الدين المدني عند روسو

الإثنين 16/أكتوبر/2017 - 02:39 م
طباعة الدين المدني عند
 
عمر علاء*

يولد النسان حر ويوجد الإنسان مقيداً في كل مكان وهو يظن أنه سيد الاخريين وهو يظل عبداً أكثر منهم وكيف وقع هذا التحول؟ أجهل ذلك. هكذا افتتح الفيلسوف والكاتب الفرنسي الشهير جان جاك روسو كتابه العقد الاجتماعي فيما يعتبر من أكثر الكتب تأثيراً في التاريخ، إذ يؤسس إلى نظرية تبحث عن كيفية نشوء الدول.

 العقد الاجتماعي تقوم هذه النظرية علي فصل التاريخ إلى قسمين: ما قبل الحكومات، وما بعد الحكومات. وبالتأكيد بين الفترتين يوجد أسباب دفعت إلى الانتقال من طور إلى طور. ويفسر أصحاب نظرية العقد الاجتماعي السبب وراء انتقال الناس من طور إلى آخر هو العقد وما سمي بالعقد الاجتماعي واختلفوا حول طبيعة هذا العقد وشروطه، إنهم اتفقوا على أنه لم تنشأ الحكومات نتيجة حق إلهي منحه الله إلى الحكام ليحكمو باسمه.

يعتبر هذا الكتاب هو بمثابة الإنجيل للثورة الفرنسية، حيث ساهمت أطروحاته في ترسيخ مفهوم أن الشعب هو صاحب السيادة ويأتي هذا في سياق هذه النظرية التي تسعى إلى الإجابة على سؤال من أهم الأسئلة وهو كيف نشأت الحكومات؟ الحقيقة أن جان جاك روسو (1712- 1778) لم يكن صاحب السبق في الحديث عن نظرية العقد الاجتماعي، فقد سبقه إلى ذلك توماس هوبز  (1588- 1679) وجون لوك  (1632- 1704)، ولكن يظل روسو هو الأعلى سيطاً بينهم ويرجع ذلك إلى أن افكاره كانت مصدر إلهام للثوار في الثورة الفرنسية.

ولد جان جاك روسو 28 يونيو 1712 في جينيف لأب يعمل ساعياً وأمه ماتت عقب ولادته. تنقل روسو بين المدن في فرنسا وسويسرا وعاش أياماً بائسة وله كتب أخرى أشهرها إميل كتاب يتحدث عن التربية وكتاب اعترافات وهي بمثابة مذكرات لروسو.

في 1749 نشرت أكاديمية ديجون إعلان لمسابقة بحثية وموضوعها (هل أدى تقدم العلوم والفنون إلى إفساد الأخلاق أم إلى إصلاحها؟، فنصحه صديقه ديدرو بالمشاركة في المسابقة والتزام جانب أن العلوم أفسدت الأخلاق لما فيه من توجيه الأنظار له، وبالفعل تكلم روسو عن أن التقدم أفسد الإنسان وأن الحالة الأولى لطبيعة الإنسان كانت خيِّرة وأفضل مما عليه البشر الاآن. وكان الوحيد الذي تحدث في ذلك الاتجاه وفاز في المسابقة ليكون هذا البحث بداية لتدوين كتاب العقد الإجتماعي.

خرج روسو في كتابه العقد الاجتماعي بمفهوم جديد حول الدين والدولة فخصص له فصل كامل في الباب الرابع فيما عُرف بمفهوم الدين المدني؛ حيث قسّم الأديان إلى أربع أقسام؛  دين المواطن ودين الإنسان ودين الكاهن والدين المدني:

أولاً، دين المواطن هو الأديان القديمة التى كانت تجسده الديانية اليهودية أو اليابانية أو الزرادشتية قديماً، التي كانت تتطابق فيه الشرائع مع القوانين وحتى الآن نلمس هذا في الأديان مثل اليهودية حيث الدين مقتصر على قومية معينه (بني إسرائيل)، كذلك الدين الزرادشتي مقتصر على الفرس حيث أنه دين الفرس، وهكذا. لذلك لم توجد حروب  تأخد طابع ديني لأنه لا أحد يريد أن يفرض إلهته على الشعوب الأخرى. وأن إله الشعب سيد على الشعب فقط، وذلك لوجود تسامح فى تعدد الآلهة، وكانت الحروب تأخد طابع سياسي، وطريق هداية أي شعب هي بغزوه، أو كما فعل الرومان فقد يغزوه و يبقي على آلهتهم ومعابدهم.  

هذه الأديان لم تعد موجودة بهذا المفهوم، حيث أن أغلب الأديان تسعى إلى العالمية،  حتى أن هذه الاديان بها بعض الأقاويل أنها كانت تبشيرية مثل اليهودية أنها سعت لضم قوميات أخرى غير بني إسرائيل.

الدين الآخر هو دين الإنسان أو الدين الروحي الذي يعتني فقط بالروحانيات أو ما سماه روسو الحق الإلهي الطبيعي حيث دين مقصور عن مفاهيم أخلاقية تحض على القيم والمثل العليا وتجسده الديانة المسيحية، ليست المسيحية في عصر القرن الثامن عشر بل مسيحية المسيح الأصيلة ورغم ذلك فهو لا يحبذه لأنه يدعو إلى العزلة والزهد ولا يدعم العقد الإجتماعي وهي القضية الأم، فيقول أن المسيحية وجدت لتضطهد حيث لا توجد بها آليات  للدفاع عن الذات، فيقول مثلاً أنك لو أرسلت جنود يعتنقون هذا الدين سيكونوا حريصيين على الموت أكثر من حرصهم على النصر.

نأتي إلى الدين الثالث وهو دين الكاهن، هو دين التناقض كما يزعم، حيث يقول أن هذا الدين يجعل الإنسان في تناقض بين نظاميين؛ الإجتماعي والديني، وأن هذا لا محالة لا يؤسس إلى عقد إجتماعي للتناقض داخل المجتمع بين طاعة القوانين أو طاعة الشرائع  وينتهى باستبداد الكهنة، وهو دين من العقائد السلبية بمعنى أنه دين غير متسامح، أما العقائد الإيجابية عند روسو فهي التى تحث على التعايش والأخلاق.

أما الدين الذي يفضله روسو هو ما سماه بالدين المدني وهو الدين المنبثق من العقد الإجتماعي أي الذي لا يختص بقومية معينة ولا يحض على الطاعة والعبودية ولا يوجد به تناقض بل هو دين خاص بأطراف العقد الاجتماعي ويجب أن يكون هذا الدين عقائده بسيطة ويكون الدين بمثابة المظلة الكبرى لكافة الأديان الموجودة داخل المجتمع  ولا تتخذ كمفهوم الدين بالضبط بل كروح اجتماعية ويرى أن الرعايا لا يقدمون حساباً للسيد إلا بالمقدار الذي يهم المجتمع أي فيما يُعرف الآن بحرية الاعتقاد وأيضاً يضع حدود لمن ينقض العقد الإجتماعي بالموت. أعتقد أن هذا الطرح الذي قدمه روسو هو يشبه مفهوم العلمانية من جهة أن الدولة لا تتبني دين معين ولكن تتبنى مجموعة من القيم والمبادئ الإجتماعية التى تدخل من خلالها كافة المواطنين تحت مظلة هذا الدين ويشبه أيضاً مفهوم المواطنة والوطنية من جهة حب الشخص واعتزازه بدولته وقوانينها لتصبح بمثابة دين.

ولكن انتقد البعض هذا المفهوم حيث أن الدين المدني حتى وإن ألصق به صفة المدنية يظل دين لأن أي دين من صفاته إنه يقدم نفسه أنه خارق للعادة supernatural وقد يغالي فيه البعض. وقد خاب ظن روسو في هذه النقطة حيث أنه توقع ألا يحدث عدم تسامح بين الأديان المدنية أنه إذا أرسيت قواعد الدين المدني في الدول، لن تحدث صراعات أو حروب لأن الأسس واحدة تعتمد على مبادئ المواطنة، ولكن نجد فى الحرب العالمية الثانية كانت نتاج لصعود تيارات تغالي في القومية مثل النازية والفاشية والتي جعلت قوميتها هذه بمثابة دين ورغم ذلك جلبت الخراب للعالم.

وقد طور الباحث الامريكي روبرت بيلا هذا المفهوم، مفهوم الدين المدني، في مقال له  فى القرن العشرين، ولكن طبقه على الحالة الأمريكية حيث مجتمع متعدد الأعراق والأديان والمذاهب فما هو السياق الذي يجمعهم. اعتمد روبرت أن الدين المدني لأمريكا هو الذي يجمع المواطنيين مع اختلاف أديانهم من مسيحيين ويهود وبروتستات وكاثوليك وأبيض وأسود ولايتن وغير ذلك من الأعراق أن يجمعهم شعور قومي واحد ومجموعة من القيم والمبادئ والطقوس والرموز وطنية وقيادات روحية التى تنمي شعور وطني عند هؤلاء  وأنهم  يذكروا الإله فى سياق عام مناسب لكل الأديان لتدعم قضية سياسية مثل حقوق الانسان أو الاستقلال أو الأخلاق المدنية.

استشهد بذلك بخطاب تنصيب جورج واشنطون حيث ذكر أن الله يحكم الكون وكل الأمم أيضاَ خطابات جيفرسون وكيندي وأن هذا الدين يتطور مع الزمان ويصبح هذا التراث والإرث القومي مقدس وله بعض الظواهر مثل العلم وأعياد وطنية مثل عيد الاستقلال والعيد التذكاري. هذه الاعياد تشكل وعي وروح قومية للشعب الأمريكي، ويشمل على خصائص الأديان حيث أنه له مؤسسون وله ملاحم مثل الحرب الأهلية الأمريكية وحرب الاستقلال ولديه رواد ومجددون مثل لينكولن وفرانكلين وغيرهم، تقدم في سبيل هذا الوطن التضحيات ويعتبروا شهداء إذا ضحوا بحياتهم. وتصبح هذه المفاهيم  الوطنية وهذا الإرث مقدس لهذه الخصائص التي تشكل روح إجتماعية تستطيع تجاوز الخلافات الدينية بين شعب متنوع الأعراق والثقافات.

وهنا نتساءل، هل يمكن لهذا النموذج (الدين المدنى) أن يكون بمثابة حل للصراعات الطائفية فى منطقنتا أم سيستبدلها بصراعات قومية وعرقية؟

 

* باحث مساعد في العلوم السياسية

 

هذا التحليل مأخوذ من مقالة:

Robert N. Bellah, Civil Religion in America, the American Academy of Arts and Sciences, Winter 1967

شارك