مناورات ما قبل المواجهة

الأربعاء 18/أكتوبر/2017 - 02:02 م
طباعة
 
الأمر المؤكد أن الأزمة التي افتعلها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع إيران بخصوص الاتفاق النووي الموقع معها بمشاركة القوى الكبرى الدولية (روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا) في يونيو عام 2015 هي «أزمة إسرائيلية بامتياز». فإسرائيل دعمت توجه ترامب مع إيران، وإن كانت ترى أن ما فعله ترامب هو «خيار منتصف الطريق». فالرئيس الأمريكي لم يعلن الانسحاب من الاتفاق الدولي مع إيران، لكنه اكتفى بعدم الإجابة بـ «نعم» على التزام إيران بالاتفاق النووي الموقع معها عكس ما كان يفعل في المرات السابقة، لكنه أيضاً لم يقل «لا» أي لم يقل إن إيران لا تفي بالتزاماتها، لكنه أحال الأمر كله إلى الكونجرس كي يتخذ قراره والذي يأمل أن يتوافق مع قراره الذي يريده برفض الاتفاق، ما يعني أن القرار أضحى قرار الكونجرس وليس قرار الرئيس، وعلى الكونجرس أن يحدد ما يجب أن يفعل مع الاتفاق النووي الإيراني:هل انسحاب أمريكي منفرد من الاتفاق أم فرض عقوبات جديدة على إيران دون الانسحاب مع ربط هذه العقوبات بدعوى تعديل الاتفاق وفق الشروط التي تراها واشنطن لمعالجة ما تعتبره ثغرات في الاتفاق؟

فبعد أن ألقى ترامب بالمسئولية على الكونجرس سيكون أمام الكونجرس أحد خيارين أولهما إعلان الانسحاب من الاتفاق النووي وهنا سيكون الانقسام داخل الكونجرس مؤكداً ليس فقط بين الديمقراطيين المؤيدين للاتفاق، بل وأيضاً بين الجمهوريين غير الموحدين حول هذا الموقف بسبب إدراك خطورة تداعياته التي قد تدفع إيران ليس فقط إلى إعلان وقف العمل بالاتفاق وإسقاطه، ومن ثم أعطاها كل المبررات لكي تنطلق في مشروعها النووي العسكري دون أى التزامات، بل قد يدفعها إلى الانسحاب كلية من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وهنا يكون الانسحاب الأمريكي من الاتفاق قد أدى إلى نتائج عكس ما هو مرجو منه، ويكون قد أسهم في تخليق «كوريا شمالية أخرى».

القيود ليست فقط من داخل الكونجرس بل وأيضاً داخل أركان الإدارة المنقسمة على هذا الموقف علاوة على الحلفاء الأوروبيين الرافضين لأي انسحاب أمريكي والمتمسكين بالاتفاق. الأوروبيون أكدوا ذلك. حيث شدد سفراء دول الاتحاد الأوروبي في الولايات المتحدة أنه في حالة انسحاب واشنطن من الاتفاق سيفعلون كل ما في وسعهم لحماية أي شراكة في أوروبا تستثمر في التعاون مع إيران في حال إعادة فرض عقوبات أمريكية جديدة على إيران.

الخيار الثاني هو العمل على تعديل الاتفاق وفق المطالب الأمريكية وهذا يستلزم أيضاً تعاوناً دولياً، لكنه خيار مرفوض من إيران، كما أنه مرفوض من الأوروبيين الحريصين على التعامل مع الاتفاق بمعزل عن القضايا الخلافية الأخرى مع إيران، خاصة الصواريخ الإيرانية الباليستية والسياسة الإقليمية الإيرانية الداعمة لأنشطة مقلقة لعواصم هذه الدول، ويرون الحفاظ على الاتفاق كما هو والشروع في بدء مفاوضات أخرى مع إيران حول تلك القضايا الخلافية، بمعزل عن الاتفاق النووي.

هذا يعني أن الكونجرس سيجد نفسه عاجزاً عن اتخاذ موقف في ظل الانقسام على الاتفاق خصوصا أن الكونجرس بدأ يستعد لمعركة انتخابات التجديد النصفي، وكثير من الأعضاء سوف ينأى بنفسه عن الخوض في قضايا قد تؤثر على شعبيته الانتخابية إذا كانت تلك القضايا لها مردود سلبي على المصالح الاقتصادية الأمريكية، حيث يضع كثير من الأعضاء في اعتبارهم مواقف الدول الأوروبية الصديقة ومصالح الشركات الأمريكية.

عندما يصل الكونجرس إلى هذا اليقين فإنه سيكون قد أضحى أمام مأزق حقيقي يصعب التعامل معه دون خسائر فادحة، وهنا ستجد إسرائيل نفسها في المواجهة مع وضع مأساوي مضاعف، فالدفع بتسخين قضية الملف النووي الإيراني كانت سياسة إسرائيلية أقرب إلى «الهروب إلى الأمام» بعد أن وجدت نفسها أمام مشهد إقليمي جديد أجمعت كل المؤسسات السياسية والأمنية والعسكرية في تل أبيب على توصيفه بأنه «تهديد للأمن القومي الإسرائيلي» بعد سقوط ثلاثة رهانات إسرائيلية متتالية: الرهان على «داعش» لإرباك سياسات كل الأطراف الإقليمية لمصلحة إسرائيل في العراق وسوريا. فتنظيم «داعش» يتوارى الآن. والرهان على سقوط نظام الرئيس بشار الأسد في سوريا، فها هو الآن أصبح قادراً على الاستمرار. ورهان أن يؤدي توقيع إيران على الاتفاق النووي إلى سيطرة القوى المعتدلة على القرار السياسي الإيراني ودخول إيران في مساومات سياسية واقتصادية مع الأطراف الإقليمية الأخرى بعيداً عن سياسات التشدد، ولكن إيران ازدادت تشدداً ونجحت في أن تفرض نفسها كلاعب قوي داخل سوريا, وأن تكسب تركيا من خلال الاستثمار في أزمة الاستفتاء الكردستاني.

هذا ما أكده تقرير «الموساد» أمام الحكومة (13/8/2017) بالقول إن «المنطقة تتغير في غير مصلحتنا» وفي اليوم نفسه حذر رئيس الحكومة بنيامين نيتانياهو من مخاطر أفول تنظيم «داعش» وهو الأفول الذي يصب في مصلحة إيران، وفشلت إسرائيل في إقناع كل من موسكو وواشنطن في الاستجابة لطلباتها بتحجيم النفوذ الإيراني في سوريا على النحو الذي تريده، ووجدت ، بالتالي، نفسها أمام طريق مسدود في مواجهة إيران إقليمياً ولم تجد بديلاً غير إعادة تسخين الملف النووي الإيراني عن طريق واشنطن وها هي الآن تجد نفسها مرة ثانية أمام نفس الطريق المسدود.

المخرج الإسرائيلي الوحيد للخروج من هذا المأزق هو وضع الولايات المتحدة وجهاً لوجه مع إيران، وإذا كانت إسرائيل قد فشلت في فرض مواجهة عسكرية أمريكية - إيرانية في سوريا فلتكن هذه المواجهة في إيران نفسها بسبب البرنامج النووي، فهم في تل أبيب يراهنون على أن تدفع الأزمة الجديدة إلى صدام عسكري مباشر أو تعيد واشنطن لدعم موقف إسرائيل بالمواجهة مع إيران في سوريا وجر المنطقة كلها، إلى أزمة على أمل أن تدفع هذه الأزمة بكل الأطراف إلى سياسة جديدة ضد إيران ليس فقط في سوريا بل وفي الملف النووي أيضاً، لكن يبقى السؤال المهم هو: ما هي فرص نجاح هذا الرهان إذا لم تكن إسرائيل قادرة وحدها على تحمل تداعياته وهي من أكد ذلك ورمى الكرة في الملعب الأمريكي!

شارك