الحرب السياسية على الإرهاب: العقيدة الفاسدة، واستهداف مصادر القوة الناعمة

السبت 30/سبتمبر/2017 - 11:46 ص
طباعة الحرب السياسية على
 
إبراهيم نوار

تركزت الحرب على الإرهاب منذ اصبحت على رأس أولويات السياسة الخارجية للولايات المتحدة والدول المكشوفة للتهديدات الإرهابية على استهداف مصادر القوة المادية للمنظمات الإرهابية. ووضعت استراتيجيات الحرب على الإرهاب التمويل والتسليح والتجنيد على رأس الأهداف التي يتعين مواجهتها بغرض إحباط الإعمال الإرهابية بشكل عام وإرباك مراكزقيادة التظيمات الإرهابية. ولذلك فإنه خلال الفترة الممتدة من عام 2001 وحتى الآن إستطاعت الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية وغيرها تحقيق نجاح ملموس فيما يتعلق بتقزيم قوة تنظيم القاعدة والحد من قدرته على شن عمليات في الغرب.

لكن التنظيمات الإرهابية ردت على استراتيجية تدمير قوتها المادية بطلب وتجنيد المزيد من المقاتلين لتعويض القتلى، والأموال لتعويض الخسائر المادية. كذلك فقد أدى ظهور النسخة الجديدة من التنظيمات الإرهابية في صورة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام والمعروف اختصارا باسم (داعش) ثم انتشار موجة جديدة من الأعمال الإرهابية في الولايات المتحدة وأوروبا وغيرها من أنحاء العالم منذ عام 2015 دفع إلى الواجهة تساؤلات جديدة عن مدى كفاءة الحرب على الإرهاب بالتركيز فقط على مقومات القوة المادية للتنظيمات الإرهابية. وقد أصبح واضحا أن هذه التنظيمات سوف تستمر، حتى وإن كان استمرارها سيتراوح بين ضعف وقوة في فترات مختلفة، في القدرة على تهديد الدول الغربية وباقي دول العالم التي لا تسكنها أغلبية من المسلمين، إلى جانب الإستمرار في تهديد الدول التي يكون المسلمون أغلبية سكانها مثل الدول الآسيوية والأفريقية غير العربية وكذلك الدول العربية.

كذلك فإن الأساليب الجديدة لشن العمليات الإرهابية باستخدام القليل من الأسلحة والمعدات بما في ذلك تلك التي يمكن تصنيعها محليا (مثل المتفجرات ودوائر التفجير عن بعد)، واللجوء إلى استخدام أدوات عادية ثنائية الإستعمال (مثل السكاكين والسيارات)، وكذلك التوسع في تنفيذ عمليات يشنها شخص واحد (أو ما يسمى بأسلوب الذئاب المنفردة)، أدت جميعا إلى ضرورة إعادة النظر في استراتيجيات الحرب على الإرهاب خصوصا في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. وتشير متابعة النقاشات الحالية المتعلقة بتطوير استراتيجيات الحرب على الإرهاب إلى أن المحور الرئيسي للعمليات، مع استمرار الحرب المسلحة والأمنية، سينتقل من الحرب على مقومات القوة المادية (hard power) إلى مصادر القوة المعنوية (soft power). فما هي إذن مصادر القوة المعنوية التي تتمتع بها التنظيمات الإرهابية، وتستطيع بواسطتها تجديد بنيانها والإستمرار على قيد الحياة كتهديد استراتيجي للعالم كله؟

يجدر بنا أولا أن نميز بين مصادر القوة المعنوية، وبين العوامل التي تساعد على استثمارها، سواء كانت هذه العوامل ذات طابع تكنولوجي (مثل تكنولوجيا المعلومات والإتصالات والتواصل الإجتماعي) والعوامل ذات الطابع السياسي مثل استثمار الأخطاء السياسية للخصم أو الحصول على مساعدات من أطراف لها مصلحة في توظيف جهود التنظيمات الإرهابية لخدمة مصالح سياستها الخارجية.

ويتمثل المصدر الرئيسي في القوة المعنوية للمنظمات الإرهابية في العقيدة المتطرفة، وأم العقائد المتطرفة المتخلفة في الإسلام هي العقيدة السلفية الوهابية التي نشأت في جزيرة العرب خصوصا بين الأعراب وازدادت قوتها بالتحالف مع آل سعود، ثم بظهور الثروة النفطية. ولا شك في أن مناهج التطرف الديني لا تتوقف عند حد الوهابية- السعودية، وإنما قد تتجاوزها إلى مناهج وعقائد متطرفة أخرى في الإسلام. وقد أدى انتشار العقيدة السلفية الوهابية- السعودية من خلال أدوات العنف المسلح في الدول العربية وخارج العالم العربي في جنوب آسيا وفي أفريقيا إلى ظهور تيارات متطرفة معادية لها في بلدان مثل الهند والفلبين وميانمار وأوغندا ونيجيريا لم تقتصر على جماعات غير حكومية، وإنما امتدت أيضا إلى حكومات تتدخل مباشرة ضد الجماعات المتطرفة الإسلامية أو تساند مجموعات مسلحة ترد على العنف بعنف مضاد خارج الأطر الحكومية.

ولذلك فإن استراتجيات مكافحة الإرهاب، وإن كانت ستستمر في ضرب البنية المادية للإرهاب، فإنها تستعد الآن للإنتقال إلى مرحلة جديدة سيكون التركيز فيها أساسا على الحرب السياسية  والإيديولوجية. وهذا يعني عملياتيا تنظيم حملة لضرب الإيديولوجيات المتطرفة التي تمثل الوعاء الرئيسي الذي ينبت فيه الإرهاب وينمو ويستمر بتجديد نفسه. وبذلك يتم حرمان التنظيمات الإرهابية من وعاء التطرف الذي يتم فيه إنبات العناصر المتطرفة التي تمد تلك التنظيمات بمدد إضافي يعوضها عن خسائرها البشرية والمادية.

مفهوم الحرب السياسية

تجد الأفكار المطروحة لتطوير الحرب على الإرهاب جذورها في نظرية الحرب السياسة (political warfare) التي طورها عالم السياسة الأمريكي جورج كينان بعد الحرب العالمية الثانية لتصبح فيما بعد الأساس في استراتيجية التعامل مع الإتحاد السوفييتي وسياسة الإحتواء (containment). وتعتمد الحرب السياسية على مهاجمة استراتيجية الخصم والحط من شأنها وبيان فسادها بهدف فض ساحة أنصارها والمؤيدين لها إلى أبعد حد ممكن. وفيما يتعلق بالحرب السياسية على التنظيمات الإرهابية فإنها تتطلب:

 

-         مهاجمة الأسس الإيديولوجية للجهاد العالمي

-         العمل على قطع الروابط (الأيديولوجية واللوجيستية وغيرها) بين التنظيمات والجماعات الإرهابية المحلية وبين الجهاد العالمي

-         حرمان الجماعات الإرهابية من الملاذات الآمنة

-         تطوير قدرات الحرب على الإرهاب في الدول الواقفة على خط المواجهة المباشر في الحرب، بما في ذلك قدرات الحرب ضد الإرهاب العالمي وضد الجماعات الإرهابية ذات الطابع المحلي

هذه هي الأسس الأربعة التي تقوم عليها الحرب السياسية ضد الإرهاب العالمي.  ويحتاج كل من المقومات أو الأسس الأربعة للحرب السياسية على الإرهاب إلى الكثير من الدراسات والتطوير وإلى استخلاص الكثير من القواعد التنظيمية والعملياتية لشن حرب سياسية فعالة وناجحة ضد الإرهاب، تثمر في نهاية الأمر مناخا يجعل التنظيمات الإرهابية كيانات منبوذة ومن الأشخاص المنتمين إليها عناصر شاردة ومطاردة ليس فقط بقوة القانون ولكن أيضا بقوة الوعي لدى المواطنين.

ومن المنطقي أن نؤكد هنا أن نجاح الحرب السياسية على الإرهاب يتوقف على تقديم النموذج الصحيح للحكم والإدارة الذي يحرم التنظيمات الإرهابية من عناصر القوة المعنوية ومن القدرة على النفاذ إلى عقول الناس وقلوبهم باستثمار فساد الحكم أو سوء الإدارة.

الحرب الإيديولوجية

وتقع الحرب الإيديولوجية في مركز القلب من الحرب السياسية على الإرهاب؛ فالحرب على الإرهاب هي أولا وقبل كل شيئ حرب بين الأفكار. لكن المعضلة التي ستواجه الدول الغربية وغير الإسلامية هنا تتمثل في أن الهجوم على الأيديولوجيات المتطرفة والإرهابية بواسطة قوى خارجية ربما يأتي بآثار عكسية ولا ينتج الأثر النهائي المطلوب نظرا للإرتباط بين العقيدة المتطرفة الإرهابية وبين العقيدة الدينية. ومن ثم فإن الحرب السياسية على الإرهاب ستقع من الآن فصاعدا على عاتق الدول التي يعتبر الإرهاب فيها ظاهرة متوطنة مرتبطة بالدين أكثر من غيرها.

لكن المفارقة التي كشفت عنها تطورات الجهاد العالمي في العقدين الأخيرين على الأقل تظهر من كون أن عددا ليس بالقليل من فقهاء الجهاد العالمي يقيمون في الغرب ويتلقون دعما رسميا أو من جهات خارجية يساعدهم على أداء وظيفتهم في نشر الفكر المتطرف. وكان من أمثال فقهاء الإرهاب الذي لجأوا إلى الغرب وترعرعوا فيه شخصيات مثل أبو قتادة (أردني الأصل) و أبو حمزة (مصري الأصل) وعمر بكري (سوري الأصل) وكلهم وجدوا في بريطانيا أرضا خصبة لنشر الفكر المتطرف ولتجنيد الشباب للإنضمام إلى صفوف التنظيمات الإرهابية.

 

وتتضمن الإستراتيجية الجديدة (السياسية) للحرب على الإرهاب العمل على حرمان التنظيمات الإرهابية من الفقهاء والكوادر الإيديولوجية. ويعتقد واضعوا الإستراتيجية أن نقص الكوادر الإيديولوجية وفقهاء التطرف والإرهاب يمكن أن يمثل نقطة الضعف الرئيسية التي يتم من خلالها هزيمة الإرهاب أو الحد من قدرات المنظمات الإرهابية إلى أبعد حد ممكن، فهؤلاء الفقهاء هم الذين يقدمون التبرير العقلي الإيديولوجي للعمليات الإرهابية.

تفكيك العلاقات بين الجهاد العالمي والمحلي

يعتبر الطابع العالمي للتنظيمات الجهادية (القاعدة وداعش) مصدرا رئيسيا لقوتها ولقدرتها على تجديد نفسها ماليا وتسليحيا وقتاليا ولذلك فإن أحد أهداف الإستراتيجية السياسية للحرب على الإرهاب يتمثل في ضرب هذه العلاقة بين وتحويلها إلى مصدر للضعف وليس للقوة. ويعتبر تنظيم القاعدة رائدا في تأسيس حركة جهاد على المستوى العالمي. وعلى أساس الطابع العالمي للجهاد إستطاع تنظيم القاعدة كسر القيود والحواجز الجغرافية، واستخدم حزمة من أساليب العنف تتضمن حزمة من أساليب العنف السابقة التي استخدمت في السبعينات من القرن العشرين إضافة إلى تكتيكات وأساليب جديدة مستفيدة من الخبرات السابقة لتجارب العنف المسلح في العالم. وبسبب الطابع العالمي للجهاد إستطاع تنظيم القاعدة أن يعمل على جبهات متعددة وفي أقاليم مختلفة في كل أنحاء العالم.

وتعتمد تكتيكات تفكيك العلاقة بين الجهاد العالمي والمحلي على اللعب بما قد يظهر من تناقض بين أهداف التنظيم الجهادي العالمي وبين أهداف التنظيم الجهادي المحلي، وما قد يسفر عنه هذا التناقض من احتكاك أو عدم توافق بين أهداف كل منهما. على سبيل المثال فإن تفكيك العلاقة بين الجهاد المحلي والجهاد العالمي في بلد إسلامي غير عربي يمكن أن يعتمد (في ظل هذه الإستراتيجية) على التناقض بين التنظيم المحلي وبين وجود أغلبية عربية في الكادر القيادي للتنظيم العالمي. وفي الدول العربية نفسها يمكن اللعب على أوتار التناقض بين المشروع السياسي الذي يهدف تنظيم القاعدة إلى تحقيقه وبين مصالح وطموحات الطبقة الوسطى، بحيث يسهل ضرب مشروع القاعدة محليا باعتباره مشروعا فاشيا جديد.

ومع ذلك فإن اللعب على خيوط التناقض المحتملة بين أهداف الجهاد العالمي وأهداف المجهاد المحلي من الصعب تأسيسه على سياسة واحدة أو تعميمه باستخدام ادوات واحدة أو متشابهة، وذلك نظرا لاختلاف الظروف وطبيعة العلاقات. ومن ثم فإن الأمر سيتطلب دراسة كل حالة بمفردها قبل اتخاذ أو تصميم إجراءات محددة. وتكون الدراسة بغرض معرفة وتحديد نقاط الضعف الجوهرية في العلاقة بين العالمي وبين المحلي وكيفية استثمارها بما يخلق اضطرابا في هذه العلاقة يكون كافيا مع مرور الوقت لتفكيكها وضربها في مقتل. وفي كل الأحوال فإنه يكون من الضروري متابعة الموقف في كل حالة وإعادة النظر في السياسات والإجراءات وإدخال التعديلات الضرورية عليها بما يخدم تحقيق الأهداف المرجوة.

حرمان التنظيمات الإرهابية من الملاذات الآمنة

تخضع التنظيمات الإرهابية بشكل عامة منذ إنشائها لقيود وتضييق تنتج عن مطاردة السلطات لها ولكوادرها، ولذلك فإن واحدا من التحديات الرئيسية التي تواجه قيادة التنظيم الإرهابي مهما كانت أهدافه أو درجة ونوعية تنظيمه يتمثل في وجود ملاذ أو ملاذات آمنة رئيسية واحتياطية يتم اللجوء إليها واستخدامها عند اللزوم إما للهروب من المطاردة أو لإعادة التنظيم والإستعداد لشن هجمات جديدة. ومن شأن وجود الملاذات الآمنة أن يساعد على دقة التنظيم، وتنوع واتساع نطاق الإختيار في أماكن التدريب وتوفير الإحتياجات المالية وتسهيل تنفيذ مهام القيادة والسيطرة وتقليل تكلفة العمليات بشريا وماديا وزمنيا.

الملاذ الآمن: طبقاً لما تم التوافق على تعريفه بواسطة مؤسسات البحث المتخصصة في دراسات الإرهاب بما في ذلك مؤسسة راند الأمريكية فإن الملاذ الآمن هو مكان مادي لتنفيذ أعمال القيادة والسيطرة والتدريب وتخطيط العمليات وبناء الشبكات. وبمعنى آخر فإن الملاذ الآمن يتمثل في الموقع الذي يتم فيه تعبئة الإمكانات والمحفزات المالية والميدانية والدعائية لتسهيل تنفيذ العمليات الإرهابية. وقد أظهرت عمليات إنفاذ القانون في مصر، خصوصا في عملية اقتحام جبل الحلال في وسط سيناء أن الملاذات الآمنة لقيادات داعش في هذه المنطقة كانت مجهزة تكنولوجيا على أعلى درجة تسمح بممارسة مهام القيادة والسيطرة ومنها وسائل الإتصال الفضائي والإنترنيت إضافة إلى مولدات القوى الضرورية لتشغيل هذه الإمكانات. كذلك فإن عمليات اقتحام معسكرات التدريب في الصحراء الغربية وعلى أطراف الصعيد في جنوب مصر خصوصا غربي محافظات الفيوم وبني سويف والمنيا، وهي محافظات قريبة من ليبيا، وجود التسهيلات الضرورية التي تساعد على تنفيذ العمليات بما في ذلك الأسلحة والذخيرة وأجهزة الكمبيوتر والخرائط وأجهزة الإتصال.

وتميل التنظيمات الإرهابية إلى اتخاذ ملاذات آمنة في أماكن تنعدم فيها أو تقل سلطة القانون ونفوذ الدولة. ونجد ذلك واضحا في الصومال وفي حضرموت (الجنوب العربي) وفي صحراء سيناء وجبال الصعيد والصحراء الغربية (مصر) وفي تشاد ومالي وبوركينا فاسو وجنوب تايلاند والأقاليم المهمشة في الفلبين وغيرها. كذلك تميل التنظيمات الإرهابية إلى اتخاذ ملاذات آمنة في المناطق المهمشة إجتماعيا واقتصاديا حيث تجد قبولا شعبيا خصوصا عندما تتبنى هذه التنظيمات برامج للرعاية الإجتماعية للسكان المحليين، وهو ما يظهر بصورة جلية في مناطق حضرموت في الجنوب العربي. كذلك تلجأ المنظمات الإرهابية إلى إقامة ملاذات آمنة في المناطق غير المأهولة النائية مثلما هو الحال غرب الحدود المصرية وفي مناطق جنوب غرب ليبيا.

ويتطلب حرمان التنظيمات الإرهابية من الملاذات الآمنة بذل مجهود كبير ومتنوع على محاور متعددة بواسطة الدولة لتثبيت قبولها الإجتماعي وممارسة السلطة بناء على قانون عادل في المناطق المحتمل أن تصبح ملاذات آمنة. كما يتطلب أيضا فرض رقابة صارمة على الحدود وحركة تنقلات الأفراد. ولا شك في أن المهمة الأخيرة تزداد صعوبة كلما اتسعت مساحة الدولة وامتدت حدودها إلى مسافات بعيدة، وتتضاعف هذه الصعوبة عندما يصل امتداد الحدود إلى مناطق متوترة أو مناطق نزاعات وحروب.

تعزيز قدرات الدول على خط المواجهة المباشرة

تختلف الحرب السياسية على الإرهاب في البلدان التي يعتبر فيها الإرهاب ظاهرة متوطنة تنمو بقوة عموامل محلية ثقافية ودينية وتاريخية عنها في الدول التي يعتبر الإرهاب فيها ظاهرة "وافدة" أكثر منه "محلية". وعلى الرغم من أن العمليات الإرهابية في السنتين الأخيرتين (2016- 2017) تشير بقوة إلى دور متنام لقيادات وأييولوجيات إرهابية نمت محليا في الغرب إلا أن مكونات وأساليب الحرب السياسية في الدول التي تقف على خط المواجهة المباشرة مع الإرهاب وهي في الأساس دول عربية وإسلامية تحتل أهمية قصوى في الحرب على الإرهاب. وربما كان ذلك أحد الأسباب الرئيسية وراء اختيار العاصمة السعودية الرياض لتكون مقرا للمركز العالمي للحرب الإيديولوجية (وربما السياسية) على الإرهاب بالرغم من أن السعودية هي آخر الخيارات الصالحة لإقامة مثل هذا المركز نظرا لدورها التاريخي في صنع ونشر الإرهاب على المستوى العالمي.

ويسود اعتقاد لدى الأجهزة المعنية بدراسات الحرب على الإرهاب بأن تعزيز قدرات حكومات الدول التي توجد فيها حركات إرهابية نشطة، أو يميل فيها الأفراد أكثر من غيرهم على الإنخراط في صفوف الجماعات الإرهابية مثل تونس والأردن والسعودية يمكن أن يسهم إلى حد كبير في إضعاف الجهاد العالمي وتقليل جاذبيته خصوصا بالنسبة للشباب. وقد تركزت أعمال مساعدة دول خط المواجهة في الحرب على الإرهاب في مجالات تتعلق أساسا بالقدرات المادية، وتحديدا القدرات الأمنية في مواجهة الإرهاب. وعلى سبيل المثال فإن الولايات المتحدة تقدم للأردن مساعدات في مجالات تطوير تقنيات مكافحة الإرهاب، وتدريب قوات الجيش والشرطة المنوط بها مهام مواجهة الإرهاب وتسليح تلك القوات، وكذلك إقامة وتطوير نظم تبادل المعلومات بشأن الإرهاب، ومكافحة تمويل العمليات الإرهابية ومراقبة الحدود ووقف أو تعطيل تنقل أفراد التنظيمات الإرهابية عبر الحدود. كذلك فإن بلدانا أخرى مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا تقدم مساعدات للدول المصابة بمرض الإرهاب المتوطن في مجالات مماثلة.

وباعتبار أن مصر هي إحدى الدول التي تقع على خط المواجهة المباشرة مع الإرهاب، فإن احتياجاتها للمساعدة تبدو أكبر وأكثر تنوعا، وذلك نظرا لاتساع مساحة المناطق غير المأهولة (صحراوية وجبلية) وتنوع المنافذ المحتملة لانتقال الإرهاب إليها من الخارج (بحرية وبرية) وطول حدودها البرية مع دول تعاني من اضطرابات ونزاعات وحروب أهلية (السودان وليبيا وتشاد) إضافة إلى وجود مصر في منطقة تعتبر تاريخيا معبرا رئيسيا على المستوى العالمي للهجرة غير الشرعية وتهريب المخدرات وتهريب السلاح.

ولذلك فإن دور مصر كدولة تقع على خط المواجهة الرئيسي في الحرب السياسية على الإرهاب يكتسب أهمية محورية، خصوصا بعد الخسائر التي يتعرض لها تنظيم القاعدة وتنظيم داعش في سورية والعراق، لأن مصر من المحتمل أن تصبح نقطة جذب جديدة كملاذ آمن للإرهاب، أو إحدى نقاط العبور إلى ملاذات آمنة في ليبيا وتشاد وغيرها. وهذا يتطلب دعما قويا للحرب على الإرهاب على مستويات ضرب القوة المادية (hard power) والقوة المعنوية (soft power) وهو ما يتطلب:

-         مراقبة الحدود البرية الممتدة بين مصر وكل من السودان وليبيا مراقبة دقيقة باستخدام طلعات طيران دورية تقوم بالتصوير الجوي، على أن يتم فحص وتحليل هذه الصور في غرفة عمليات متخصصة لرصد أي مظاهر للتغيير على خطوط الحدود. ولا يجب أن يقتصر مراقبة الحدود على طلعات التصوير الجوي، بل إنه من الضروري التعاون مع قوى أخرى من أجل مراقبة الحدود بالإقمار الصناعية، بحيث تتلقى غرفة العمليات المختصة التقارير والصور التي ترسلها الأقمار الصناعية عن التغير في حالة الحدود ورصد أي تحركات أو تغييرات تستدعي المواجهة.

-         يجب أن تكون غرفة عمليات (أو غرف) مراقبة الحدود مرتبطة بنظام عملياتي متكامل، يسمح بتحرك قوات جوية أو مدرعات أو مجموعات قتالية بسرعة لمواجهة أي تحركات تمثل تهديدا لأمن الحدود في حدود مدى زمني يقاس بالدقائق وليس بالساعات، حتى وإن كانت هذه التحركات ليست على علاقة مباشرة بالإرهاب مثل تهريب الأسلحة أو المخدرات أو البشر (وقد أثبتت معلومات استخبارية على مستوى عالمي وجود علاقات منظمة أو شبه منظمة بين عصابات التهريب بكل أشكالة وبين الجماعات أو التنظيمات الإرهابية).

-         يجب أن تتبع الغارات الجوية على مواقع الملاذات الآمنة للتنظيمات الإرهابية عمليات اقتحام بري لتطهير هذه الملاذات من متبقيات الإرهاب بعد تدميرها، وقد يكون لبعض هذه المتبقيات قيمة كبرى للكشف على خرائط الإتصالات وأسماء القيادات والشبكات والأسلحة والذخائر وغيرها. والحقيقة أن قوات إنفاذ القانون تقوم بذلك بشكل جيد في تعاملها مع الملاذات الآمنة حتى الآن سواء في سيناء أو في الصحراء الغربية. بمعنى آخر فإنه من المهم جدا أن تكون لدى قوات مكافحة الحرب على الإرهاب خططا فعالة لمرحلة ما بعد العمليات، التي تتضمن مهام الإخلاء والقبض على العناصر الإرهابية الحية أو الجريحة ونقل العناصر المقتولة واستكمال نسف وتطهير الأهداف وجمع أكبر ما يمكن من المعلومات من الملاذات أو المخابئ التي يستخدمها الإرهابيون.

-         ضرورة التوسع في استخدام الطائرات بدون طيار (Unmanned Aerial Vehicles- UAV’s) سواء في عمليات الرصد أو القصف والمطاردة. وقد أثبتت تجارب الولايات المتحدة في استخدام الطائرات بدون طيار في صيد وقتل قيادات القاعدة في تنظيم بلاد شبه الجزيرة العربية وفي أفغانستان والعراق نجاحا كبيرا. وفي كثير من الحالات تم تزويد هذه الطائرات بأسلحة موجهة شديدة الدقة وقاتلة الإصابة نجحت في تحقيق أهدافها إلى حد كبير بأقل قدر من الخسائر.

وتستطيع قوات إنفاذ القانون أو قوات محاربة الإرهاب بكل تأكيد تحقيق انتصارات كبيرة وسريعة في الحرب على الإرهاب وتدمير البنية المادية للتنظيمات الإرهابية. وتتمتع قوات محاربة الإرهاب بمزايا كثيرة مقارنة بخصومها في الناحية المقابلة. ومن أهم هذه المزايا التفوق في إمكانات التدريب والتسليح ووفرة التمويل وانتظامه ووفرة الإمكانات والتسهيلات اللوجيستية وفوق كل شيء إنضباط نظام القيادة والسيطرة. لكن تلك المزايا التي تتمتع بها قوات الحرب على الإرهاب لا يجب أن تجعلنا نغض النظر عن نقاط الضعف التي تعاني منها وأهمها صعوبات مراقبة الحدود وانكشاف الدرويات الثابتة والمتحركة واحتمالات تغلغل نفوذ التنظيمات الإرهابية إلى داخل قوات مكافحة الإرهاب أو الأجهزة المساعدة، خصوصا في مجال المعلومات.

 وفي نهاية الأمر فإننا يجب أن نعلم أن التنظيمات الإرهابية تتمتع أيضا بميزة القدرة على التحرك المرن والرد على التحديات بسرعة والإستجابة لتغيرات الظروف المحيطة بما يساعدها على تجاوز تلك التحديات. ومن أخطر التحديات التي تواجهها التنظيمات الإرهابية مواجهة الضربات الأمنية، وانقطاع الإمدادات الخارجية، وفقدان التأييد الشعبي. ولذلك فإن ضرب التنظيمات الإرهابية بقوة على هذه المحاور الثلاثة يساعد على إضعافها وتقليل قدرتها على الحركة، ومن ثم إنزال الهزيمة بها وتجفيف التربة التي يمكن أن تساعدها على العودة للنمو وممارسة نشاطها مرة أخرى وهو الهدف النهائي للحرب على الإرهاب.

شارك