بعض من حياتنا: الثناء المفرط (1/2)

الخميس 02/نوفمبر/2017 - 03:32 م
طباعة
 
غالب خطابات المديح والثناء المصرية تنطوى على مبالغات مفرطة بقطع النظر عن مكانة وإنجاز وأثر الممدوح فى حياته، أو الفقيد عند رحيله إلى العالم الآخر، حيث المملكة الغسقية، ومن ثم يتبدد الثناء، ويتبخر المديح فور إبدائه من المادح، الذى غالبًا ما يصدر عن منافق أو دعيّ يمارس هوايته وتمارينه النفاقية إزاء ممدوحه من ذوى السلطة والنفوذ فى الدولة وأجهزتها، أو خارجها، أو من هؤلاء الذين يتزعمون جماعة أو شلة ما فى الحياة الثقافية الشبحية، أو فى بعض المنظمات غير الحكومية فى الأنشطة الدفاعية ... إلخ. 
قليلة واستثنائية خطابات الثناء التى تعتمد على عمق المعالجة ورصانة الأسلوب وجمالياته المتفردة، والتى تُعبر عن المعرفة التأصيلية والواعية بقيمته الشخصية، وإنجازاتها فى مجالات تخصيصها، وماهية النقلة النوعية التى أحدثها، وأضافت وأثرت هذا المجال أو ذاك فى مجالات السياسة إن وجدت السياسة ولم تمت، أو فى الاقتصاد أو الصناعة، أو الزراعة. 

شحيحة خطابات الثناء حول بعض القامات الكبرى التى ساهمت فى تأسيس الثقافة المصرية والعربية الحديثة والمعاصرة، فى الفلسفة والآداب - الرواية والقصة القصيرة والشعر والنقد فى الأجيال المختلفة - والفنون من تصوير ونحت وأعمال مركبة. كثيرة الكتابات المرسلة فى تقييم الأعمال البصرية والسينمائية حيث الإفراط فى المديح والحكايات الصغيرة التى لا معنى لها، أو دلالة، يدلى بها بعض العوام ممن يعملون فى الصحف، ويطلقون عليهم صفة الناقد السينمائى - والاستثناءات قليلة -، بينما يفتقر هؤلاء إلى الحد الأدنى من التكوين النظرى والتطبيقى للنقد المتخصص فى المعاهد والمراكز المتخصصة ذات السمعة والمكانة. من هنا نادرة الكتابات الرصينة والمتخصصة حول تاريخ السينما المصرية وروادها، والممثلين والممثلات البارزين الذين أثروا عميقًا فى فن التمثيل المصري، بقطع النظر عن طبيعة ونوعية ومساحة الأدوار التى أسندت إليهم، وبعض هؤلاء أثروا ولايزالون فى المخيال الجمعى حول الفن السابع، وبعضهم لم تتجاوز مساحات أدوارهم الأدوار الثالثة والرابعة، وبعضهم وبعضهن قاموا بأعمال ثانوية، لكنها لاتزال مؤثرة، وتستدعيها ذاكرة عشاق الفن السينمائي، وجمهور المشاهدين، قليلة هى الأعمال التى تناولت هؤلاء -، وبعضهن من الموهوبات - الكبار أيًا كانت أدوارهم، أو المخرجين أو المصورين، أو مبدعى «المونتاج» البارزين ... إلخ! 

لا يقتصر الأمر على هؤلاء وأولئك فى السينما، والفنون، والآداب، وإنما رواد الفكر الاجتماعى والسياسي، خاصة من كانوا ينطلقون من الهامش السياسى والاجتماعى والدينى والاجتماعي، خذ على سبيل المثال الكاتب محمد عمر وكتابه المهم «سر تأخر المصريين»، والشيخ خليفة المنياوى ووثيقته المركزية حول تقنين للشريعة الإسلامية على المذهب المالكى وذلك على نسق القانون المدنى الفرنسي، وآخرين تتناساهم الذاكرة الرسمية للدولة المصرية، ونخبها السياسية المتعاقبة وإنجازات بعضها، وكوارث بعضها الآخر الذين ساهموا فى تخلفها التاريخي، خطابات الثناء والرثاء والمديح الشائعة هى إنتاج وظلال الدولة التسلطية، التى تغدق على بعض مواليها، وتقصى ناقديها، والتى ظلت فى حالة عداء مع المثقف النقدى المستقل الذى عرف ولا يزال دوره وسلطته الرمزية، وأنه خارج كل السلطات ويسائلها، ودوره تفكيك الأبنية وهدم البداهات على نحو خلاق سعيًا وراء الأفضل. هؤلاء المهمشون، والذين سكنوا الهامش انطلقوا منه إلى ريادة مسارات مغايرة فى الثقافة المصرية والعربية، تختلف نوعيًا عن المركز الثقافى فى إطار السلطة والإعلام والجامعات المتدهورة، والجماعة الثقافية الرسمية الموالية. 

ما الذى تشير إليه هشاشة وتفاهة خطابات المديح المفرط والرثاء الذاعق بقطع النظر عن قيمة الممدوح وعطائه، أو الفقيد وإنجازه؟ يبدو لى أن مصادر بعض من هذه التفاهة والهشاشة والركاكة تعود إلى عديد الأسباب ويمكن إيجاز بعضها فيما يلي: 

أحد اختلالات الثقافة الشعبية المصرية، تتمثل فى شيوع نزعة المبالغة فى «المدح» و«القدح»، وفى الوصف وتقييم الوقائع والظواهر والمشكلات، والأشخاص، والرموز ... إلخ. تتناسل من المبالغة عديد التقييمات غير الصحيحة والتى تفتقر إلى الموضوعية، والانضباط المعيارى فى ممارسة توصيف الشخصيات، ودورها، وإنجازاتها، هيمنة نمط من نظام اللغة التسلطية المعيارية، التى تراكمت من خلال متابعة وتحليل نمط التقييمات المعيارية للنخبة الحاكمة طيلة تطور النظام فى خطابها السياسي، والبيروقراطى الذى سّيدَ الثنائيات الضدية، ولغة الأوامر الفوقية. لا شك أن هذا النمط السائد من الأساليب اللغوية السلطوية الآمرة، والناهية، والحاسمة فى منطوقها والأحادية فى إنتاجها وتوجهها، تميل إلى المبالغات. من ناحية أخرى التسلطية اللغوية فى توظيفاتها تعتمد على إشاعة نمط مفرط من الثناء على الذات التسلطية، وتتركز تاريخيًا على مديح للحاكم ونظامه، واعتباره يمتلك الحكمة والبصيرة والرشادة السياسية، ومعرفته بما يجرى فى المجتمع والإقليم والعالم، وتحت بصره المعلومات التى لا يعرفها أحد، وأسرار محجوبة عن «الشعب» والنخب، ومن ثم تعتمد خطاباته وقراراته على ما لا يعرفه الآخرون! ومن ثم مديح الحاكم المفرط، يتأسس على أنه يمثل الوطنية المصرية، والصالح العام الذى يحتكره النظام طيلة مراحله المختلفة، القومية المصرية هى ميراثنا التاريخى بدءًا من «مصر للمصريين» وعرابى والشهيد الحى محمد عبيد ومعركة التل الكبير إلى حرب أكتوبر 1973. (وللحديث بقية) 

شارك