وسائل الاتصال وقضايا الصراع في عالم مضطرب

الإثنين 09/أكتوبر/2017 - 01:44 م
طباعة
 
أ.د. شريف درويش اللبان

عقدت كلية الإعلام جامعة القاهرة مؤتمرها العلمي السنوي الثالث والعشرين تحت عنوانٍ لافت وهو "وسائل الاتصال وقضايا الصراع في العالم" وذلك يوميْ الإثنيْن والثلاثاء 11و12 سبتمبر الماضي، وذلك برعاية د. محمد عثمان الخُشت رئيس جامعة القاهرة ورئاسة د. جيهان يسري عميد كلية الإعلام وأمانة د. هبة الله السمري وكيل الكلية لشئون الدراسات العليا والبحوث. 

أولاً - الذكرى السادسة عشر لأحداث 11 سبتمبر 2001

تصادف يوم افتتاح المؤتمر السنوي لكلية الإعلام جامعة القاهرة مع الذكرى السادسة عشرة لأحداث 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية، والذكرى الأولى لهذه الأحداث الإرهابية في عهد الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب. وكما ذكرت في تعقيبي على جلسة البحوث الأولى في مستهل اليوم الثاني للمؤتمر، فإن الأمريكيين – للأسف - لا يعون دروسهم جيدًا، فالأمريكيون هم مَن صنعوا تنظيم "القاعدة" وحشدوا "المجاهدين" من كل مكان لكي يخوضوا حربًا بالوكالة عن الولايات المتحدة في مواجهة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، وهم مَن سلحوا التنظيم ودربوه، لينقلب هذا التنظيم على البلدان العربية عند عودة أفراده إليها وتأسيس فروع للتنظيم في دول عربية مختلفة، لينته الأمر بكارثة مروعة أدت إلى الأحداث الإرهابية في 11 سبتمبر 2001.

وللأسف أيضًا، فإن الولايات المتحدة ليست بريئة من صناعة تنظيم "داعش" الإرهابي، يكفي أن نعلم أن أبو بكر البغدادي قائد التنظيم كان من جماعة "أبو مصعب الزرقاوي" الذي قام الأمريكيون بتصفيته في العراق والقبض على بعض رجاله ومن بينهم أبو بكر البغدادي الذي اعتُقل في "جوانتانمو"، وتم الإفراج عنه دون أسباب معلومة. والغريب أن هذا الرجل مكث عاميْن كامليْن في الولايات المتحدة، ومن السهل توقع أين كان؟، فالأمر ليس بعيدًا أو بمعزل عن المخابرات المركزية الأمريكية CIA في "لانجلي" بولاية كاليفورنيا، حيث تم تدريبه على المهمة التي سيقوم بها لإثارة القلاقل في المنطقة وإعادة تقسيمها لصالح الكيان الصهيوني وتصدير صورة ذهنية سلبية عن الإسلام بممارسة الأفعال الوحشية ونكاح الجهاد وسبي الجواري وبيعهن في أسواق الموصل في مشهد يذكرنا بزمنٍ بعيد قد ولى.

ثانيًا- الولايات المتحدة هى مَن صنعت داعش وقبلها القاعدة

وقد تبدت مساعدة الولايات المتحدة لتنظيم "داعش" الإرهابي في الاحترافية في ممارسة الأعمال الوحشية الممنهجة، والاحترافية في التصوير الذي يضارع مستوى ستوديوهات هوليوود، ولايستطيع ماسبيرو بأكمله أن ينتج أفلامًا احترافية مماثلة بالجودة والكفاءة نفسها، ووجود خبراء على درجة عالية من التمرس في الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي وحروب الهاشتاج. ولا يخفى على أحد تلك الملاسنات بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة حين ارتدت عناصر "داعش" إلى نحورها وأذاقتها وبال أمرها في بريطانيا وبلجيكا وفرنسا وأسبانيا، بل إن أوروبا اتهمت مباشرة الأمريكيين بأنهم هم من استضافوا آلاف الحسابات لعناصر التنظيم على "فيس بوك" و"تويتر"، وهو ما ساعد التنظيم في نشر أفكاره الإرهابية وتجنيد عناصر من الدول الأوروبية للانضمام إليه في مواقع القتال في سوريا والعراق.

ولازالت الولايات المتحدة وحليفتها تركيا تقدم خدمات جليلة لتنظيم "داعش" حتى بعد محاصرة التنظيم وعناصره في سوريا والعراق وتحرير الموصل، حيث تم نقل عناصر التنظيم من المناطق الخطرة إلى مناطق آمنة داخل سوريا والعراق، بل ونقل بعض المقاتلين الدواعش من سوريا والعراق إلى "درنة" في ليبيا، حيث يجد التنظيم بيئة خصبة لممارسة الأعمال الإرهابية، وليظل شوكة في حَلْقِ الدولة المصرية على طول حدودها الغربية؛ حيث يمكن اختراق هذه الحدود والقيام بعمليات نوعية تثبت أن التنظيم لم يمت، وأنه لا زال موجودًا.

وسياسة التنظيم الراسخة التي تقوم على كتاب "إدارة التوحش" الذي يؤسس لفلسفة التنظيم، هو أن يأتي الدولة من أطرافها لكي يخلخل قواها الصلبة من جيش وشرطة ويشيع الرعب في صفوف المدنيين لكي يقيم دولته على أطراف الدولة بعد انفلات قواها، ويدير التوحش الذي يعقب هذا الانفلات. لذا يجب اليقظة والحذر مما يحدث في سيناء وعلى حدود مصر الغربية مع ليبيا وعلى حدودنا الجنوبية مع السودان. ولعل جولة الرئيس عبد الفتاح السيسي الأفريقية كان الهدف الرئيس منها هو الحفاظ على الأمن القومي المصري الذي تستهدفه قوى كثيرة لا تريد الخير لمصر. 

ثالثًا- نبوءة حادث "لاس فيجاس" الإرهابي

إن الولايات المتحدة الأمريكية لا زالت تلعب بالنار غير مدركة أن اللعب بالنار سيؤدي حتمًا إلى حرق أصابع مَن يلعب بها. لقد أوضحت دراسة لمؤسسة "كارنيجي" الأمريكية أن الإحصاءات الخاصة بعدد التغريدات المساندة لتنظيم "داعش" الإرهابي توضح أن المركز الثاني للتغريدات المساندة للتنظيم تأتي من داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وهذه دلالة خطيرة على أن هناك الكثير من الأمريكيين الذين يعتنقون أفكار "داعش"، حتى وإن لم ينضموا للتنظيم بشكلٍ رسمي. إن هذا يؤشر إلى أن الولايات المتحدة سينالها نصيب من العمليات الإرهابية لهذا التنظيم في الفترة القادمة. وفي اعتقادنا أن هذه العمليات ستكون أكثر عُنفًا مما حدث في أحداث 11 سبتمبر 2001. وهذه النبوءة أطلقناها في تعقيبنا على جلسة البحوث الأولى في اليوم الثاني من مؤتمر كلية الإعلام جامعة القاهرة، كما سجلناها في مقالٍ لصحيفة "البوابة" وموقع "البوابة نيوز" يوم الجمعة 22 سبتمبر الماضي قبل وقوع حادث "لاس فيجاس" الإرهابي في الثاني من أكتوبر الحالي.

وتعلم الولايات المتحدة جيدًا من خلال بعض مُنظريها أن العصر الذي نحن مقبلون عليه هو "عصر الاضطراب العالمي"، وفي وقت من الأوقات كان يمكن للولايات المتحدة أن تدير الصراع في بقاع العالم الساخنة، ولكن في الفترة القادمة حيث يقع الاضطراب العالمي في مناطق شتى ومتعددة لن نعلم ما نتيجة هذا الاضطراب الذي لا يوجد مَن يديره من ناحية، أو يتوقع نتائجه. والأخطر في هذا الاضطراب أن كل القوى تملك أدوات الصراع وفي القلب منها الفضائيات والإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي.

في الصراع القادم الذي سيكون الإعلام ساحته الكبرى وأدواته الفاعلة، لن يكسب طرف دون الأطراف الأخرى، الكل سيخسر خسرانًا مبينًا، باستثناء الدول التي ستؤمن بتماسكها ووحدة نسيجها القومي مهما تنوعت عناصره الداخلة في تكوينه. 

رابعًا- الإعلام وإدارة الصراع

من أبرز جلسات النقاش التي ضمها المؤتمر العلمي الثالث والعشرين لكلية الإعلام جامعة القاهرة الذي عُقد تحت عنوانٍ لافت وهو "وسائل الاتصال وقضايا الصراع في العالم" يوميْ الإثنيْن والثلاثاء 11و12 سبتمبر الحالي، المائدة المستديرة المعنونة "الإعلام وإدارة الصراع: إطلالة على الواقع"، والتي رأسها د. راسم الجمال أستاذ الإعلام الدولي بالكلية، وتحدث فيها نخبة من خبراء السياسة والأمن والإعلام.

في البداية تحدث د. أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة وقال إن الإعلام له دورٌ رئيس في إدارة الصراعات، لأن الدعاية أداة رئيسة في إدارة السياسة الخارجية سواء في سياقها التعاوني أو الصراعي، بالإضافة إلى الأدوات السياسية والعسكرية والاقتصادية. ويتمثل دور الدعاية في حشد الأنصار لأي طرفٍ من الأطراف في صراعٍ ما. 

خامسًا -"الجزيرة" نموذج لبروز قيم التحيز والازدواجية وتراجع الموضوعية:

وتتمثل مشكلة الإعلام كأداة مهمة من أدوات الصراع في بروز قيم التحيز والازدواجية وتراجع الموضوعية، ولعل قناة "الجزيرة" القطرية وإعلام تنظيم "داعش" الإرهابي يمثلان نموذجيْن للإعلام الاحترافي الذي أسقط القيم المهنية الإعلامية. وتلجأ الدول إلى الإعلام كأداة صراع لأن الأداة العسكرية ليست هى الأداة المناسبة في كل الصراعات، واستحالة استخدام هذه الأداة في بعض الحالات. إن الأداة العسكرية لم تحسم الصراع في اليمن رغم مرور ثلاث سنوات على بدايته، لذا فقد يكون الإعلام أداةً مثلى في حسم هذا الصراع. لقد تزايد دور الإعلام في الصراع في ظل تنامي آلياته وأدواته الفاعلة مثل الفضائيات والإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي.

وذكر اللواء محمد عبد المقصود الأستاذ بأكاديمية ناصر العسكرية أن الثورة التكنولوجية جعلت أجهزة الأمن لا تستطيع أن تفرض سيطرتها، وربما يكون هذا هو مكمن استخدام الدول الكبرى لحروب الجيليْن الرابع والخامس. ولعل تغلغل هذه الحروب في النسيج الوطني لبعض الدول العربية هو ما أدى إلى تراجع الصراع العربي الإسرائيلي، نظرًا لتأجج الصراع داخل هذه الدول نفسها. إن وسائل الإعلام العربية تخاطب نفسها ولا تخاطب الخارج مثلما تفعل إسرائيل التي استطاعت أن تجلب تعاطفًا عالمًا معها في إجراءاتها الاخيرة لمنع الصلاة في المسجد الأقصى. 

سادسًا- شبكات التواصل تستهدف تفتيت تماسك الدولة وزعزعة استقرارها:

إن آفة شبكات التواصل الاجتماعي أنها تمارس تأثيرًا مدمرًا على الوعي الجمعي للشباب، وتعمل على التشكيك في القيم الأساسية للدولة ورموزها، وتستهدف تفتيت تماسك الدولة وزعزعة استقرارها عن طريق نشر أفكارٍ مغلوطة يصدقها كثيرون بغض النظر عن البحوث التي أظهرت تدني مصداقية هذه الشبكات. إن حربًا دعائية شرسة لنشر الشائعات مورست ضد مصر من خلال هذه الشبكات للنيْل من تماسك الجبهة الداخلية المصرية، ولكن تماسك هذه الجبهة هو الذي أدى إلى الصمود في مواجهة هذه الحرب المسعورة.

وخَلُصَ اللواء عبد المقصود إلى عدد من التوصيات -أوافقه عليها- أهمها: إبراز دور القوات المسلحة المصرية داخليًا وخارجيًا، دعم استراتيجية الدولة في مكافحة الإرهاب، تسليط الضوء على المشروعات القومية الكبرى، التخلص من السطحية في المعالجة الإعلامية، الحفاظ على الروح المعنوية العالية للمواطنين وقوات الجيش والشرطة لأننا في ميادين قتال، دعم الإعلام الإلكتروني بعناصر وكفاءات شابة لديها قدرٌ كبير من الوعي. 

سابعًا- الإعلام العربي سقط في هُوة حرب المصطلحات والمفاهيم

وقالت د. نجوى كامل أستاذ الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة إن الإعلام المعاصر –للأسف- لم يدعو أو يُرسي مفهوم الدولة الحديثة بل أنه دعا في الأساس إلى الطائفية والعرقية والمذهبية والقبلية. وطرحت عدة تساؤلات أبرزها: هل يمتلك الإعلام المقومات التي تجعله يدعو إلى ثقافة السلام المجتمعي؟، وما مدى مساهمة التعددية الإعلامية في ضمان حق المواطن في المعرفة؟، وهل توجد استراتيجية إعلامية واضحة لكيفية التعاطي مع الصراعات المختلفة؟ ولماذا نشاهد في وسائل إعلامنا كل هذه اللقطات والصور البشعة عقب كل حادث إرهابي وهو ما لم نره في آليات التغطية الإعلامية للأحداث الإرهابية في فرنسا وبلجيكا وأسبانيا؟.

إن إعلامنا العربي سقط –بقصد أو دون قصد- في هوة حرب المصطلحات والمفاهيم War of Expressions، فيُطلق على "الإرهابيين" مصطلح "الجهاديين"، ويُطلق على "السلفية التكفيرية" مصطلح "السلفية الجهادية"، ويًطلق على "الانتحاري" مصطلح الاستشهادي"، ويستخدم البعض مصطلح "ولاية سيناء" بدعوى أن الإرهابيين يقولون ذلك، ويتم هذا الخلط صباحًا ومساء نتيجة عن عدم وعي أو سوء نية. واختتمت د. نجوى كلمتها بالتوصية بضرورة اتخاذ الإجراءات القانونية والرقابية كافة ضد مواقع وصفحات المتطرفين والإرهابيين على شبكة الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي. 

ثامنًا- قرية ماكلوهان العالمية تتمدد بفعل تعدد الشاشات والمنصات الإعلامية

وأخيرًا تحدث د. هشام عطية أستاذ الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة والذي ذكر أنه في الصراعات وأوقات الأزمات تزيد مساحة الاعتماد على وسائل الإعلام، لذا فقد أصبحت وسائل الإعلام ساحةً للصراع وليس مجرد أداة من أدواته. إن الاتصال الأكثر إبداعًا والأكثر كفاءة والأكثر قدرة على تقديم أفكاره هو الأكثر فاعلية؛ لا يكفي أن يكون الحق أو الحقيقة معك، بل يجب أن تعرف كيفية تقديمهما للجمهور، "فكون قضيتك عادلة لا يجعلك قادرًا على أن تكسبها". لقد استطاع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يستعيد الدور والنفوذ الإعلامي لروسيا الاتحادية وكانت أداته في ذلك هى "روسيا اليوم".

واختتم د. هشام حديثه بمقولةٍ رائعة وهى: "إن القرية العالمية Global Village التي أوهمنا عالم الاتصال الكندي مارشال ماكلوهان Marshall McLuhan أنها صغيرة، تبين في النهاية سقوط هذه الأسطورة، لأن هذه القرية كساحة للصراع آخذة في التمدد والاتساع بفعل تعدد الشاشات والمنصات والتفضيلات الإعلامية للجمهور".

إن الدور الفاعل للإعلام في مجال الصراعات في منطقتنا العربية لم تتضح كل معالمه بعد، وأعتقد أن مزيدًا من المعالم سوف تتكشف في قادم الأيام.

Top of Form


شارك