هذا الميل التقليدي، يختفي الطموح الديني، أو ينحصر في التمسك بالعبادات، خاصة الانتظام في الصلاة.  

ما يعني أن لدينا اختلاف بين هابيتوس الشباب وهابيتوس الكبار، ففي حالة الشباب يكون الوسط المعيشي الثقافي، أكثر مرونة وأكثر انفتاحاً، وأكثر استعداداً للتغير والانفتاح على خبرات متعددة، وأكثر قدرة على التأمل الانعكاسي النقدي الذي يحقق الاستقلالية للفرد من ناحية، وإعادة بناء استعداداته وميوله من ناحية أخرى. (ص249) ويلفت زايد الانتباه إلى أن اثبات هذين النمطين المثاليين للهابيتوس الديني، لا يعني وجود حالة استقطاب، بل على العكس فإن المزيد من التعمق يظهر تنويعات وأطياف متعددة بين هابيتوس الشباب وهابيتوس الكبار.

وعليه فقد اتجه المؤلف للتعمق في أنماط التلقي في حالة المجتمع المصري، مسترشداً بأفكار فيبر، ودراسات ونظريات التلقي، وباستخدام الملاحظة الميدانية ونتائج المقابلات، قدم تصنيفا ابستمولوجياً لأنماط التلقي الظاهرة، وتوصل إلى وجود خمسة أنماط: المتلقي الواعظ، المتلقي شبه الواعظ، المتلقي الناقد، المتلقي الانتقائي، المتلقي الساكن أو السلبي. وهي الأنماط التي تؤسس لما سبق وأطلق عليه في بداية الفصل بمنصة خطاب الحياة اليومية

عند هذا الحد ينتهي الفصل السابع الذي يغلي بالأفكار والمعارف الجديدة. وإن توقف القارئ مسترجعا كافة الأفكار المتعلقة بأبعاد التكوين والمضمون والتلقي، لعرف في هذه اللحظة الواعية أن الخبرة الدينية معقدة متشابكة متداخلة. ولعرف أن الفكرة الرائجة عن تجديد الخطاب الديني وتغيير مضمونه، لن تعالج سوى بُعْداً وحيداً من أبعاد تشكل هذه الخبرة الدينية. عند هذه اللحظة الواعية، يغادر القارئ -بكافة مستوياته- الفصل قبل الأخير وهو قادر على إثارة السؤال الصحيح،  بينما يتكفل الفصل الأخير بإجابة هذا السؤال.

في الفصل الختامي، يحول زايد المستخلص من البحث في الموضوع إلى مقترح لدمج الخطاب الديني في قضايا النهضة والتنمية، مقسما الفصل الختامي إلى أربعة أجزاء، قدم في الجزء الأول خلاصة البحث في أبعاد تكوين ومضمون وتلقي الخطاب الديني في الحالة المصرية. ثم عرض في الجزء الثاني للأسس العامة لتجديد الخطاب الديني، التي تقوم على ثلاثة مستويات من التفكيك: (1) تفكيك التاريخ الإسلامي وتقديمه لأبناء الإسلام كتاريخ واقعي وليس تاريخ مصنوع على هوى الحاكم أو الجماعة المهيمنة. (2) ثم تفكيك النصوص الخطابية، التي تفسر وتؤول القرآن والسنة. تفكيكا يكشف تحيزاتها السياسية والاجتماعية، وما فيها من تطرف، ودور بعضها في إعاقة التقدم نحو المستقبل. (3) ثم تفكيك وظيفة الدين ونطاق تأثيره في الحياة، على معنى تطوير الخطاب الديني على قاعدة الفهم الدقيق لدور الدين في حياة الناس، من حيث علاقته بمدنية الدولة، فلا يوظف الدين في خدمة السياسة، أو في تكريس الإكراه والاستبعاد الاجتماعي لغير المسلمين أو المخالفين في المذهب. ومن حيث استقلاله كمجال خاص يتفاعل مع بقية المجالات العامة دون أن يستملك هذه المجالات.

ولا ينادي زايد هنا باختفاء الخطاب الديني من المجال العام، ولكن يأمل أن يتفاعل معه تفاعلا رشيدا عقلانيا دون اختزال أو استبعاد, من أجل بلورة رؤية حول دور الدين كطاقة للبناء وكرافد لتحقيق التنمية وبناء الحضارة.

ثم ينتقل زايد من التفكيك إلى بناء الأسس العامة لتجديد الخطاب الديني، تقوم على استراتيجية دمج الخطاب الديني داخل منظومة التنمية، وهو ما يتطلب عقلا وثقافة، العقل يسمح بتنقية الخطابات المتناقضة، وتقدم الثقافة إطاراً عاما لقيم التنمية والحداثة، وهنا يصبح للخطاب الديني قيمته الفعلية في جعل حياة الناس ناجحة ومستقرة، شريطة أن تتبنى الدولة في خططها هذه الأسس العامة لتجديد الخطاب الديني، وما ينطبق على الخطاب الإسلامي هنا ينطبق على الخطاب المسيحي. ويلفت زايد الانتباه إلى أن قضية التنمية والتقدم نفسها تحتاج إلى عملية تجديد أو تحديث شاملة تبدأ بالمجال التعليمي، مرورا بالمجال الإعلامي فالمجال الثقافي العام.

وفي نهاية الفصل، يقدم زايد قائمة بالبرامج التي يجب أن تطبقها الدولة لتطوير المحتوى: (1) ترشيد ممارسة الخطاب الشفاهي، وتجديد مصادر الخطب المنبرية المكتوبة. (2) وتوسيع دائرة اختيار الدعاة، وتأهيلهم تأهيلا دورياً والاهتمام بأحوالهم الاقتصادية. (3) وتوحيد الرؤية وتحييد المؤثرات الأخرى على المتلقيين، خاصة في المجال التعليمي والإعلامي. (4) تفعيل دور المؤسسات الرسمية ذات الصلة.

وبعد، فقد قرأت هذا الكتاب القيم مرتين حتى أتمكن من مراجعته. أسلوب ولغة الكاتب أظن أنها جديدة على الوسط العلمي السوسيولوجي، تجمع بين ثلاثية: التماسك المنطقي، التطور الابستمولوجي للأفكار، وجمال العبارة. كأن زايد يحتفي باللغة العربية التي كتب بها صوت الإمام، كأنه يُلْبِس كل فكرة الحلة التي تليق بها، ويختار لها أفضل ما في اللغة من ألفاظ دالة على المعنى. ومن الناحية النظرية، لم يكن زايد مسترشداً بإطار نظري محدد، إنما استفاد من عدد كبير من النظريات في علم الاجتماع واللسانيات على أرضية فلسفية مكنته في أغلب الفصول من ممارسة التأليف النظري لتفسير الواقع المصري. وقد أبدع زايد في استخدام الأدوات المنهجية السوسيولوجية، وضفر التحليل الكمي بالكيفي، فقدم في صوت الإمام معرفة علمية أصيلة نافعة خالية من التعقيد والاستعلاء. 

شارك