الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في سوريا: انسحاب أم مزيد من الحضور؟

الأربعاء 11/أبريل/2018 - 03:41 م
طباعة الاستراتيجية الأمريكية
 
مصطفى صلاح

أثارت التصريحات التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 29 مارس 2018م، العديد من التساؤلات حول مستقبل الوجود الأمريكية في سوريا وما يترتب عليه حال غياب هذا الدور، في ظل وجود العديد من الفرضيات المتعلقة بأن انسحاب القوات الأمريكية من سوريا سيفسح مجالا واسعا لتركيا وروسيا وإيران لإعلان انتصارها على الولايات المتحدة.

وبالرغم من تصريحات ترامب اعتزامه انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، إلا أنه تبع ذلك تصعيد جديد من جانبه تجاه النظام الشورى وحلفاءه، ففي 8 إبريل 2018م هاجم الرئيس الأمريكي ترامب بشدة روسيا وإيران وسوريا في أعقاب ما يشتبه بأنه هجوم كيميائي في مدينة دوما بالغوطة الشرقية، وهدد ترامب بـأن سوريا ستدفع ثمن باهظ للهجوم بالأسلحة الكيمائية على المدنيين في سوريا مع تصاعد احتمالية توجيه ضربة عسكرية لمواقع النظام السوري.

الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة الأمريكية أقدمت في شهر مارس 2017م على نشر قوات وآليات عسكرية لها في مدينة منبج السورية شمال شرق حلب، الخاضعة لسيطرة مجلس منبج العسكري، التابع لقوات سوريا الديمقراطية الحليف الأبرز لواشنطن في سوريا.

إن الوجود الأمريكي في سوريا يتشابك مع الكثير من الملفات هناك خاصة فيما يتعلق بمواجهة تنظيم داعش وكذلك دعم حلفاءها من الأكراد والمعارضة المسلحة. ومن قبل ركزت الاستراتيجية الأمريكية جهودها في سوريا نهاية أكتوبر 2015م، على تقديم الدعم اللوجستي للقوات الحليفة سواء الكردية أو قوات المعارضة المسلحة بإمدادات عسكرية أو معلومات استخباراتية وقصف مدفعي أو اسناد جوي من طائرات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة؛ وهي ذات الاستراتيجية التي اتبعتها القوات الأمريكية في معارك استعادة المدن في العراق.

أمريكا والحضور في سوريا

كان للحضور الأمريكي في سوريا العديد من المهام والأهداف، سواء على المستوى الأمريكي أو على مستوى التحالف الدولي والقوات الحليفة لها من داخل سوريا كالقوات الكردية أو فصائل المعارضة المعتدلة المسلحة، وتقديم كافة سبل الدعم والإمداد، ويمكن إجمال أهداف الولايات المتحدة داخل سوريا كما يلى:

1) مشاركة التحالف الدولي في القيام بالعمليات القتالية ضد المجموعات الإرهابية، إضافة إلى تقديم الدعم العسكري والإمداد والتموين، كما تمتلك الولايات المتحدة العديد من القواعد العسكرية في سوريا منها (قاعدة المبروكة، مطار روباريا، تل بيدر، تل أبيض، الجلبية)، وتضطلع القواعد الأمريكية بالعديد من المهام أبرزها قطع الطريق عن إيران من إنشاء خط تواصل بين العراق وسوريا وخاصة المجموعات الشيعية.

2) التوازن العسكري مع العديد من القوى المنخرطة في الصراع داخل سوريا، خاصة التواجد الروسي، والعمل على موازنة هذا الدور، خاصة في ظل امتلاك روسيا العديد من القواعد العسكرية في ميناء طرطوس وقاعدة حميميم عوضًا عن القاعدة الجوية الدائمة  في اللاذقية.

3) دعم القوات الكردية في مواجهة التنظيمات الإرهابية المسلحة، وإيجاد حلفاء جدد على الأرض، ومواجهة النظام السوري من خلال دعم فصائل مناوئة له وتقديم كافة الدعم اللوجيستي والعسكري، عوضا عن الإشراف والتوجيه للقوات الموالية لها، وخاصة قوات سورية الديموقراطية، في معركتها مع تنظيم داعش.

إن التواجد العسكري والحضور الأمريكي في سوريا يخدم الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة بشكل عام خاصة في ظل توتر العلاقات التركية الأمريكية في ظل الدعم الأمريكي للقوات الكردية المصنفة في داخل تركيا على أنها إرهابية، خاصة وأن الولايات المتحدة تحاول أن تخلق بديلًا احتياطيًا عن قاعدة أنجرليك التركية التي تستخدم كمنصة انطلاق العمليات ضد التنظيمات الإرهابية.

انسحاب أم إعادة تقييم للدور

وفق تصريحات البيت الأبيض على لسان المتحدثة باسم البيت الأبيض "سارة ساندرز" ، أن إعلان الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، جاء على خلفية خسارة داعش لما يقارب 98% من الأراضي التي كانت تسيطر عليها في سوريا، يذكر أن هذا الإعلان جاء من دون أن يشير إلى أي جدول زمني محتمل لانسحاب القوات الأمريكية، إلا أنه يقيّم الوضع من منظار الفوز بالمعركة والتأكيد على الانتصار، أي إعلان نهاية المهمة في سورية؛ المهمة التي كان يقرر مدة استمرارها ما هو أهم من قتال داعش.

وتابع ترامب في كلمةٍ له في أوهايو "انفقنا 7 تريليونات دولار في الشرق الأوسط ولم نجنِ شيئاً، مضيفاً إن بلدنا الآن يبدو في كثير من الحالات كأنه بلد من العالم الثالث، وإنه لأمر محرج، وأن انسحاب القوات الأمريكية يوفر الكثير علينا وعلى الحلفاء من خوض معارك طاحنة تستجذب المزيد من الأطراف الدولية لتلك المعارك، مما يلقى بدوره على عملية توفير التكاليف المادية والبشرية.

وعلى خلفية هذا الإعلان أصدر الرئيس الأمريكي ترامب أمر لوزارة الخارجية بتجميد أكثر من 200 مليون دولار من الأموال المخصصة لجهود التعافي في سوريا مع قيام إدارته بإعادة تقييم دور واشنطن في الحرب الدائرة هناك منذ فترة طويلة، بعد أن تعهد "ريكس تيلرسون"  وزير الخارجية الذى سيغادر منصبه في مايو 2018م، بمؤتمر بالكويت للتحالف ضد داعش في فبراير من نفس العام، وذلك لتحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار في المناطق التي تم استعادتها من تنظيم داعش.

ولعل هذا القرار المفاجئ جاء على خلفية زيارة ولى العهد السعودي محمد بن سلمان وما تبعه من توقيع صفقات متعلقة بالتسليح، ووفق إعلان ترامب فإنه طالب السعودية بتحمل تكاليف الوجود الأمريكي في سوريا في حال أرادت ذلك، وهو ما يفسر على أنه نوع من الابتزاز وحتى المساومة على من يدفع أكثر، وإذا ما وجد أن هناك من يمول فلن يتردد في مسح تصريحاته ومواقفه، في إشارة منه إلى التركيز على نقل المسؤوليات إلى القوات المحلية لضمان عدم عودة ظهور تنظيم داعش مجددا، في حين أعلن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عن تمنيه من الرئيس الأمريكي إعادة النظر بقرار الانسحاب القريب من سوريا.

وعلى العكس من ذلك يمكن أن يكون للولايات المتحدة دورا جديدا في سوريا، يتمثل في إعادة تقييم هذا الدور في ظل التصعيد الأمريكي تجاه النظام السوري وحلفاءه، خاصة بعد اتهام المجتمع الدولي النظام السوري بالتورط في هجمات كيميائية في دوما، والتي قد تتسبب في انخراط وحضور أقوى من ذى قبل.

أمريكا تتفرغ للملف النووي الإيراني

إن انسحاب واشنطن من سوريا، لم يمكن فصله عن إعلان واشنطن نيتها الانسحاب من الاتفاق النووي والمفترض أن يستمر حتى العام 2025م، وهو ما يبعث بالقول على نية واشنطن تصعيد الموقف الأمريكي تجاه طهران، أو الإيصال برسائل فحواها أن إلغاء التفاهم النووي قد يصاحبه توجيه ضربة عسكرية أمريكية لإيران، وأن انسحاب القوات الأمريكية من سوريا مؤشر على تأمين القوات الأمريكية خارج توقعات الاستهداف من قبل إيران وحلفاءها في المنطقة، وتعتبر القوات العسكرية الأمريكية في المنطقة هى أكثر نقاط الضعف للمصالح الأمريكية في مواجهة إيران.

على الجانب الآخر، نجد إيران تسعى إلى فرض هيمنتها في الشرق الأوسط ومواجهة حلفاء الولايات المتحدة بما فيهم  إسرائيل. ونظرا لأن سوريا بلد مشحون بالاضطرابات ويشترك في الحدود مع إسرائيل، فهي تتيح فرصة مهمة لإيران التي تحرص على استغلالها، خاصة بعد إعلان نيتها سحب قواتها من هناك.

كما أن القوات الأمريكية الموجودة في سوريا والمقدر عددها بــ 2000 جندي، لم تحصل على الموافقة من النظام السوري الحالي، وهو ما يلقى بظلاله على أن الوجود العسكري الأمريكي يختلف كثيرا عن الوجود العسكري الروسي والإيراني، خاصة وأن الوجود العسكري الأمريكي لا يستند إلى أي قانون دولي.  

روسيا والفرصة الذهبية

جاء إعلان أمين مجلس الأمن القومي الروسي "نيكولاي باتروشيف" في 30 نوفمبر 2017م، اعتزام موسكو سحب قواتها العسكرية من سوريا، إلا أن قرار البيت الأبيض المتعلق بسحب القوات الأمريكية يمثل نقطة فارقة في إعادة التمدد الروسي أكثر شيئا فشيئا.

وعلى الرغم من هذه التصريحات، إلا أنه في المقابل، شهدت مشاركة الروس في العمليات العسكرية ارتفاعا كبيرا، إن النجاحات التي حققتها القوات الجوية الفضائية الروسية في سوريا، أثبتت للعالم كله ما يتميز به الجيش الروسي اليوم من قدرة قتالية عالية وكفاءة ممتازة بالإضافة إلى الإمكانيات التقنية لأسلحته ومعداته العسكرية، هذه الأمور مجتمعة قد تكون من شأنها زيادة الحضور الروسي في سوريا بل وتصعيد دوره ليس فقط في مواجهة الولايات المتحدة بل أيضا فيما يتعلق بمواجهة الحلفاء الأوروبيين.

تأتى هذه الفرصة من إمكانية وجود صفقة من خلالها قد تبتعد روسيا عن إيران لكسب حضور أقوى على الساحة السورية. إلا أن روسيا إن لم تتمكن من استغلال تلك الفرصة، ستتحول روسيا إلى الانخراط في مستنقع استنزاف لروسيا.

مستقبل التواجد الأمريكي في سوريا

على الرغم من إدراك الولايات المتحدة أن تنظيم داعش والمجموعات المسلحة القريبة منه لم يختفوا بشكل نهائي قد يكتب نهاية فصل من فصول تهديداتهم للمصالح الأمريكية، مما قد يدفع إلى موجهة محتملة بين هذه العناصر المتطرفة، حيث يشكل التواجد الأمريكي في سوريا ضمانة ضد مواصلة تنظيم داعش نشاطاته أو إعادة هيكلية التنظيم بما يتناسب مع الظروف الحالية.

إن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ألقت الضوء مجددًا على مستقبل الاستراتيجية الأمريكية في سوريا، كقاعدة للانطلاق في منطقة الشرق الأوسط، بيد أن هذه التصريحات بتأثيراتها على حدود الدور الجديد لها وآليات تحركها، خاصة في ظل انخراطها في العديد من الملفات الشائكة في المنطقة والملف السوري في مقدمة هذه الملفات.

كما أن تطور الموقف حيال الوضع في سوريا، قد يدفع العديد من الدول الأخرى كتركيا إلى جانب روسيا، في زيادة حضورها في مواجهة الأكراد المصنفين كمنظمة إرهابية في تركيا والحليف الأكبر للولايات المتحدة، حيث قامت تركيا بتنفيذ عملية غصن الزيتون في 20 يناير 2018م، التي كانت امتدادا لعملية درع الفرات التي أطلقها الجيش التركي في 24 أغسطس 2016م.

إن انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من سوريا قد يكون بمثابة الفرصة الذهبية للعديد من القوى الإقليمية والدولية الأخرى التي تسعى لتعظيم حضورها هناك، مما يعنى أن هناك تراجعا في الدور الأمريكي لصالح قوى إقليمية ودولية أخرى.

شارك