إيران بين التقارب الأوروبي والقطيعة الأمريكية

الإثنين 13/نوفمبر/2017 - 01:12 ص
طباعة إيران بين التقارب
 
مصطفى محمد صلاح

لم تكن العلاقات الأمريكية – الإيرانية يومًا علاقات سهلة، كما أن العلاقات الأمريكية – الإيرانية منذ قرون وما زالت علامة أساسية على خرائط الشرق الأوسط، وهى أحد العوامل الأساسية التى تحدد التوازنات فى المنطقة. إن هذا الأمر ليس بجديد على الدولتين وخاصة بعد قيام الثورة الإيرانية الإسلامية ولكن الجديد فى هذا الصدد هو فهم طبيعة هذه العلاقات خاصة فى ظل حالة التمايز بين السياسات الأوربية وسياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه إيران بعد وصول ترامب للبيت الأبيض، لقد كانت السياسات الأوربية فى عهد الإدارات الأمريكية السابقة انعكاس لدرجة التوافق بينهم خصوصًا الملفات المتعلقة بالأمن، وما انعكس ذلك من توافق للإرادات الأوربية والأمريكية للتوافق حول توقيع الاتفاق النووي الإيراني فى صيف 2015م بين الدول الست الكبرى وإيران.

وتشهد العلاقات الأمريكية الإيرانية فصلاً جديداً من التوترات خاصة بعد إعلان إدارة ترامب رغبتها فى الانسحاب بشكل منفرد من الاتفاق النووي وما تلى ذلك من إقرار الكونجرس الأمريكي عقوبات على الحرس الثورى الإيراني وتصنيفه كمنظمة إرهابية وحزب الله اللبناني ومصادر تمويله ويشمل القانون أيضًا أى كيانات يثبت دعمها من قبل إيران.

إيران والعقوبات الأمريكية: تحدى المواجهة

جاءت العقوبات الأمريكية تجاه إيران عقب إجراء الأخيرة تجربة لصاروخ باليستى مما دفع إدارة ترامب لمتابعة إلتزاماتها تجاه ما أعلنته من قبل بمراجعة الاتفاق النووي المبرم مع إيران والدول الست الكبرى وعزمت على تبنى حزمة من العقوبات الاقتصادية على طهران، وتتركز العقوبات على الشركات التي تورد معدات إلى البرنامج االصاروخي الإيراني، والجماعات التي تساعد في التسليح والذى تعتبره واشنطن دعم للإرهاب في المنطقة.

ومن الصعب فهم الآثار العملية لهذه العقوبات، وذلك لأن القليل من هذه المنظمات أو الأشخاص قد يكون لهم أعمال تجارية في الولايات المتحدة. لكن العقوبات تبعث برسالة واضحة إلى طهران، مفادها أن هناك حرس جديد في واشنطن، وأن الإدارة الأمريكية الجديدة تحمل أجندة جديدة محملة بالكثير من الضغوط على طهران، عبر عنها ترامب فى تصريحه بأن "إيران تلعب بالنار، والإيرانيون لا يقدّرون كم كان أوباما (الرئيس السابق) طيبًا معهم، أما أنا فلست مثله".

ولذلك فإن إدارة ترامب تأتي إلى البيت الأبيض برغبة في تغيير موقف واشنطن تمامًا تجاه طهران، وما هذه العقوبات إلا خطوة أولى في هذا الطريق.

وعلى الجانب الآخر هددت السلطات الإيرانية باتخاذ إجراءات مماثلة ردًا على العقوبات التي فرضتها الإدارة الأميركية على أشخاص إيرانيين وأجانب لدعمهم البرنامج الصاروخي الإيراني.

وقال بيان للخارجية الإيرانية إن طهران ستقوم بالمقابل بحظر على عدد من الشركات والشخصيات الأميركية وسيتم الإعلان عن قائمة الأسماء لاحقًا مشيرة إلى أن العقوبات الأميركية “عديمة القيمة”.

واعتبر الرئيس الإيراني حسن روحاني، أن العقوبات التي مررها مجلس النواب الأمريكي ضد إيران لن تكون مؤثرة على بلاده، لافتًا إلى أن الرد على هذه العقوبات سيكون بمواصلة تعزيز القدرات الدفاعية؛ ولعل ما جاء به مشروع القانون الإيراني الجديد الذى أقره البرلمان تمثل فى: تخصيص 260 مليون دولار لدعم المنظومة الصاروخية الإيرانية، و260 مليون دولار لدعم فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني المسؤول عن العمليات العسكرية الإيرانية خارج الحدود، و260 مليون دولار لتنفيذ مشروعي الدفاع النووي وصناعة المحركات التي تعمل بالوقود النووي.

إيران وأوروبا: توافق استراتيجى حذر

لم تكن العلاقات الثنائية بين إيران والاتحاد الأوربي علاقة تصادمية فى معظمها بل إنها كانت مغايرة فى الكثير من الأحيان للسياسة الأمريكية، فمنذ قيام الثورة الإيرانية حتى أحداث الـــ 11 من سبتمبر 2011م، كان للاتحاد الأوربي سياسة مستقلة عن السياسة الأمريكية فيما كانت السياسة الأمريكية تعمل بصورة كاملة فى اتجاه يتسم بالمقاطعة الاقتصادية والحصار والعزلة. وقد بدأ الاتحاد الأوروبي جهودًا غير مسبوقة لإحداث مزيد من التقارب مع إيران، فالاتحاد الأوروبي علاوة على الاستفادة من مصادر الطاقة الإيرانية يستطيع الاستفادة من مكانة إيران الجغرافية والسياسية والاستراتيجية لإقامة نوع من توازن النفوذ في منطقة الشرق الأوسط.

كما أن الاتحاد الأوربي عمل على تقليص حدة الضغوط الأمريكية على إيران وجعل علاقته مع إيران أكثر حضورًا، ولا يخفى أن الاتحاد الأوربي فى بعض الأحيان تبنى سياسة أكثر حدة من التى تتبناها الولايات المتحدة خاصة فيما يخص الملف النووي الإيراني، وقد تبنى الاتحاد الأوروبي موقفًا مشابهًا للموقف الأمريكي تجاه البرامج النووية الإيرانية.

إلا أن هذه المرة جاءت الإرادة الأوروبية مغايرة للإدارة الأمريكية فيما يتعلق بالاتفاق النووي الإيراني حيث أكد الاتحاد الأوربي من جديد دعمه للاتفاق النووي الموقع بين إيران وست قوى عالمية عام 2015م بالرغم من الانتقادات الحادة من قِبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للاتفاق، فى حين أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران ملتزمة بالاتفاق الذي قال ترامب إنه “أسوأ اتفاق جرى التفاوض عليه على الإطلاق”.

        كما حث الاتحاد الأوروبى أعضاء الكونجرس الأمريكي على عدم العودة لفرض العقوبات على طهران. وقال وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي المجتمعون في لوكسمبورغ إن عدم احترام اتفاق دولي دعمه مجلس الأمن قد يكون له عواقب وخيمة على السلام الإقليمي وقد يقوض جهود كبح الطموحات النووية لكوريا الشمالية. وتعتبر أوروبا أن هذا الاتفاق التاريخي أساسي لإقناع كوريا الشمالية بالجلوس إلى طاولة المفاوضات حول برنامجها النووي.

الاقتصاد مدخل التقارب الأوروبي الإيراني

على رغم العقوبات الاقتصادية التي تفرضها واشنطن على طهران تسعى إيران إلى كسر جدار العزلة الاقتصادية والسياسية عن طريق تعزيز تعاونها التجاري والفني مع دول الاتحاد الاوروبي، ويصر الاتحاد الأوروبي على تقوية علاقاته الاقتصادية مع ايران التي حققت معدلات نمو سريعة خلال الاعوام الثلاثة الماضية بلغ 5,8 في المئة وتحتاج إلى الاستثمارات الأوروبية لتدعيم قطاعاتها الاقتصادية وخصوصا النفطية والصناعية.

فبعد توقيع الاتفاق النووي الإيراني والبدء فى رفع العقوبات على إيران بدأت تتوافد على طهران ممثلي العواصم الأوربية جميعًا حتى قيل أن إيران استحوذت على السجاد الأحمر فى العالم فى إشارة إلى الهرولة الدبلوماسية وتحول الوجهات الأوربية تجاه إيران فى إشارة إلى مزيد من تدفق الاستثمارات والتبادل التجارى بين إيران والدول الأوربية. وجاء التبادل الاقتصادى بين إيران وأوروبا باستفادة للجانبين وذلك في محاولة لمعالجة التعثّر الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها القارة العجوز منذ نشوب الأزمة المالية العالمية في عام 2008م وأيضًا رغبة إيران فى الحصول على فرص أكبر للتبادل التجارى خاصة بعد الافراج عن الأموال المجمدة لها فى البنوك الأوربية وتسعى بعض الحكومات والمؤسسات والشركات الأوروبية إلى توسيع نشاطاتها الاقتصادية التي توفرها السوق الإيرانية الضخمة، حيث يقارب الناتج المحلي الإجمالي 400 مليار دولار، وحركة مالية سنوية تقدّر بـ600 مليار دولار، وكذلك تعتبر إيران صاحبة ثالث أكبر احتياطي للغاز، ورابع أكبر احتياطي نفطي في العالم. وتعتبر ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وأخيرًا بريطانيا من أكثر الدول الأوربية تبادلًا اقتصاديًا مع إيران.

ويأتى ذلك بعد أن  أعلن الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والولايات المتحدة رفع العقوبات عن إيران مما يفتح الباب أمام تعاون أوثق في قطاع الطاقة بين الاتحاد الأوروبي وإيران.

وتحرص المفوضية الأوروبية علي الحصول على إمدادات من إيران كبديل للواردات من روسيا التي أدى دورها كمورد لثلث إمدادات النفط والغاز للاتحاد إلى انقسام في صفوفه.

وتراهن إيران فيما يبدو على علاقتها مع دول الاتحاد الأوروبي، ليس فقط للحفاظ على الاتفاق النووي الذي يواجهه عدد من العقبات منذ تولي دونالد ترامب الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن ربما الأهم ضمان الانفتاح الدولي على إيران وتعظيم المنافع الاقتصادية المتحققة لها من علاقاتها مع الأطراف الخارجية. ذلك أن الاتحاد الأوروبي يسعى من جهته للتقارب مع إيران منذ إبرام الاتفاق النووي الذي أفضى إلى رفع العقوبات المالية والتجارية عنها، وحيث يقوم مسؤولون كبار في الاتحاد بزيارات إلى طهران منذ ذلك الحين، ترافقهم عادة وفود تجارية أوروبية كبيرة.

وتجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من التمايز بين السياسات الأوربية وسياسة الولايات المتحدة الأمريكية القائمة على الحصار والمقاطعة الاقتصادية لإيران، إلا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبرغم جهوده المستمرة من أجل عزل إيران وإصراره على رفضه الإقرار بالتزام طهران بالاتفاق النووي، إلا أنه لا يعارض استمرار التبادل التجاري بين الدول الأوربية مع إيران.

وأخيرًا: يمكن القول بأن إيران الآن تجد من القطيعة الأمريكية فى ظل تصعيد الأخيرة فرصة لتعميق علاقاتها الأوربية وزيادة مستوى التوافق والثقة خاصة فى ظل التصريحات الإيرانية التى تتسم بالعقلانية وعدم الاندفاع، لقد أوجدت أوربا لإيران مناخ داعم لها فى مواجهة الضغوط الأمريكية الأخيرة، كما أن أوربا أكدت التزاماتها تجاه الاتفاق النووي الإيراني فى محاولة منها لتخفيف حدة التوتر بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية. إن الإدارة الأمريكية دفعت بسياستها إلى ابتعاد أكثر حلفاؤها قربًا عنها مما اختلف كثيرًا عن ما كان التوافق فى الإرادات من قبل فى الكثير من الملفات وهذا ما سينعكس بشكل كبير على العلاقات الأمريكية الأوربية فيما بعد.

الهوامش

1-       إدارة ترامب تفرض عقوبات جديدة على إيران بسبب تجربتها صاروخا باليستيا، شبكة بى بى سى عربى، بتاريخ 3 فبراير 2017م، على الرابط:

 http://www.bbc.com/arabic/middleeast-38857050

2-     أحمد دياب، الاقتصاد محركاً:أبعاد الانفتاح الأوروبي الجديد على إيران، بتاريخ 7/8/2015م، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، على الرابط:

https://futureuae.com/ar/Mainpage/Item/413/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D9%85%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A7%D9%8B-%D8%A3%D8%A8%D8%B9%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D9%81%D8%AA%D8%A7%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86

3- الاتحاد الأوروبي يدافع عن الاتفاق النووي الإيراني رغم موقف ترامب، القدس العربى، بتاريخ 16/10/2017م، على الرابط: http://www.alquds.co.uk/?p=809599

4- أول رد من إيران على العقوبات الأميركية الجديدة، موقع المواطن الدولى، بتاريخ 19/7/2017م، على الرابط:

https://www.almowaten.net/2017/07/%D8%A3%D9%88%D9%84-%D8%B1%D8%AF-%D9%85%D9%86-%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A9/

5- ترامب لا يعارض التبادل التجاري بين فرنسا وألمانيا وإيران، موقع DW، على الرابط:

http://www.dw.com/ar/%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%A8-%D9%84%D8%A7-%D9%8A%D8%B9%D8%A7%D8%B1%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%B1%D9%8A-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7-%D9%88%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86/a-41070049


شارك