اتجاهات النخبة نحو إدارة المواقع الإخبارية لآليات حروب الجيل الرابع في مصر (1-2)

الأحد 10/ديسمبر/2017 - 01:22 م
طباعة اتجاهات النخبة نحو
 
عرض: أ.د. شريف درويش اللبان

أكد عديدٌ من الباحثين أهمية دور وسائل الإعلام في إدارة عديدٍ من الصراعات، من خلال تقديم تصورات بشأن الأطراف المشاركة فيها، وإضفاء الشرعية على بعضها، وتجريد البعض الآخر من الشرعية، وإبراز قضايا هامشية، وتجاهل قضايا أخرى أكثر أهمية، بل اتجه بعض الباحثين للتأكيد على أهمية وسائل الإعلام في تطور الصراعات وعلى أنها ليست مراقبًا محايدًا في تغطية الأزمات والصراعات، ولكنها تمثل أحد الفاعلين الأساسيين في تطور هذه الصراعات سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

وتُعد المواقع الإخبارية بشكل عام من أهم وأفضل الوسائل الإعلامية
في تغطية الأحداث والصراعات نظرًا لما تتمتع به من إمكانات تكنولوجية هائلة في جمع الأخبار وتقديمها بشكل يتسم بالفورية والسبق مقارنة بالوسائل الأخرى. وفي مصر برز دور المواقع الإخبارية
في إدارة الصراعات والأزمات التي مرت بها مصر مؤخرًا حيث كانت في مقدمة المصادر التي لعبت دورًا مهمًا في نقل أخبار هذه الأحداث وبثها وتداولها، حيث أفردت لها مساحات واسعة  عبر مواقعها، وساهمت في تزويد الجمهور وصانعي القرار بالمعلومات حول هذه الأحداث والأزمات المتلاحقة، بل وساهمت في تشكيل اتجاهاتهم نحو هذه الأحداث.

ومع اندلاع ثورة 25 يناير وما أعقبها من أحداث شهدت مصر حوادث عديدة استهدفت زعزعة استقرارها وأمنها القومي فيما سمي بآليات حروب الجيل الرابع، وكان أهم هذه الآليات: الأحداث الإرهابية وضرب البنية التحتية واستغلال بعض منظمات المجتمع المدني وبعض النشطاء السياسيين، وتجنيد بعض الإعلاميين لتنفيذ أجندات خارجية خاصة، بل استُغلت بعض المواقع الإخبارية في نشر أخبار دون التأكد من صحتها ويمكن أن تكون مغلوطة للمساس بالأمن القومي المصري اعتقادًا منها أن هذا يعد سبقًا صحفيًا، وهو ما جعل هذه المواقع تشكل ظاهرةً إعلاميةً جديرةً بالملاحظة والدراسة.

وإزاء ما سبق، فإن الأمر يستلزم إعادة النظر وتقييم دور المواقع الإخبارية في معالجتها وإدارتها للأحداث المختلفة في المجتمع، خاصةً الأحداث المتعلقة بالصراعات والأزمات ومعرفة ردود الأفعال نحوها، وأن النخبة بوصفها الفئة الأكثر قدرة بين الجماهير على تقييم الرؤى والإفرازات الفكرية والأيديولوجية التي تطرحها وسائط الخبرات المختلفة وبخاصة وسائل الإعلام بأسلوب منطقي ومجرد نظرًا لقدرتها على الربط الفكري بين المتغيرات التي تحكم تطور الأحداث والقضايا المختلفة، لذا توجد ثمة أهمية لدراسة اتجاهات النخبة نحو إدارة المواقع الإخبارية للصراعات والأزمات التي تمس الأمن القومي مصر.

في هذا السياق، قامت د. ندية عبد النبي القاضي الأستاذ المساعد بقسم الإعلام بكلية الآداب جامعة المنوفية بإعداد دراسة مهمة عنوانها: "اتجاهات النخبة نحو إدارة المواقع الإخبارية لآليات حروب الجيل الرابع في مصر"، واعتمدت هذه الدراسة على قياس اتجاهات النخبة المصرية نحو إدارة المواقع الإخبارية لآليات حروب الجيل الرابع في مصر.

أولاً- مفهوم حروب الجيل الرابع

في ظل الصراعات السياسية التي يشهدها الواقع العربي بوجه عام، وانعكاس ذلك على الداخل المصري، ظهر مصطلح "حروب الجيل الرابع"  Fourth Generation of War، للإشارة إلى محاولات الدول الغربية - وخاصةً الولايات المتحدة الأمريكية - التلاعب بدول الشرق الأوسط، وتحقيق مخططها لتغير خارطته إلى« شرق أوسط جديد»، باستخدام طرق جديدة لا تشمل الاحتلال الفعلي للأراضي والمواجهات المباشرة مع الجيوش النظامية، وإنما تعتمد في الأساس على حروب المعلومات ونشر الشائعات، إضافةً إلى استخدام الجماعات المأجورة مثل "داعش"، و"أنصار بيت المقدس" لتنفيذ عمليات نوعية على الأرض، وبدأ الإعلام المصري تداول هذا المصطلح خلال الأعوام الأخيرة للدلالة على وجود مؤامرة من نوع ما لإفشال الدولة المصرية. 

وقد جاء الاستخدام الأول لمصطلح "حروب الجيل الرابع" بين مفكري التخطيط والاستراتيجية بالولايات المتحدة في أواخر الثمانينيات كسبيل لتثقيف الديناميات والاتجاهات المستقبلية للحرب، وقد جاء مفهوم "حروب الجيل الرابع" في إطار الجدل الذي شهدته هذه الأوساط المعنية بالاستراتيجية والتخطيط بشأن محاولة للتفكير غير التقليدي، ومن هنا جاء تعريف "حروب الجيل الرابع" بأنها " ذلك الصراع الذي يتميز بعدم المركزية بين أسس أو عناصر الدول المتحاربة من قبل دول أخرى".

ويرى ماكس مايوراينج بأن حروب الجيل الرابع أو الحرب بالإكراه، إنما تعني إفشال الدولة، وزعزعة استقرارها ثم فرض واقع جديد يراعي المصالح الأمريكية بواسطة منظمات المجتمع المدني، وشبكات التواصل الاجتماعي، وتوجيه الإعلام الخاص، وتمويل المواقع الإلكترونية، بالإضافة إلى ذلك وجود آليات أساسية أخرى جديدة لهذه الحرب من أهمها: دعم الإرهاب، خلق قاعدة إرهابية غير وطنية أو متعددة الجنسيات، حرب نفسية متطورة للغاية من خلال الإعلام والتلاعب النفسي، استخدام كل وسائل الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، واستخدام تكتيكات حروب العصابات والتمرد، وذلك من أجل إزالة السلطة القائمة والتأثير عليها، وفي النهاية تؤدي إلى فشل الدولة، والذي يعني هنا تفشي أزمات الدولة القومية، وإنهاك النظام داخليًا وتقويض إرادة الشعب، وبعد فقدان الأخير للثقة في حكومته بل وفي ثقافته، يؤول الأمر بالدولة إلى الفشل لتظهر أزمات الهوية نتيجة للأصول الثقافية والطائفية المختلفة، وأزمة الاختراق نتيجة لضعف النفوذ السياسي للدولة داخليًا، لينهار النظام على نفسه، وقد يصعد نظام جديد، وسواء أكان حليفًا أم غير ذلك، فإن التحكم فيه سوف يكون كليًا وبكُلفة بسيطة.

ثانيًا- آليات حروب الجيل الرابع في مصر

لم تكن مصر استثناءً من موجة حروب الجيل الرابع التي عمت منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، خاصةً وأن الظروف في مصر بعد ثورة يناير وما تبعها من تدهور اقتصادي جعل البيئة مواتية لنمو هذه النوعية من الحروب، وهو ما يتواكب مع الاتجاه العالمي لصياغة نظام عالمي يتوافق مع المنظومة الغربية، وبالنظر إلى ما شهدته مصر عبر السنوات الأخيرة يتبين لنا ملامح هذه الحروب فيما يلي:

1- الإرهاب: يُعد أمن واستقرار المجتمع بأسره هدفًا أصيلاً للإرهاب
في مصر، ويتجلى ذلك في صور عدة منها: الاعتداء على المنشآت العامة والخاصة، والتركيز على إحداث الفتنة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين في مصر، ويتبين ذلك من العمليات الإرهابية التي استهدفت بعض الكنائس المصرية والتي كان أشهرها ضرب الكنيسة البطرسية بالعباسية في الحادي عشر من ديسمبر2016، وكذلك الإرهاب الموجود في سيناء، الذي يستهدف قوات الجيش والشرطة، واستهداف متزايد لرجال القضاء، بل استهداف متزايد لقوات الأمن سواء كانت قوات شرطية أو قوات الجيش في كل أنحاء مصر، وارتفاع معدلات العمليات الإرهابية الموجهة ضد الشركات الاقتصادية كشركات الاتصالات والمطاعم الكبرى.

 2- ضرب البنية التحتية: تعرضت مصر في السنوات الأخيرة إلى استهداف بنيتها التحتية وهو ما يمكن تبينه من خلال استهداف خطوط الغاز المصرية، وضرب محطات الكهرباء والمياه، وتعرض بعض المباني والمصانع في وسط القاهرة وخارجها لعدة حرائق ممنهجة، وعدها البعض أنها تأتى ضمن أهداف حروب الجيل الرابع.  

3-  الشائعات: إن بث الشائعات الكاذبة عن الأحداث ونشر الأخبار الخاطئة ضد رجال الدولة، وضد أي مشروعات تنموية وخطط توسعية تقوم بها الدولة لافتعال أزمات تثير الرأي العام وتُشعره بعدم الآمان، وجره إلى مواجهات مع صانع القرار السياسي في الدولة بهدف ألا يلتف الشعب حول فكرة الدفاع عن الأمن القومي، والتصدي لأي غزو فكري لإفشال الدولة والقضاء على أي خطط تنموية وتدميرها تماما من أهم آليات حروب الجيل الرابع. ومن أهم الشائعات التي تعرضت لها مصر الترويج لشائعات يمكن أن تدمر الاقتصاد وتحد من تنافسية المنتج المصري والتي تتعلق بنقص العملة الصعبة وارتفاعات متوقعة لها، بالإضافة الى نشر شائعات عن الصادرات الزراعية المصرية، واستغلال ارتفاع أسعار بعض السلع الغذائية والترويج لبعض الشائعات المتعلقة بأمن مصر الغذائي والمائي.

4- الحرب النفسية: وذلك من خلال بعض وسائل الإعلام والتلاعب، كاستخدام بعض القنوات التليفزيونية التي تبث الأكاذيب وتنشر المعلومات المغلوطة، وتزوير الصور والحقائق، والتي تبث الشائعات التي تنتشر مثل النار في الهشيم، وتستغل فقر وجهل نسبة كبيرة من الشعب للتشكيك في كل شيء داخل الدولة.

 5- تعرض مصر لضغوط عدة: من أهمها الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية من الحكومة الأمريكية، وبعض الدول الغربية، والتلويح بقطع المساعدات لتشكيل حالة من الإرباك وعدم الاستقرار.

6- استغلال بعض منظمات المجتمع المدني وبعض الناشطين ودعاة الحرية والديمقراطية، والتي تزعم أنها تعمل لصالح المواطن والوطن لزعزعة الدولة من الداخل لتنفيذ أجندات خارجية .

ثالثًا- دور الإعلام في حروب الجيل الرابع

 في حروب الجيل الرابع فإن الإعلام يُستخدم لتقويض إرادة الخصم، وربما يكون مستهدفًا لدى صانعي القرار أو الجماهير لدى الدولة الخصم، حيث أن الهدف هو استهداف عقل الخصم، فتصبح المعلومات مهمة بشكل طبيعي، فالإعلام ليس بعيدًا عن دائرة حروب الجيل الرابع، بل تعتبر  وسائل الإعلام أحد أدواته، بل إنها تمثل الأداة الأكثر تأثيرًا في هذه الحروب، خاصةً وسائل الإعلام التي تعتمد على شبكة الإنترنت، كمواقع التواصل الاجتماعي، التي تُستغل في  الحصول على المعلومات بسرعة ودقة ومرونة، والعودة للاستخبار البشري، حيث ازدادت القيمة الإستراتيجية للعامل البشري في جمع المعلومات داخل المجتمعات المستهدفة.

كما تستغل الدول الفاعلة في حروب الجيل الرابع الإعلام في التأثير على مواطني الدولة المستهدَفة وكسب تعاطفهم بهدف توجيه الصورة الذهنية لدى هذه الشعوب فيما يخدم أجندتها في مقابل التنفير من الحرب والنظام الحاكم، الأمر الذي من شأنه زعزعة أركان الدولة، ويجعل من الإعلام أداةً أكثر فتكًا
من الجيوش العسكرية، حيث تعمل هذه الدول على تجنيد أكبر عدد  ممكن
من إعلاميي وصحفيي الدولة المستهدَفة، وممن يمتلكون القدرة على التأثير
في الجمهور وصناع القرار، من خلال الأخبار وبث الشائعات والفتن وتضخيم أحداث بعينها في مقابل تجاهل أخبار أخرى، وقد ازدادت الأهمية التي تلعبها شبكات التواصل الاجتماعي في هذا الصدد، لتميزها بسهولة الاستخدام وسرعة الانتشار ومساهمتها في نشر الأفكار عالميًا، وتوفير مادة معلوماتية - كتابةً أو صوتًا أو صورةً أو فيديو- والتي قد تكون مغلوطة ومفبركة لتوجيه الأذهان نحو قضية ما وكسب التعاطف لصالح طرف بعينه، أو بهدف إثارة الرأي العام وجره إلى مواجهات مع صانع القرار السياسي في الدولة المستهدفة لإفشال هذه الدولة والقضاء على أي خطط تنموية وتدميرها تمامًا.

وعلى الجانب الآخر من الجهات الخاضعة للدولة، نجد التنظيمات الإرهابية العالمية تعتمد على وسائل الإعلام في الترويج لأفكارها، وكذلك استخدام تلك الوسائل في شن حربٍ نفسية على سكان المناطق المستهدفة من خلال استخدام مواقع الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي مثل الفيس بوك وغيرها، وأن امتلاك الحركات الإرهابية للوسائل التكنولوجية الحديثة وبخاصة مجال الإعلام يُضفي على أنشطتها الإرهابية مزيدًا من التأثير، وخاصةً فيما يتعلق بالحالة النفسية الناتجة عن نقل صورة الأعمال الإرهابية إلى العالم في إطار حربٍ نفسية تجعل البيئة المستهدفة أكثر تقبلاً من التفاعل مع الأهداف الأساسية للجيل الرابع من الحروب. ولعلنا نجد لذلك تفسيرًا في قيام الجماعات الإرهابية بنقل صورة حية لقيامها بأنشطتها الإرهابية مثل قتل أو ذبح الأسرى، أو عمليات التفجير على أن يكون الهدف الأساس من ذلك هو التأثير على الحالة النفسية لمواطني الدولة المستهدفة من أعمال الجيل الرابع من الحروب.

وقد كان للعولمة تأثيرًا بالغًا في قدرة الجماعات الإرهابية في العمل على نطاق عالمي، حيث تستخدم تلك الجماعات وسائل غير تقليدية في مواجهة الأمن والسلم العالميين، وخاصةً المصالح الأمريكية، وقد استفادت تلك الجماعات من توظيف الأدوات التي تمخضت عنها العولمة ولاسيما في مجال تكنولوجيا المعلومات، فقد وفرت شبكة الإنترنت مصدرًا مهمًا لتسهيل التواصل فيما بينها، كما مكنتها التكنولوجيا من العمل بشكل أكثر تحررًا في البيئة العالمية المفتوحة، الأمر الذي فرض على دوائر التفكير الاستراتيجي ضرورة تطوير هياكل حديثة للأمن القومي قادرة على التعامل مع تلك التهديدات غير التقليدية في نطاقها.

رابعًا- الإطار النظري للدراسة:

1- مدخل  إدارة  الصراع Conflict Management Approach:

حظي مدخل إدارة الصراع باهتمام متزايد من قبل الباحثين بوصفه إطارًا تفسيريـًا ملائمًـا للصراعات بمختلف أنواعها، وقد اشتملت تطبيقات هذا المدخل على عدة مستويات تشمل: دراسة المتغيرات التي تؤثر في الأداء الإعلامي بشأن الصراعات المختلفة ، بالإضافة إلى دراسة سمات المضمون الإعلامي وأساليب تناول وسائل الإعلام لقضايا الصراع ، وتقييم مخرجات الوسائل الإعلامية.

 ويركز مدخل إدارة الصراع على عنصرين الأول: تأثير المعالجات الإخبارية للأزمات والحروب على الجمهور، الثاني: تأثير المعالجات الإخبارية للأزمات والصراعات بوسائل الإعلام على النظام السياسي في الدول المتعلقة بتلك الأزمات والصراعات.

 وتعتمد القنوات الإخبارية في إدارتها للأزمات والصراعات على عدة آليات من أهمها:

-        التركيز على أُطر إخبارية بعينها حول الأزمة أو الصراع، ويتم تحديد هذه الأُطر أثناء معالجة الأزمات وتطور الصراع.

-        تناول معلومات بعينها تتعلق بالحدث أو الأزمة، بينما يتم تجاهل بعض الجوانب الأخرى.

-        تقديم الحلول التي تتوافق مع توجهات وسائل الإعلام وفقاً لرؤيتها للصراع أو الأزمة.

-        تناول العناصر المرتبطة بالأزمة، ومحاولة وضع حلول مبدئية بشأنها، ثم تقديم رؤية مستقبلية للنتائج المترتبة على الأزمة أو الصراع على المدى البعيد.

 ويستند مدخل إدارة الصراع على التحليل الثقافي Cultural Analysis لبنية الصراعات والأزمات المختلفة، ويندرج ضمن هذا الإطار وسائل الإعلام عامة، ومن بينها المواقع الإخبارية، وينطوي التحليل الثقافي للصراع على عدة مراحل تتسم بالاتساع والتجريد وذلك على النحو التالي:

- تحديد أطراف الصراع ودوافع كل منها.

- انتـقاء القضايا الشائكة والعناصر الخلافية التي يتأزم الصراع بشأنها.

- رصد الأهداف التي يسعى لتحقيقها الأطراف المشاركة في الصراع.

- رصد وتحليل الوسائل والآليات التي يوظفها أطراف الصراع لتحقيق أهدافهم.

- تحديد توجهات وسائل الإعلام نحو الصراع وأساليب تناولها.

- تحديد المتغيرات الداخلية والخارجية المؤثرة في تطور الصراع.

وقد قدم كل من "وين وانتا" Wayne Wanta، و"يووي هو" Yu-wei Hu؛ تصنيفًا لأنماط تناول الأزمات والصراعات إخباريًا في وسائل الإعلام عامة، ويطرح هذا التصنيف  القضايا التي تتناولها تلك الأُطر علي النحو التالي:

- الأُطر التي تشتمل علي قدرٍ كبير من الصراع؛ وتشتمل علي أحداث الإرهاب الدولية، وأخبار الجريمة والمخدرات، والاغتيالات، وأعمال العنف.

- الأُطر التي تحوي قدراً أقل من الصراع، وتشتمل علي قضايا الحد من التسلح النووي، والفساد الحكومي، وحقوق الإنسان.

- الأُطر التي تتناول أحداثًا تنطوي علي قدرٍ محدود من الصراع، وتشتمل علي أخبار الاهتمامات الإنسانية، والتجارة الدولية، وأخبار البيئة.

 كما طرح "جون جالتونج" Johan Galtang عدة آليات ينبغي على وسائل الإعلام توظيفها حيال إدارتها للأزمات والصراعات على النحو التالي:

- طرح القصة الإخبارية حول الأزمة أو القضية بتفاصيلها كافة.

- تنوع المصادر لتغطية الصراع أو الأزمة.

- تجنب استخدام الصور المثيرة للصراعات أو الحروب.

- طرح الحقائق بعد تحري الدقة والصدق في جمع المعلومات.

ويُعد هذا المدخل ملائمًا لهذه الدراسة حيث تنتمي هذه الدراسة إلى المستوى الثالث من دراسات إدارة الصراع حيث تهتم برصد وتقييم مخرجات العملية الإعلامية Media Outputs بوصفها تعبر عن السمات الثقافية والسياسية والأيديولوجية التي تعمل وسائل الإعلام في إطارها.

2- مدخل  التهديدات المجتمعية Moral Panics:

برز هذا المدخل علي يد عالم الاجتماع البريطاني "جوك يونج" Jock Young عام 1961، بينما يرجع الفضل في تطويره بشكل أعمق إلي العالم "ستانلي كوهين" Cohen عام 1972، ويري المدخل أن المجتمعات عُرضة لبروز التهديدات المجتمعية، التي هي عبارة عن حالة أو شخص أو جماعة من الأشخاص يبرزون باعتبارهم خطرًا يهدد مصالح المجتمع وقيمه، وغالبًا ما تقدم تلك التهديدات بشكل نمطي متكرر خلال وسائل الإعلام، حيث تصبح مادة ثرية للنقاش والتعليق والتحليل من قبل القائمين علي وسائل الإعلام المختلفة.

ويمكن توضيح خصائص التهديدات المجتمعية في ضوء بعض الاعتبارات التي توصل إليها عددٌ من الباحثين والمنظرين كما يلي:

- يرتكز مدخل التهديدات المجتمعية علي عنصر القلق والاهتمام بشأن سلوك فئة من فئات المجتمع أو فترة من الفترات داخل المجتمع تتضمن حدوث ظاهرة أو حدث يؤدي إلي اضطراب الأفراد وزعزعة إحساسهم بالأمان داخل مجتمعاتهم .

- يهتم المدخل بكم العداوة والغضب الذي يكتنف مشاعر الأفراد تجاه مصدر الخطر أو التهديد الذي يواجههم.

- يتسم هذا المدخل بخاصية التلاشي والتي تعني أن هذه المخاطر النوعية التي تهدد حياة الأفراد قد تظهر فجأة وتستمر لفترة قصيرة ثم تتلاشي، ومن ثم يتلاشي الاهتمام الزائد بهذه الأحداث من قبل وسائل الإعلام.

- وهناك خاصية الاختلال وتشير لسوء تمثيل واختلال نسب تقديم الحدث أو الصراع الذي يهدد الأفراد من خلال وسائل الإعلام حيث يصبح الحدث أو الصراع جرس إنذار بالخطر بدلاً من كونه أزمة حقيقية وقائمة بالفعل.

ويشير مدخل التهديدات المجتمعية إلي وجود بعض العوامل التي تؤثر في بروز التهديدات المجتمعية يمكن توضحيها كالتالي:

- التصوير المقنع لوجود خطر جديد يهدد حياة أفراد المجتمع وظروف معيشتهم المعتادة، على أن يقدم في صورة أحداث وملابسات ذات صلة عالية وثيقة ببعضها البعض تؤدي في النهاية إلى تكوين أزمة متكاملة الأبعاد إلى الرأي العام . 

- حالة من الغموض والجهل النسبي لدي القائمين علي وسائل الإعلام بشأن مدي خطورة المشكلة المعروضة وأفضل الحلول وأنسبها.

- درجة مرتفعة من التحالف بين اثنين على الأقل من العوامل الخمس المنخرطة في تقديم وتصوير التهديد المجتمعي (السياسيون والحكومة، وجماعات الضغط والمصالح، مدعو أو مثيرو الأزمات، الشرطة والقضاء، والصحافة ووسائل الإعلام المختلفة، وأخيرًا الرأي العام والجمهور) .

- بروز اهتمام وتركيز تلك الفئة من مدعي الأزمات الذين اعتمدوا من قبل وسائل الإعلام باعتبارهم متخصصين في القضية المثارة .

- حالة من الإجماع بين صفوة المجتمع حول خطورة المشكلة والحلول الملائمة لها .

- وأخيرا توافر مجموعة من الحلول والعروض ربما الجاهزة والتي تقدم للرأي العام من خلال وسائل الإعلام باعتبارها الأنسب والأكثر كفاءة وتأثيراً.

 وتتبني وسائل الإعلام مهمة إبراز الأحداث وفقاً لمجموعة عناصر هي كالتالي:

- مرحلة تحديد قضية ما لتصبح مثار الاهتمام والقلق .

- مرحلة تحديد  أقلية أو جماعة ما كمصدر للتهديد أو الخطر.

- مرحلة التقارب أو الربط من خلال إعطاء علامة مميزة لأزمة وربطها بغيرها من الأزمات والقضايا ذات الصلة .

- مرحلة إلقاء اللوم وتبعات الأزمة على جماعة ما بشكل يجعلها كخطر مجتمعي واضح .

- مرحلة التنبؤ بأوقات أخري عصيبة سوف يمر بها المجتمع، إذا لم تتخذ إجراءات صارمة ضد الخطر الحالي .

- وأخيراً تأتى مرحلة المطالبة بوقفة جادة وصارمة .

ويعتبر هذا المدخل مناسبًا لهذه الدراسة في ظل أهمية موضوعها وهو حروب الجيل الرابع، باعتبار أن لها آليات تطرح نفسها علي التغطية اليومية الإخبارية بوسائل الإعلام بشكل يومي ،خاصة المواقع الإخبارية ، كما أن لها بعد مجتمعي يؤثر علي أمن واستقرار المجتمع النابع من إحساس الجمهور بالخطر والتهديد والقلق المستقبلي نتيجة متابعته لتلك التغطيات بصفة يومية، ونتيجة لوجود بعض الأحداث التي تؤدي لظهور التهديدات المجتمعية علي غرار الأحداث الإرهابية و بث الشائعات من حين لآخر، ووجود حالة من الإجماع حول خطورة هذه الأحداث وضرورة التصدي لها من قبل وسائل الإعلام. 

شارك