تحرير السيرة النبوية من القراءة الدينية التنظيمية

الخميس 02/نوفمبر/2017 - 02:54 م
طباعة تحرير السيرة النبوية
 
محمد عبد العال - رشا عبد الواحد - حمدي رزق

صدر عن دار سماء للنشر والتوزيع كتاب (تحرير السيرة النبوية من القراءة الدينية التنظيمية)، ويعُج الكتاب بمجموعة من المفاجآت والاكتشافات والنتائج التي توصل إليها ثلاثة من النابهين الباحثين الشباب عبر بحث وتنقيب واستنتاج وتتبع لسياقات وروايات ومصادر السيرة النبوية الشريفة في محاولة لإبراز الوجه النقي والحقيقي للسيرة بعيداً عن تشوهات الجماعات الدينية المتطرفة، يقع الكتاب في حوالي مائتي صفحة، ويناقش أسئلة شائكة وصلت الي ما يقرب من خمسة وعشرين سؤال استنبطها الباحثون من عملية عقلية مقارنة بين الأصول الأولي للسيرة النبوية وبين الكتابات الحديثة والخطابات والأفكار التي زرعتها الجماعات الدينية عبر مؤلفاتهم ورجالهم وأنصارهم خلال هذا العقد الأخير من الزمن، وتمكن الباحثون من صياغة تلكم الإشكاليات في صورة أسئلة من قبيل: لماذا نتكلم في السيرة النبوية؟ كيف تكون أحوال المسلم بالنسبة الي أسوة النبي الحسنة؟ هل السيرة مقاصدية أو أحداث يومية للنبي أي هل السيرة تاريخ أو مصدر اقتداء واهتداء؟ أيهما الضروري: قيم السيرة أو أحداثها؟ السرد التاريخي أو أخلاق النبوة أو كليهما؟ ما الأصل بالنسبة الي النبي أهو المجتمع أو الدولة؟ هل يمكن أن تكون السلطة مدخلاً لإصلاح التدين؟ هل أنفق النبي وقته كله في القتال؟ هل القتال هو الأصل أو الاستثناء؟ وكيف قضي النبي وقته إذا كان القتال دفاعي واستثناء لرد العدوان؟ هل كان للنبي تنظيم ديني وسياسي مغلق في مكة المكرمة؟ هل وجدت فترة سرية وأخري جهرية كما هو مشاع في كتابات السيرة؟ وينتهي الكتاب بطرح سؤال جوهري حول فائدة الدين لنا كبشر في حياتنا. والكتاب إجمالاً يحمل مبادرة قوية وبداية هامة لرد علوم السيرة النبوية الي أصولها الأولي بفهم سليم ومنهج علمي متوازن ومتواتر عبر تاريخ المسلمين قبل ظهور الجماعات الدينية التنظيمية في هذا القرن الأخير.

يري الباحثون أن القراءة العسكرية والسياسية طغت في رؤية الجماعات الدينية لشخص النبي وللسيرة النبوية رغم أن القتال والغزوات كانت "دفاعية" و"استثنائية" فإذا تتبعنا كل غزوات النبي نجد المنهج الذي يتلخص في ضيق وقت الغزوةوعدم استفحالها ذلك أن الحرص علي الأرواح والممتلكات أمر أساسي فضلا عن إجبار الخصم والتضييق عليه ليقبل بالسلام والعيش المشترك.فمجموع سنوات رسالة النبي 23 سنة منهم سنة و5 شهور تقريبا قضاها في ذلك، أي 7% من سيرة النبي في القتال بينما قضي 93%  في البناء والتنمية والتزكية والخير والدعوة، وبالتالي يتضح أنهم عطلوا رصيد ضخم من الأخلاق والقيم والروحانيات فأين ذلك من تدويناتهم؟ وأين ذلك من تشكيل وعي عموم المسلمين؟كما ركزتتلكم الكتابات علي أنه عليه السلام كان يسعي الي تأسيس "دولة" أو "سلطة سياسية" أو ..الخ مما يرد في كتب البعض، بتعميمات مخلة فبعض كتابات التنظيميين المعاصرة تحاول أن تقتبس من المؤلفات التراثية المتخصصة في ما يسمي ب"الأدب السلطاني" أو السياسة الشرعية ويغيب عنها أننا لا نعيش في دولة الخلافة. ومن ثم أدي ذلك الأمر الي "مركزية" فكرة الدولة أو السلطة، و"هامشية" المجتمع والفرد، فغالي كثيرين - كتابةً وبحثاً وسلوكاً –عند كتابة السيرة النبوية في ضرورة تشكيل تنظيم ما في المجتمع، والعزلة عنه ومفاصلته وكأنه مجتمع مشرك وكافر! ثم محاولة اعتلاء الدولة والسيطرة عليها بقياس فاسد باطل علي عهد الرسول، وإنكارا للواقع المعاصر. لكن المتتبع لسيرة النبي الأعظم يجد أن الفرد وبناءه ومن ثم المجتمع كان "المركز"، وأن "السلطة" أو "الحكم" كانت الهامش، وتحصيل حاصل يأتي أو لا يأتي لا ضير، فسلطة القلوب أقوي من سيطرة الرقاب، وفتح القلوب أهم من غزو البلدان.

يؤكد الكتاب علي أن الخطيئة الأخري للجماعات الدينية المتطرفة هي اختزال السيرة النبوية في عقول الناشئة بإنشاء مدينة ثانية علي غرار مدينة الرسول بحيث أن تلك الجماعات السياسية الدينيةتريد العيش في العشر سنين الأخيرة من حياة النبي! فتتنكر لواقعها وتسعي للبطش بالمسلمين وتبدأ في تقسيم الناس من مع تنظيمهم ومن ضد تنظيمهم متناسين أنهم في مجتمع مسلم ومؤمن!

ويري مؤلفوا الكتاب أنتلك الجماعات غيبت البعد الروحاني والنفسي للسيرة النبوية فرغم وجود كتابات تاريخية مهمة تمثل رصيد معرفي ومخزون روحاني وأخلاقي للمسلمين في كتابات أهل التصوف والعرفان إلا أن تلكُم الكتابات تم تجنيبها أو إزاحتها أو التهجم عليها لصالح كتابات تركز علي ما يسمي بالبُعد الحركي أو الجهادي في السيرة النبوية. فأحوال المسلم مجموعة في قول الله تعالي (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) ولن تخرج عن أربعة أحوال كما ذكر الأمير عبد القادر الجزائري، الأولي بالنظر الي معاملة الحق لرسولهوالثانية: بالنظر الي معاملته لربه، والثالثة: بالنظر الي معاملة الخلق لهوالرابعة: بالنظر الي معاملته للخلق من محبتهم وإرادة الخير لهم. 

ومن ثم كانت المُخرجات لغياب البعد الروحاني مُسلم مُشوه داخلياً، كاره لمجتمعه، يهتم بالقشور، سريع العنف والغضب، سطحي التفكير، وغير مُشبع نفسياً بقين الإيمان بل ويُشيع حالة من حالات الانقطاع التاريخي مع السيرة النبوية، يرتبط بالمظاهر والشكليات يبدأ بها وينتهي إليها. فترى بعض الكتابات والبحوث تُحرم وتُجرم الاحتفال أو استرجاع أهم اللحظات في تاريخ الإسلام والمسلمين ك (ميلاد النبي – الإسراء والمعراج – هجرة النبي – وفاة النبي ..الخ)، وهي أيام لا ككُل أيامنا. وكأن هناك رغبة ما في طمس تلك المعالم التاريخية النورانية النبوية الشريفة التي تمثل معيناً لا ينضب، وتربط المسلم المعاصر بتاريخ نبيه صلي الله عليه وسلم. مما زاد من جفاء بعض المسلمين وبُعدهم عن السيرة النبوية وحياة المصطفي بل وحالة من حالات الغربة عن سيدنا رسول الله وحياته وسيرته ومواقفه...فكيف يحصُل التعلق إذا استهدفت تلك اللحظات الشريفة من سيرة وتاريخ النبي المصطفي؟

إن الدراسات التي تناولت السيرة النبوية في بُعدها الروحي والنفسي قليلة أو غائبة أو مُغيبة وهو الأمر الذي كان يُمكن أن ينقلنا الي آفاق رحبة تروى حاجة المسلم الي معرفة النبي بحق.يقرأون بعض صور وأحداث السيرة النبوية بطريقة مُبتسرة ومُختزلة، ومقطوعة من سياقاتها، ويُسقطونها بفهمهم التنظيمي المغلق علي واقعهم وتنظيمهم وتصرفاتهم وأحداثهم. ومن ثم يُسمون ذلك قُدوة بسيرة الرسول.

ويري الباحثين أن هناك سنن مهدرة ومهجورة في سيرة النبي، بصورة أصبح الإسلام معها غريباً، فسنة التعارف، والتعاون والتعايش والتفكر والاعتبار والنصح والوفاء بالوعد والاتقان، والصبر والجمال، والحضارة..الخ باتت مهجورة في حياة المسلمين لصالح سنن أخري شكلية ظاهرية.

ويذهب الباحثون الي أن الصياغة السياسية للدين ابتداءً وللسيرة النبوية انتهاءً تخصم من رصيدها الروحي ومعينها الذي لا ينضب. فتأثرت بعض الجماعات المتطرفةبالتدوينات الشيعية عن الإمامة فحاولت أن تظهر النبي بمظهر السياسي!

ظل هذا التوجه موجودا بكثافة في هذا القرن - التفسيرات الحركية للسيرة النبوية - والتي بدأت تلوي ذراع السيرة من أجل تحقيق أهدافها السياسية، مثل استخدام أحداث السيرة النبوية لاسقاطها علي مسيرة تيار ديني بعينة بحيث يبدو وكأنهم هم الصحابة، وكأن حياتهم هي إعادة إنتاج لفصول السيرة النبوية، فتجرأ بعضهم وقال علي السيرة ما ليس فيها، كالقول بوجود تنظيم للنبي في مكة له رأس ونواب وأعضاء، وأن دعوة النبي كانت حركة سرية خوفا من قريش. مع إسقاطهم عدد من المصطلحات المعاصرة علي السيرة كقول بعضهم "الرسول يؤسس دولة في المدينة"، وكأن الدولة بمعناها القومي الأوروبي المعاصر كان مُتبلورا وقائما في عهد النبي صلي الله عليه وسلم! وغير ذلك من أساليب الخلط والتلاعب والتسيس.

يلقي الكتاب الضوء علي أهم عناصر القوة في السيرة النبوية الشريفة والتي تم إهدارها علي يد الجماعات المتطرفة في هذا القرن والتي حاولت سرقة سيرة النبي الأكرم وتشويهها خلال عقد من هذا الزمن، فوظفت بعض الأحداث لحسابها دون استجلاء دقيق للنصوص وجمع للأدلة أو فهم للسياقات والقرائن والأسباب أو تنزيه للنبي.

وهذه المحاولة في تحرير السيرة النبوية يُفيد في إرجاع السيرة النبوية الشريفة الي سابق عهدها قبل عدوان تلكم الجماعات عليها، وفي تجديد الثقة بكتابات علماء المسلمين المُسندين عن السيرة، كما أنه نافع لواقع المسلمين اليوم بالتعرف الحقيقي علي حياة وقيم سيرة النبي الأعظم، ويُمكّن من تفادي العنف والتطرف والحكم علي الآخرين، كما يُساعدنا أن نعيش قيم السيرة لا أحداثها، وأن نفرق بين القضايا والمساءل، وأن لا نُدخل مسائل الفقه في دوائر العقيدة، ولا نحمل الأوامر المرتبطة بالعادات علي الوجوب، أو نخلط بين المطلق والعام أو لا نميز بين حالة الاستقرار والقلق فضلا عن احترام المقام النبوي الشريف وأنه ينتفع به بعد انتقال جسده.

ولعل أهم القضايا التي يتناولها الكتاب هي: خيطئة تحويل الدين إلى أيديولوجيا، والتطور التاريخي لكتابة السيرة النبوية الشريفة منذ القرن الأول حتي الآن، وكيف حصل الخلل والانحراف عن المنهج القويم لعلماء المسلمين الأوائل، وما يقال عن سرية الدعوة النبوية الشريفة وجهريتها، وأيهما أسبق في اهتمام النبي الدولة والمجتمع والخلط بين النبي المعصوم وبين خصوصيته البشرية، والبعد الحضاري في السيرة النبوية، وهل يمكن استنساخ التجربة النبوية بحذافيرها الآن؟ وهل هي قابلة للتكرار؟

يتألف الكتاب من ثمانية فصول موزعة علي أقسام فرعية مع مقدمة، يتناول الفصل الأول مراحل تطور كتابة السيرة النبوية، والثاني بدعة التنظيم والسرية في السيرة النبوية، والثالث يتساءل عن سعي النبي إلى تأسيس دولة أو مجتمع جديد، والرابع يناقش الخلط بين عصمة النبي وخصوصيته البشرية، والخامس يستعرض كيفية تزييف وعي المسلمين تجاه سيرة نبيهم الكريم، والسادس يعرض لأبرز السنن المهجورة والمهدرة، والسابع يتناول كيفية تأسيس الحضارة الإنسانية في السيرة النبوية، والفصل الأخير يجيب على تساؤل: ما غاية الدين؟

شارك