المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads
نورة تيسير محمد نسيب شماميط
نورة تيسير محمد نسيب شماميط

مفهوم المساواة وموقعها كحق إنساني في الدساتير الداخلية والشرعة الدولية لحقوق الإنسان

الأربعاء 15/أبريل/2026 - 06:44 ص
المركز العربي للبحوث والدراسات

الملخص

تعرف المساواة بأنها التطابق والمماثلة بين الأفراد في الحقوق والواجبات بمقتضى القاعدة القانونية التي تنظم العلاقات الاجتماعية وتحتل المساواة مكاناً مرموقاً ضمن المنظومات الحقوقية للدول المعاصرة لأنها تعدّ شرطاً للحرية كما يعدّ بعض الفقه أن المساواة هي أول الحقوق وأساسها.

إن الحق بالمساواة من الحقوق الأساسية التي يتمتع بها الإنسان و التي يتفرع عنها أشكال مختلفة تحدد المركز القانوني لصاحبها, كما ان الفقه القانوني قدم تقسيم خاص لأنواع المساواة, لذلك سنبين في بحثنا تحديد مفهوم المساواة و أشكالها القانونية و أنواعها  مع توضيح مكانتها دوليا بطريقة تعامل المجتمع الدولي مع هذا الحق و تبيان موقف المعاهدات الدولية و القانون السوري من هذا الحق.

 

الكلمات المفتاحية: الحق بالمساواة,، المساواة أمام  القانون, المساواة أمام القضاء, المساواة في التكاليف العامة.  

 

Le concept d'égalité et sa position en tant que droit de l'homme dans les constitutions internes et la Charte internationale des droits de l'homme

Resumè  

L'égalité est définie comme la congruence et la similitude entre les individus en droits et devoirs conformément à la règle juridique qui régit les relations sociales. L'égalité occupe une place prépondérante dans les systèmes juridiques des pays contemporains car elle est une condition de la liberté, et certaines être les premiers droits et la bas                                                 

Le droit à l'égalité est l'un des droits fondamentaux dont jouit l'être humain, à partir duquel se ramifient différentes formes qui déterminent le statut juridique de son propriétaire, et la jurisprudence juridique a prévu une division spéciale pour les types d'égalité, nous montrerons donc dans notre recherche la définition du concept d'égalité et ses formes et types juridiques tout en clarifiant sa position internationale de manière à ce que la société traite les traités internationaux avec ce droit et pour clarifier la position des traités internationaux et du droit syrien sur ce droit  .

Mots clés : droit à l'égalité, égalité devant la loi, égalité devant la justice, égalité des charges publiques.

 

مقدمة:

المساواة  هي حجر الأساس في حقوق الإنسان بوصفه كائنا اجتماعيا يعيش في جماعة قد تختلف عناصرها العرقية أو الدينية أو اللغوية والسياسية،. ولا شك في أن حق المساواة بصفة عامة يعد أهم المبادئ الإنسانية التي تحرص الأمم والشعوب على التمسك به، ومن الأسس الجوهرية التي استند عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ودعمه في مختلف نواحي الحياة، فلا ينبغي أن تقوم في المجتمع البشري أي فوارق نابعة من اختلاف الأصل أو الجنس أو الدين ويعتبر حق المساواة من أهم الحقوق الإنسانية والصقها بالإنسان وأقدمها، وأكثرها أصالة على الإطلاق، فهذا الحق هو أساس كل الحقوق، وهو أساس مرتبط بالوجود الإنساني ارتباطا لا يقبل الانفكاك، فهو ضروري له، تماما كقلبه و روحه فكما أن الإنسان لا يكون إنسانا سويا إلا بقلب وروح، فان الغاية من وجود الإنسان لا تستقيم ولا تتحقق إلا بتمكينه من ممارسة حق بالمساواة، لان الله سبحانه وتعالى قد فطره وجبله على أن يكون حرا، ومتساويا بالكرامة الإنسانية مع أبناء جنسه جميعا، لا فرق في ذلك بين لون ولون، أو عرق وعرق، أو إقليم وإقليم أو مكانة اجتماعية ومكانة أخرى، فالناس متساوون بالكرامة الإنسانية.

تلك حقيقة مطلقة كشفتها الأديان السماوية، ودافع عنها كحقيقة إنسانية وإسلامية خالدة ينقلها من عالم الفكر والنظر إلى واقع التطبيق والحركة، كما أشارت كثير من المواثيق لهذا الحق بما فيها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادرة عن الجمعية العامة لأمم المتحدة .

مشكلة البحث

تعتبر المساواة من الحقوق الأساسية و قد مر تطورها في عدة مراحل تاريخية, كما  حدث جدل فقهي حول تقسيم أنواع المساواة., قد أهتم المجتمع الدولي بهذا الحق حتى أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان انطلق من مبدأ المساواة كأساس قانوني للحقوق المتفرعة عنه لذلك سندرس أهمية حق المساواة, و الأشكال المتفرعة عنها و أهم أنواعها.

  أهمية البحث:

تظهر أهمية  البحث بالإجابة عن التساؤلات التالية:

1- ما هي الطبيعة القانونية لحق بالمساواة؟

2- ما هي أبراز القواعد القانونية الداخلية التي تعرضت لتحديد الحق بالمساواة؟

3- ما هي التقسيمات الأساسية التي قدمت للحق بالمساواة؟

4- كيف تعامل الدستور السوري مع الحق بالمساواة و تقسيماته؟

5-ما هو موقف القانون الدولي و القانون الأوروبي من الحق بالمساواة؟

منهجية البحث:

اعتمد في هذا البحث المنهج الوصفي التحليلي  من خلال بيان التعريف بالمبادئ القانونية الناظمة للحق بالمساواة  من خلال تعريف حق المساواة و ما هي أنواع المنبثقة عنها و كيف تعامل القانون الدولي و الأوروبي مع فكرة المساواة.  لذا سنقوم بتقسيم بحثنا إلى مبحثين, إذ سنتناول في المبحث الأول تعريف بالمساواة و اشكالها, و سنشرح  أنواع المساواة و موقف القانون الدولي و الأوروبي من ذلك في المبحث الثاني. 

المبحث الأول: التعريف بالمساواة و الأشكال المتفرعة عنها

المطلب الأول مفهوم الحق في المساواة

المساواة l egalite تعني التطابق والمماثلة بين الأفراد في الحقوق والواجبات بمقتضى القاعدة القانونية التي تنظم العلاقات الاجتماعية وتحتل المساواة مكاناً مرموقاً ضمن المنظومات الحقوقية للدول المعاصرة لأنها تعدّ شرطاً للحرية كما يعدّ بعض الفقه أن المساواة هي أول الحقوق وأساس الحقوق.(1)

وقد عبر الفيلسوف الفرنسي روسو عن مبدأ المساواة بقوله إنها تعني عدم وجود شيء يمكن أن يعطي للجميع ولا يعطى لشخص محدد Chacun se donnant a tous ne se donne a personne وفي رأي الفيلسوف نفسه أن المساواة هي التي تدفع بالأشخاص إلى احترام القوانين لأنها صادرة في النهاية عن إرادتهم(2) وقد رأى بعض الفقه أنه توجد علاقة وثيقة بين المساواة والعدالة حيث يطرحون معنيين للمساواة الأول هو المفهوم التبادلي لها وهو الذي يعني المساواة الكاملة بين الأفراد من حيث الأداءات التي يقدمونها والمقابل الذي يحصلون عليه وهو ما يقابل بدوره مفهوم العدالة التبادلية أما المفهوم الأخر للمساواة فهو مفهوم تناسبي و يتماهى مع مفهوم العدالة التوزيعية حيث يعترف هذا المفهوم التناسبي للمساواة باختلاف في المعاملة بين الأفراد في نطاق توزيع الثروة والأعباء بمعنى أن كل فرد وفقاً للمفهوم التناسبي للمساواة يثاب أو تشدد الأعباء الملقاة على عاتقه حسب جدارته في المجتمع.(3)

ويجتمع فقه القانون العام على حسبان المساواة عنصراً أساسياً لبناء دولة القانون وذلك لأنها تعدّ مبدأ سياسياً من شأنه ضمان وحفظ الحقوق ضمن المجتمع.(4)

وتحتل المساواة مكاناً بارزاً في النظم الدستورية المقارنة فقد نصت المادة(33 ف3) من دستور الجمهورية العربية السورية  على مايلي: (....

1-    المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات.

2-    تكفل الدولة مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين)...

وكذلك أقر الدستور المصري بالحق في المساواة بين المواطنين حيث نصت المادة (40) منه على مايلي: (المواطنون لدى القانون سواء وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة لا نميز في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة...).

 أما في فرنسة فقد أقر مبدأ المساواة منذ صدور إعلان حقوق الإنسان والمواطن سنة 1789والذي فرق بين الأساس الفلسفي للمساواة وتحققها القانوني فأقر أنه لا توجد مساواة مطلقة بين الأفراد إنما توجد أشكال محظورة للتمييز بينهم فقد نصت المادة 6 منه على أن القانون لا يصدر عن  الأفراد جميعهم في الدولة إنما أيضاً يجب أن يطبق على الجميع. وكذلك نص الإعلان على أن المساواة تقتضي أيضاً أن تكون الفرص متساوية للجميع وأن الثروة يجب أن توزع بالتساوي ضمن المجتمع(5) مع ملاحظة أن الإعلان لم يضع المساواة في قائمة الحقوق الطبيعية للإنسان وغير القابلة للتقادم (وهي الحرية الملكية الأمن مقاومة الطغيان...م .  منه).

وقد أقرت مقدمة الدستور الفرنسي لعام 1946 مبدأ المساواة في العديد من فقراتها فأقرت الفقرة الثانية حق المرأة في المساواة مع الرجل في المجالات جميعها كما نصت الفقرة 12 منه على تضامن جميع الفرنسيين ومساواتهم أمام الأعباء التي تنتج عن الكوارث الوطنية كما ضمنت الفقرة 13 من المقدمة نفسها للجميع حق التعليم على قدم المساواة وقد كرس دستور 1958الحق في المساواة في متنه حيث نص المادة الثانية منه على أن شعار الجمهورية الفرنسية هو الحرية والمساواة والإخاء.

المطلب الثاني  أشكال المساواة

تأخذ المساواة أشكالاً مختلفة ومتعددة إذ أنها تتنوع وفقاً لمضمونها وغاياتها وسوف ندرس هذه الأشكال وفقاً لما يلي:

أولاً- المساواة أمام القانون:

ويتجلى هذا النمط من المساواة على ثلاثة مستويات:

1ً- المساواة أمام قاعدة القانون :

ويقتضي هذا المفهوم مساواة الجميع أمام القانون وذلك عن طريق التزام يقع على كل من يطبق القاعدة القانونية يفرض عليهم أن لا يرتكبوا تمييزاً بين الخاضعين للقاعدة القانونية لا تنص عليه هذه الأخيرة ودون شك فإن هذا المظهر للمساواة أمام القانون لا يتعلق بمحتوى العمل التشريعي ذاته إنما يتعلق فقط بأساليب  تطبيقه.(6)

وفي الحقيقة إن المساواة أمام قاعدة القانون تكون تاريخياً التعبير الأول عن المساواة بحيث تطرح نظاماً قانونياً يقوم على إبطال  أنماط التمييز جميعها التي تقترف من قبل القائمين على تطبيق القاعدة القانونية وقد ظهرت هذه القاعدة لتقضي على التمايزات  الاجتماعية التي كانت توجد خصوصاً في النظم الإقطاعية القديمة ولتطرح مبدأ قانونياً جوهرياً يقوم على وحدة البنية القانونية التي تطبق على الجميع دون استثناء أي ضرورة تطبيق قانون وحيدdroit unique على الجميع فطالما كان الأفراد يملكون جميعاً الحقوق نفسها ضمن المجتمع السياسي  فإنه من الطبيعي أن يخضعوا لقانون واحد ولمعيار واحد يطبق على الجميع للتمييز.(6)

وبالتالي فإن الوظيفة الأساسية التي يطرحها مفهوم المساواة أمام قاعدة القانون إنما تتمثل في تجميع كل المواطنين في فلك قانوني واحد une sphere juridique unique وبغض النظر عن مراكزهم الواقعية التي يشغلونها.(7)

ويشكل مبدأ المشروعية والذي يقوم على أساس مطابقة القاعدة القانونية الأدنى للقاعدة الأعلى(8), ضماناً مهماً لتحقيق المساواة أمام القانون لأنه من شأنه أن يحول دون ارتكاب تغييرات عن طريق الأعمال القانونية الأدنى (لوائح, قرارات فردية,...) بالمخالفة لمقتضى ومضمون القواعد الناتجة عن الأعمال القانونية الأعلى مثل القوانين.(9)

2- المساواة ضمن قاعدة القانون:

في الواقع إن المساواة أمام قاعدة القانون لا تحول دون وجود حالات من عدم المساواة بين المخاطبين بالقاعدة القانونية إلا ضمن تطبيق القواعد العامة على المراكز الفردية لذلك يطرح مفهوم المساواة ضمن قاعدة القانون ليؤكد المساواة من خلال محتوى القاعدة القانونية ذاته. (10)وفي الحقيقة إن المساواة ضمن قاعدة القانون تقتضي من الجهة المختصة بسن القانون أن لا ترتكب تمييزاً أو محاباة بين المخاطبين بها وبالتالي فإن القانون يجب أن يعامل كل المراكز المتماثلة بطريقة متطابقه.(11)

ويلاحظ أن المساواة أمام القانون تقوم بتحقيق المساواة بشكل مباشر في حين أن المساواة ضمن قاعدة القانون تحقق هذه المساواة بشكل غير مباشر وهذا هو السبب الذي يدفعنا إلى القول إن المساواة أمام القانون على النحو السابق بيانه لا يمكن أن تتحقق إلا إذا تم تأمين المساواة ضمن قاعدة القانون فكيف يمكن تكليف القائمين على تطبيق قاعدة القانون باحترام مبدأ المساواة عند تطبيق القاعدة القانونية إذا كانت هذه الأخيرة في حد ذاته يجب أن يحقق المساواة في مضمونه وإن يطبق بشكل متساوٍ بين المواطنين. (12)

ومن المسلم أن المساواة ضمن قاعدة القانون إنما تتحقق عن طريق عمومية القاعدة القانونية لدرجة أن عمومية القاعدة القانونية ومبدأ المساواة أصبحا يعبران عن المفهوم الأصيل للقانون.

ويكون القانون عاماً بوساطة  أساليب إعداده المتمثلة بشكل أساسي في مساهمة المواطنين جميعهم في النهاية بسنة ولو كان ذلك بوساطة ممثليهم وهذا لا يمنع من أن يتنج القانون في بعض الحالات أفضليات من نمط معين غير أن هذه الامتيازات لا يمكن أن تستند بشكل خاص إلى شخص معين.(13)

3ً- المساواة بوساطة قاعدة القانون:

مفهوم المساواة بوساطة قاعدة القانون لا يختلف بعمق عن المساواة ضمن القانون فهو كما يطرحها المفهوم الأخير يتعلق بمحتوى القاعدة وهو يجد مصدره ضد ضرورات تدخل الدولة عن طريق القانون لحفظ مبدأ المساواة ولكن يختلف المفهومان عن بعضهما في أن مفهوم المساواة بوساطة قاعدة القانون يفترض موقفاً إيجابياً من القائمين على سن قاعدة القانون ففي حين يمتنع على السلطة التشريعية بموجب المساواة ضمن قاعدة القانون أن تضمن القاعدة القانونية أي نمط من أنماط التمييز أو المحاباة ضمن القاعدة القانونية وأن لا يعامل أصحاب المراكز المتساوية معاملة مختلفة فإن المساواة بوساطة قاعدة القانون تفرض على السلطة القائمة على سن القاعدة القانونية أن تعامل بشكل مختلف المراكز المختلفة وبالتالي يمكن القول أن مفهوم المساواة ضمن قاعدة القانون يعني طرح مبدأ المساواة ضمن محتوى القاعدة القانونية بغض النظر عن تنوع المراكز الواقعية للأفراد أما مفهوم المساواة بواسطة القانون فإنه يطرح مبدأ المساواة ضمن محتوى القاعدة القانونية أخذين بالحسبان تنوع الراكز الواقعية وتعددها وعدم انتظامها في أنماط واحدة وهذا التمايز في المراكز الواقعية هو الذي يرخص للقاعدة القانونية أن تخص أحكاماً مختلفة للمراكز المتنوعة والمختلفة.(14)

المبحث الثاني أنواع المساواة

أولا- المساواة أمام القضاء:

تعني المساواة أمام القضاء ممارسة  مواطني الدولة جميعهم  لحق التقاضي على قدم المساواة أمام محاكم واحدة وبلا تمييز أو تفرقة بينهم بسبب الأصل أو الجنس أو اللون أو اللغة أو العقيدة أو الآراء الشخصية.(15)

ويقتضي مضمون المساواة مضمون المساواة أمام القضاء أن يكون القضاء الذي يتقاضى أمامه الجميع واحداً وألا يختلف المحاكم باختلاف الأشخاص الذين يتقاضون أمامها وكذلك يقتضي المضمون نفسه أن تكون إجراءات التقاضي التي يسير عليها المتقاضون واحدة.(16)

ولا يتنافى مع جوهر المساواة أمام القضاء أن تعطى الحرية للقاضي لكي يحكم بالعقوبة الملائمة تبعاً لاختلاف ظروف كل قضية أو تبعاً لاختلاف ظروف المتهمين ولو كانت الجريمة واحدة.(17)

وكذلك لا يتعارض مع مضمون مبدأ المساواة أمام القضاء وجود محاكم مختلفة باختلاف أنواع المنازعات أو باختلاف طبيعة الجرائم بشرط أن لا تقام تفرقة بين أشخاص المتقاضين.

كما لا يخالف مبدأ المساواة أمام القضاء أن توجد محاكم خاصة بطوائف معينة من المواطنين إذا دعت الضرورة لذلك ولكن بشرط أن لا يكون وجود مثل هذا النوع من المحاكم سبباً في تمييز فئة من الأفراد على غيرها وذلك كما هو الحال في نطاق محاكم الأحداث التي تختص بمحاكمة المجرمين الأحداث على اقترفوه من جرائم وتطبق عليهم عقابياً مختلفاً عن تلك التي تطبق على الراشدين وكذلك تطبق عليهم إجراءات خاصة للتقاضي تختلف عن إجراءات التقاضي المتعارف عليها أمام المحاكم الأخرى بقصد إصلاحهم وتقويم سلوكهم وإعادة تأهيلهم.(18)

ولكن وفي الحالات كلها يجب عدم التوسع في إنشاء مثل هذه المحاكم الخاصة وإلا تم خرق مبدأ المساواة أمام القضاء وأن يقتصر إنشاؤها على حالات الضرورة وبما يتلاءم مع ضرورات  الصالح العالم.(19)

وينتج عن مبدأ المساواة أمام القضاء ثلاث نتائج مهمة جداً:

1ً- وحدة القضاء: ويقصد بوحدة القضاء أن يكون  التقاضي بالنسبة  للمواطنين جميعهم أمام القضاء نفسهم الذين هم من الدرجة نفسها وبدون أي تفرقة أو تمييز بين الأفراد أو بين الطبقات الاجتماعية وبالتالي فإن وحدة القضاء تفترض عدم وجود محاكم خاصة أو استثنائية لأفراد معينين بذواتهم أو لطوائف أو طبقات اجتماعية محددة وذلك كما كان عليه الحال في فرنسة قبل الثورة حيث كانت توجد محاكم خاصة بطبقة النبلاء والأشراف وغيرها من الطبقات وذلك تمييزاً لكل طبقة عن غيرها من طبقات الشعب.(20)

2ً- المساواة أمام التشريعات والعقوبات المطبقة:

تتمثل النتيجة الثانية لمبدأ المساواة أمام القضاء في ضرورة تحقيق المساواة بين المتقاضين بالنسبة للقوانين التي تطبق عليهم فيما يثور بينهم من منازعات وتوقيع ذات العقوبات المقررة للجرائم نفسها على جميع مرتكبيها.

وتتضمن هذه النتيجة فيما يتعلق بالعقوبات شقين اثنين: الشق الأول ويتمثل في وحدة العقوبات الموقعة نتيجة لوحدة القانون المطبق والشق الثاني نجده في مبدأ شخصية العقوبة بحيث يرتب العقاب على من ارتكب جريمة بحق المجتمع بمعنى أنه يجب أن لا يتحمل أخذ وزر ما ارتكبه غيره بحق المجتمع مهما كانت درجة قرابته أو صلته به وتتطلب المساواة في العقوبة كذلك التسوية بين المحكوم عليهم في إجراءات ووسائل تنفيذ العقوبة المحكوم بها عليهم.(21)

3-مجانية القضاءGratuite de la justice فلكي تتحقق المساواة بين الجميع أمام القضاء فإن اللجوء إليه يجب أن يكون مجانياً ولكن هذه المجانية مازالت حتى الآن مسألة نظرية لأنه إذا كانت العدالة نفسها  بالمجان فإن وسائل اللجوء إلى القضاء ليست كذلك بالتأكيد فمن الناحية العلمية يتحكم الجانب الاقتصادي لكل فرد في قدرته على الالتجاء إلى القضاء على حقوقه المتنازع عليها، ولما يتطلبه ذلك من نفقات ورسوم وأتعاب محاماة قد تكون فوق طاقته المادية في كثير من الأحيان .

ولهذا السبب نجد أن كثيراً من النظم القانونية في العالم قد نظمت وسائل تقديم المساعدات القضائية إلى المتقاضين المحتاجين لها وبعضها يشجع تنظيم الجمعيات التي تقدم يد المساعدة إلى من يطلبها من غير القادرين.(22)

 ثانياً: المساواة أمام المرافق العامة :

المرفق العام Le Service Public  هو نشاط تمارسه جهة عامة في سبيل إشباع حاجة من الحاجات التي تحقق الصالح العام وبالتالي فإن مهمة المرفق العام تتمثل في تقديم خدمات للعامة بهدف تحقيق النفع العام.(23)

وطالما كان المرفق العام بطبيعة وجوده, خدمة للمجتمع ولمصلحة الجميع, لذلك فمن الطبيعي أن يتساوى أمامه الجميع وبغير تمييز أياً كان سببه.(24)

ويسمى الأفراد الذين تقدم لهم خدمات المرفق العام, " بالمنتفعين" ولكن مبدأ المساواة أمام المرافق العامة لا يطبق على هؤلاء المنتفعين فعلاً بالخدمة، بمعنى أن مبدأ المساواة هذا يجب أن يطبق على جميع من تتوافر فيهم شروط الاستفادة من خدمات المرفق العام بغير مميز بينهم أو محاباة، وفي الحقيقة إن مبدأ المساواة يحتج به طالبوا الانتفاع أكثر مما يحتج به المنتفعون فعلاً, لأنه يثور غالباً عندما ترفض الإدارة القائمة على المرفق العام طلب أحد الأفراد في الاستفادة من خدمات المرفق العام، رغم توافر الشروط فيه.(25)

ويعد مبدأ المساواة أمام المرافق العامة من قبيل المبادئ العامة للقانون التي تطبق وإن لم يتضمنه نص قانوني معين.

غير أن مساواة الأفراد أمام المرافق العامة ليس مطلقاً لأنه لا يعني جواز أن يطلب كل فرد الانتفاع من خدمات المرفق العام دون قيد أو شرط، إنما لا تصبح هذه المساواة حقاً للمنتفع إلا بتوافر شروطها، وذلك شأنها شأن المراكز القانونية جميعها.(26)

فالممنوع أن يقيم المشرفون على المرفق تفرقة بين المنتفعين لا تستند إلى مسوغ قانوني, كالتمييز بسبب الجنس أو اللون أو اللغة ... أو أي سبب آخر لا هدف له إلا التمييز غير المبرر في المعاملة.(27)

ولكن لا يتنافى مع قاعدة المساواة السابقة أن توضع شروط عامة لابد من توافرها في كل من يريد الانتفاع, كتحديد رسم معين فيمن يريد اقتضاء الخدمة، أو كتحديد جملة من الشروط فيمن يريد اقتضاء خدمة التعليم الجامعي, فمثل هذ الشروط ما دام مقصوداً منها مصلحة المرفق ذاته، أو المصلحة العامة لا تخل بقاعدة المساواة، إلا إذا كان التعميم ظاهرياً، ولكنه يعني في حقيقة الأمر حرمان طائفة من الأفراد من الانتفاع بخدمات المرفق لأمر من الأمور.(28)

ولعل من أهم شروط الانتفاع بخدمات المرفق العام إنما يتمثل في دفع مبلغ معين من المال، وفي هذه الحال تثور مسألة جماعية المرافق العامة  حيث من المسلم أنه ليكون المرفق مرفقاً عاماً، لا يشترط أن تكون الخدمات التي يقدمها مجانية للجميع, بل يجوز فرض رسوم على كل منتفع لقاء انتفاعه بخدمات مرفق معين, ولكن يجب أن لا يكون الرسم مغالياً فيه بحيث يخرج المرفق عن عموميته، والغاية التي أحدثت من أجلها، والمتمثلة في المصلحة العامة، ويلاحظ عموماً توجه المشرع المتزايد إلى توسيع نطاق مجانية المرافق العامة في وقتنا الحالي.(29)

ثالثاً-: المساواة في نطاق الوظيفة العامة :

يأخذ مبدأ المساواة في الوظيفة العامة عدة مظاهر, فقد يتجلى في نطاق الدخول إلى سلك الوظيفة العامة، وفي نطاق الرواتب والأجور، والترقيات, والعلاوات:

أ‌-     الدخول إلى سلك الوظيفة العامة : لقد طرح مبدأ المساواة في التوظيف أول الأمر في فرنسة، ومؤداه عدم تفضيل طبقة أو فئة معينة على غيرها في شغل الوظائف العامة، بل يكون لكل مواطن الحق المتساوي في التقدم لشغلها، وهذه المساواة هي مساواة قانونية، بمعنى أنه يلزم أن تتوافر فيمن يتقدم لشغل الوظيفة العامة كل ما يتطلبه القانون من شروط ومؤهلات علمية وخبرات عملية، وهذه الشوط يجب أن تكون عامة ومجردة بحيث تتيح للمواطنين جميعاً فرصاً متكافئة في التقدم لشغل الوظائف العامة.(30)

وفي الحقيقة إن هذا المفهوم القانوني للمساواة الذي تجسد في مبدأ المساواة في التوظيف كان بهدف إلى الوقوف عند حد تحطيم الاحتكارات الطبقية وإذابة الفوارق الاجتماعية في مجال شغل الوظائف العامة، والتي كانت تسود في أوروبا وقت تقرير هذا المبدأ, ويلاحظ أن مبدأ المساواة القانونية يحقق كفاية الوظيفة العامة وبالتالي تطور الدولة إذ يتيح لها فرصة الإفادة من مختلف الكفايات الموجودة بها دون قيد طبقي أو اجتماعي.(31)

ولكن مبدأ المساواة في التوظيف  في مفهومه القانوني السابق شرحه, والذي ساد في أوروبا, لم يحل من الناحية الواقعية، دون استمرار الاحتكار الطبقي للوظيفة العامة، بل أدى إلى قيام طبقة بيروقراطية منفصلة عن الشعب ومتعالية عليه, لذلك فإن الرئيس الامريكي ( جاكسون) طرح نظريته القائمة على توقيت الوظيفة العامة على أساس من المساواة، وذلك باعتبار توقيت شاغل الوظيفة العامة هو السبيل الوحيد لتمكين كل مواطن من تقلد الوظيفة العامة في يوم ما.(32)

ويهدد مبدأ المساواة في الدخول إلى الوظيفة العامة في نطاق ما يسمى بالاحتكار الوظيفي التركيزي, الذي يركز الوظائف في أيد قليلة يجمع الواحد منهم بين اكثر من وظيفة، وبالتالي يغدو في مركز متميز على بقية الأفراد, ومما يؤدي في النهاية إلى الحكم على الطاقات البشرية في الدول بالعطل.(33)

من الموضوعات المهمة في نطاق المساواة في الدخول إلى سلك الوظيفة العامة، ذلك المتعلق بمسألة المساواة بين الذكور والإناث في تولي الوظائف العامة، وتكتسب هذه المسألة أهميتها في أن المرأة عبر تاريخ الحضارة الإنسانية كانت وضعت في ظل ظروف دنيا, وذلك على أساس أن المرأة من الناحية الفكرية والجسدية هي في وضع أدنى من الرجل.(34)

وبالنسبة لموقف القضاء من هذه المسألة فقد تباين موقف مجلس الدولة الفرنسي، حسب المرحلة التاريخية التي طرح فيها المبدأ ففي بادئ الأمر, احترم المجلس المذكور كل اتجاهات الإدارة الرامية إلى استبعاد النساء من الوظائف العامة، ثم اتخذ مواقف أكثر جرأة، حيث أعلن رفضه  للعوائق جميعها التي تقف أمام النساء في نطاق تولي الوظائف العام, لكنه لم يسحب كل النتائج المترتبة على هذا الموقف، وفي سنة 1946 اتخذ المجلس نفسه موقفاً حاسماً حيث قرر حق النساء في تولي الوظائف العامة وفقاً للشروط الواقعية نفسها التي تطبق على الذكور.

وقد تكرست هذه القاعدة تشريعاً بدءاً من سنة 1946, كذلك، وتكررت في قوانين الوظيفة العامة الفرنسية المتعاقبة بعدها، وبالتالي فإن المبدأ المستقر عليه حالياً في فرنسة يتمثل في أن الطبيعة الأنثوية للمرأة يجب أن لا تقف حائلاً دون دخولها إلى سلك الوظيفة العامة.

وقد تكرس هذا الوضع دستورياً أيضاً, حيث أقرت مقدمة دستور 1946 بأن القانون يضمن للمرأة ضمن  المجالات كلها, حقوقاً مساوية للحقوق التي يملكها الرجال.

ولكن القضاء الإداري الفرنسي وضع استثناء على مساواة النساء بالرجال في نطاق تولي الوظائف العامة, حيث يجوز خرق مبدأ المساواة المذكور, إذا كانت شروط ممارسة وظيفة معينة تستلزم مثل هذا الخرق، " كأن تكون شاقة وتستلزم جهداً عضلياً كبيراً".

أما في سورية فقد كان الحكم قاطعاً في نصوص الدستور, حيث نصت المادة 23 منه على ما يلي:

((تكفل الدولة للمرأة جميع الفرص التي تتيح لها المساهمة الفعالة والكاملة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية وتعمل على إزالة القيود التي تمنع تطورها  ومشاركتها في بناء المجتمع)) .

ويلاحظ في مصر أن القضاء الإداري قد اتجه في  مسار القضاء الإداري الفرنسي نفسه, حيث أقر ببطلان كل قاعدة مطلقة تحول بين المرأة وبين تولي الوظائف العامة لمجرد كونها أنثى, ولكن القضاء ذاته قد أورد استثناء على ذلك, حيث أقر أن المرأة قد لا تصلح لتولي بعض المناصب العامة لأسباب تقدرها الإدارة، تتعلق بالظروف الاجتماعية أو بطبيعة العمل في ذاته.(35)

ب – المساواة في الراتب والعلاوة و الترفيع: يعد الراتب والعلاوة والترفيع من أهم العناصر الرئيسة التي تقوم عليها كل نظام وظيفي، فهذه العوامل الثلاثة تعد عصب الحقوق الوظيفية، فالراتب يمثل المقابل المادي الذي يتقاضاه الموظف مقابل عمله الذي يؤديه، كما أن العلاوة تعد النتيجة الحتمية للاستمرار الموظف في وظيفته مدة طويلة مما يترتب عليه ضرورة زيادة مرتبه زيادة دورية كل سنة أو سنتين حسب الأحوال وحسب ما ينص عليه كل تشريع على حدة وحتى يتناسب الراتب مع متطلبات الحياة المادية المستمرة ومع التغييرات السريعة للأسعار, كذلك فإن الترقية (الترفيع) هي النتيجة الحتمية لكفاءة الموظف والجزاء الضروري لاجتهاده ونشاطه في عمله الوظيفي.(36)

وفي الحقيقة إن نظام الرواتب الوظيفية يجب أن يوفر للمواطنين مطالب الحياة وأن يحقق العدالة والمساواة بالنسبة للجميع, ولأجل أن يحق نظام الرواتب المساواة فلابد أن يكون عاماً بحيث يشمل كل الدرجات والوظائف دون استثناء وتفرد في المعاملة كما يجب أن يكون- أي نظام المرتبات- واضحاً غير مشمول بأي تعقيدات تعطل تنفيذه, كما يجب أن يحقق التوازن بين الدرجات في المستويات جميعها, حيث يجب أن تكون الفروق في المرتبات بين المستويات الوظيفية المختلفة متناسبة مع الفروق في المواصفات الوظيفية والمهنية المتطلبة في كل من مستويات الوظائف المختلفة متناسبة مع الفروق في المواصفات الوظيفية والمهنية المتطلبة في كل من مستويات الوظائف، وهذا يعني أن المساواة لا تتحقق في هذه الحالة إلا إذا كان الأجر متساوياً في العمل الواحد، ويلاحظ في هذا المقام أيضاً أن النظام الوظيفي للرواتب لا يكون عادلاً وقائماً على مبدأ المساواة إلا إذا خص المرأة الموظفة بأجر متساو مع أجر الرجل متى كانت  تماثل هذا الأخير في الدرجة الوظيفية وفي طبيعية العمل الذي تقوم به.(37)

ومن جهة أخرى، لكي تكون علاوات الترفيع متفقة مع مبدأ المساواة فإنه يجب أن تكون ضوابط ومعايير منحها, أو الحرمان منها واحدة بالنسبة  لجميع العاملين الذي يخضعون لنظام قانوني واحد, وتتماثل أوضاعهم الوظيفية وظروف عملهم، أما إذا تقررت لبعض العاملين بنسبة أعلى من النسبة التي تقررت لزملائهم المتماثلين معهم في الوظيفة أو الدرجة، فإن ذلك يعد مجافياً لمبدأ المساواة متعارضاً معه.(38)

أما بالنسبة للترقية  (الترفيع) فإنه يأخذ إحدى صورتين، فإما أن يكون من جهة على أساس الأقدمية المطلقة، وبالتالي فإن الترفيع الوظيفي يتم تلقائياً مع مرور فترة زمنية معينة على خدمة العامل, وإما  أن يكون من جهة أخرى بطريق الاختيار, ومقتضى ذلك أن يكون أساس الترقية ليس الأقدمية، إنما  اجتهاد العامل في نطاق أعباء وظيفته، بحيث يفضل في الترقية العامل الكفء وإن كان  أحدث في أقدميته من العامل الأقدم غير الكفء.(39)

ويلاحظ أن الترفيع بالأقدمية تعتمد على واقعة مادية بحتة هي ترتيب العامل في كشوف الأقدمية دون النظر إلى المعايير الموضوعية التي تتعلق بالعمل الوظيفي وصالحه، وعلى ذلك فإن هذه الطريقة في الترفيع لا تحقق المساواة بين العاملين، وذلك على خلاف ظاهرها, لأن المساواة تقتضي أن تكون الترقية للعامل الكفء الأكثير صلاحية، وأن تكون أيضاً مقابل عمل يؤدي بطريقة جادة وجيدة وليس من المساواة أن يرقى عامل لمجرد أنه أقدم في ترتيب الأقدمية حتى ولو كان لا يؤدي عملاً أو حتى لو كان يمثل زيادة في اليد العاملة.(40)

ولكن بالمقابل يلاحظ أيضاً أن الترفيع بالاختيار لا يمكن أن يكون أساساً سليماً للمساواة بين العاملين, والترفيع إلا إذا كان الاختيار قائماً على أسس موضوعية سليمة لا تدخل فيها الاعتبارات الشخصية والأهواء الذاتية، وإلا اختلت كطريقة سليمة للمساواة بين العاملين، لذلك يذهب الفقه إلى أن الطريقة المثلى للترفيع والتي من شأنها أن تحقق المساواة بين العاملين هي تلك التي تعتمد على الأقدمية والاختيار معاً, بحيث يكون الترفيع للوظائف العليا والمناصب القيادية الرئيسة التي تحتاج إلى مهارات ذاتية وقدرات خاصة إلى جانب طول مدة الخبرة في الوظيفة العامة.(41)

رابعاً: المساواة في استخدام الأموال العامة:

المال العام هو كل مال مملوك للدولة أو أحد أشخاص القانون العام الأخرى (المحافظات، المدن, البلدان، القرى، المؤسسات الهيئات العامة ..) ويكون مخصصاً لمنفعة عامة، وهذا التخصص إما أن يكون باستعمال الجمهور للمال العام مباشرة كما هو الحال في الحدائق العامة والطرق، وإما أن يكون باستعمال الجمهور للمال العام عن طريق مرفق عام كالسكك الحديدية والمستشفيات ..إلخ. (42)

وطالما كان المال العام مخصصاً للنفع العام, فإنه يستخدم حتماً من قبل الجمهور أي مجموع الأفراد في المجتمع وهو ما يطلق عليه اصطلاحاً تسمية الاستعمال العام للمال العام وهو يقوم بشكل أساسي على مبدأ مساواة المنتفعين أي المساواة بين مستخدمي المال العام جميعهم وبالتالي فإن الأفراد جميعهم يجب أن يعاملوا على قدم المساواة في هذا المجال ماداموا في تساووا  في مراكزهم القانونية.(43)

ولكن لا يخل بمبدأ مساواة المنتفعين سالف الذكر أن تقوم الإدارة على تمييز طائفة من الأفراد بقصد ممارسة الاستعمال العام لأحد عناصر الأموال العامة عليهم فقط مادامت قد حددت قواعد  هذا الاستعمال بشروط عامة تعطي لكل من تتوافر فيه هذه الشروط من أفراد الطائفة حق استعمال المال العام ومثال ذلك قصر ارتياد بعض المكتبات العامة على من يتمتع بمستوى علمي معين كما لا يخل بهذا المبدأ أيضاً التمييز في شروط الاستعمال القانونية بين المنتفعين على أساس اختلاف صور الانتفاع العام بين هذه الفئات فيشترط مثلاً حصول السيارات على تراخيص مسبقة للسير في الطرق العامة الأمر الذي لا يشترط بالنسبة للمشاة وذلك لاختلاف سبل الاستعمال في الحالتين.(44)

خامساً: المساواة في التكاليف والأعباء العامة:

إن تعبير التكاليف العامة يعني كل النفقات التي تدفع ضمن مصلحة كل أفراد المجتمع وبالتالي فإن نفقات الدولة وأعباءها تأخذ معنىً واحداً في هذا النطاق وهي أي- هذه الأعباء- تحتاج إلى موارد كافية لتغطيتها وهذه الموارد يجب أن توزع على كل أفراد المجتمع على قدم المساواة طالما أنها تدفع  في سبيل مصلحتهم جميعاً لذلك لا يجوز أن يتحملها البعض دون البعض الأخر من الأفراد.(45)

ويعدّ إعلان حقوق الإنسان والمواطن أول من أثبت هذا المبدأ بشكل رسمي وذلك حين نص على ضرورة أن يشترك المواطنين جميعهم على قدم المساواة في الأعباء والتكاليف العامة(46), ولكن يلاحظ أن القضاء الإداري الفرنسي قد أخذ بمبدأ المساواة بين المواطنين في التكاليف العامة وأرجع إليه الكثير من نظريات القانون الإداري ولاسيما في مجال المسؤولية إلا أنه في الأحكام جميعها التي أصدرها بهذا الصدد لم يشر إلى إعلان الحقوق أبداً كنص يشكل مرجعية دستورية وتاريخية في الوقت نفسه إنما عدّه على الدوام من قبيل المبادئ العامة للقانون.(47)

وفي الحقيقة إن مبدأ المساواة أمام التكاليف العامة يتجلى أكثر في النطاق الضريبي وفي نطاق الخدمة العسكرية:

1-    في النطاق الضريبي: في الحقيقة إن مبدأ المساواة أمام الضريبة هو في حقيقته مستمدٌ من مبدأ القانون لذلك فإن المساواة أمام الضريبة هي المساواة أمام قانون الضريبة والمساواة أمام الضريبة بهذا المعنى لا تعني وجوب أن يدفع المكلفين جميعهم الضريبة نفسها بل يجب أن يتناسب ما يدفعه كل منهم وقدرته المالية وبعبارة أخرى يجب أن تسعى الدولة إلى أن تكون الضرائب التي تفرضها في مجموعها متناسبة مع المقدرة التكليفية للمكلفين لذلك فإن المساواة أمام الضريبة لا تفترض وجود نظام قانوني واحد يطبق على جميع المكلفين بل على العكس إن المساواة أمام الضريبة في وقتنا الحالي تعني ضرورة تعود الأنظمة الضريبية التي تخضع لها المكلفون فلابد على سبيل المثال من تمييز أصحاب الدخول الكبيرة عن أصحاب الدخول الصغيرة وخضوع كل منهما لنظام ضريبي مختلف.(48)

ولذلك يرى بعض الفقه أن الخطوة الأولى لتحقيق المساواة أمام الضريبة هي تقسيم المكلفين إلى أنواع والتقسيم الشائع هو تقسيم المكلفين وكبار المكلفين كما يوجد تقسيم أخر للمكلفين هو تقسيمهم بحسب الضرائب التي يخضعون لها إذ يوجد مكلفون يخضعون للضرائب على الدخل بينما يخضع أخرون للضريبة على القيمة المضافة ويخضع آخرون للضريبة على الشركات...الخ.(49)

وبإضافة إلى ما تقدم فإن المساواة أمام الضريبة تستوجب خضوع كل المكلفين لنظام ضريبي واحد إذ وجدوا في مركز واحد يحدده القانون وبالتالي فإنه يحظر على المشروع أن يقرر اختلافاً في المعاملة الضريبية لأصحاب المراكز المتماثلة, وقد تكررت هذه القاعدة في عددٍ غير قليل من أحكام المجلس الدستوري الفرنسي.(50) والمساواة أمام الضريبة ليست واجبة فقط في مجال فرض الضرائب فحسب بل هي التزام واقع على عاتق المشروع أيضاً في حالة الإعفاء منها وبذلك فإنه لا يجوز التمييز بين أصحاب المراكز المتماثلة سواء بإخضاعهم لضريبة ما أم بإعفائهم منها.(51) وإذا كان الإعفاء من الضريبة لأشخاص محددين بصفاتهم فإن مبدأ المساواة يتحقق دون شك كأن يقرر المشروع إعفاءً ضريبياً على المعاشات المستحقة لجرحى الحرب مثلاً إلا أنه إذا كان القانون ذاته يعفي شخصاً محدداً بذاته من بعض الضرائب أو الرسوم فإن هذه القانون يخرق مبدأ المساواة حسب الرأي الراجح في فرنسا بشأن إعفاء تركة الجنرال ديغول من بعض الضرائب و الرسوم.(52) ولكن يجوز الخروج على مبدأ المساواة أمام الضريبة في حالات ضيقة وذلك حين يميز المشروع بين المكلفين ويخرج بالتالي عن مبدأ المساواة لأسباب تتعلق بالمصلحة العامة فعادة ما يلجأ المشرع إلى تمييز بعض المكلفين بمعاملة ضريبية خاصة وذلك لتحفيزهم على استثمار أموالهم أو لتوجيه هذا الاستثمار في اتجاه معين وتحفل قوانين الاستثمار في الدول التي تحتاج إلى رؤوس الأموال الوافدة بإعفاءات أو تعاملات ضريبية خاصة ومميزة بل يجري العمل في فرنسة على إبرام مايسمى بالعقود الضريبة والتي من أهم أثارها منح أفضليات ضريبية معينة لبعض المكلفين وذلك في سبيل سن تنفيذ الخطط الاقتصادية.(53)

وعلى كل حال فإنه يجب أن لا يغرب عن البال الدور المهم الذي تلعبه الضريبة في حياة الشعب الاجتماعية ودورها في إعادة لتوزيع الدخل وفي تخفيف حدة التفاوت بين الطبقات الاجتماعية مما يعكس بشكلٍ أو بأخر أهمية الضريبة كأداة لتوزيع المساواة الاقتصادية بين الأفراد على مستوى الحياة الاجتماعية ككل.(54)

والجدير ملاحظته أخيراً أنّ دستور الجمهورية العربية السورية قد تبنى صراحة مبدأ المساواة أمام الضريبة وأشار إلى الدور الذي تلعبه الضريبة في تحقيق العدالة الاجتماعية وذلك حين نصت المادة 19 منه على أن: ( تفرض الضرائب على أسس عادلة وتصاعدية تحقق مبادئ المساواة والعدالة الاجتماعية).

2-    المساواة في أداء الخدمة العسكرية: لا شك في أن الخدمة العسكرية واجب وطني يتساوى المواطنون جميعاً في القيام به ومن ثم فلا يجوز الإعفاء من واجب الدفاع عن الوطن إلا لأسباب تحدد حصراً في القانون وتكون موجبة لذلك.(55)

النتائج و التوصيات:

 من أهم النتائج التي تم التوصل إليها من خلال هذا البحث في ما يلي:

1- يعتبر الحق بالمساواة من الحقوق الأساسية للإنسان وهو مؤسسة قانونية ذات طبيعة  مختلطة بين القانون العام و القانون الخاص.

 2- يعتبر الحق بالمساواة حق هام من حقوق الإنسان وهو الأساس القانوني لمنح حقوق متفرعة عنه كالحقوق المدنية و السياسية للأفراد المساواة أمام القانون, المساواة أمام الم القضاء.

 3- اهتم المجتمع الدولي بتقنين الحق بالمساواة ضمن معاهدات و وثائق دولية, حيث ركزت المعاهدات على إلغاء التمييز على أساس الجنس ( مساواة بين الرجل و المرأة) أو العرق ( المساواة دون اعتبار عرق الفرد) أو الفئة الاجتماعية ( كحقوق الطفل).

 4-اهتم الفقه القانوني بدراسة الحق بالمساواة، كما تعرض الاجتهاد القضائي لعدة حالات عملية متعلقة بالمساواة و تم طرح عدة حلول في هذا النطاق.

التوصيات:

1- التأكيد على اعتبار المساواة الأساس القانوني بمنح الحقوق الاخرى المتفرعة عنها لانها  ذات آثار هامة ليس فقط على مستوى القانون الداخلي بل على مستوى القانون الدولي. 

2-تشجيع الدول على الانضمام إلى المعاهدات الدولية المتعلقة بالمساواة.

3- تحقيق الرقابة على القوانين الداخلية و تقديم التوصيات اللازمة لتعديلها بهدف تحقيق الانسجام بين القوانين الوطنية و مبدأ المساواة.

4-التأكيد على أهمية دور المنظمات و اللجان الدولية في حماية حقوق الإنسان مثل لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة و التأكيد على أتباع عملها بحيادية بعيدا عن التسييس.

5- تأييد موقف الدستور السوري بإتباع أسلوب منظم بتحديد مفهوم المساواة و تحديد أشكالها و أنواعها.

الهوامش

1)        Vihhiers m dictionnaire de droit constitutionnel op cit p91

2)        Frier n b le principe d egalite a j d a 1998 p153

-delvolve p le principe a egalitedavant les charges l g d j 1969 paris p2

3)        Frier n b opcit p153

4)        Pellissier g le principe d egalite en droit public l g d j paris 1996 p25

5)        Pellissier g op cit p24

6)        Pellissier g l egalite op cit p25

Frier n b opcit p153

7)        Pellissier g op cit p25

8)        Pellissier g op cit p25

9)     أ.د. سامي جمال الدين تدرج القواعد القانونية المرجع السابق ص16

10)   Pellissier g op ncit p26

11)   Pellissier op cit p26

Robret j liberteegalitefraternite 1976 melangesburdeau g l g d vjparis 1977 p959 

12)   Ce 10-7-1995 contremoulin a j d a 1995 p225

وفي الفقه:

-sousse m principe de non- discriminahion a j d a 1999 n 12 p98

-relloube-frier n op cit p153  

13)   Pellissier g op cit p26 et 5

14)   Pellissier g op cit p27

15)   Pellissier g op cit 30

16)  د. ثروت بدوي المرجع السابق ص450.

عبد الغني بسيوني عبد الله مبدأ المساواة أمام القضاء وكفالة حق التقاضي منشأة المعارف الاسكندرية 1983 ص16

د.طلعت حرب محفوظ مبدأ المساواة في الوظيفة العامة الهيئة العامة المصرية للكتاب القاهرة 1989 ص126.

17)  أ.د ثروت بدوي المرجع السابق ص450

د. عبد الغني بسيوني عبد الله المرجع السابق ص16

د.طلعت حرب محفوظ المرجع السابق ص126

18)  د. طلعت حرب محفوظ المرجع السابق ص127 د.عبد الغني بسيوني ص16.

19)  د. طلعت حرب محفوظ المرجع السابق ص127 عبد الغني بسيوني المرجع السابق ص17

20)  عبد الغني بسيوني المرجع السابق ص17

21)  د. عبد الغني بسيوني المرجع السابق ص19

22)  د . عبد الغني بيسوني، المرجع السابق ص 22

23)  د . عبد الغني بسيوني، المرجع السابق، ص23

24)  أ . د. سعاد الشرقاوي، القانون الإداري وتحرير الاقتصاد دار النهضة العربية, القاهرة، 1995 ص 154, محمود حافظ, المرافق العامة، دار النهضة العربية، القاهرة1982, ص 16 وما بعدها

25)  راجع المبادئ العامة للقانون

26)  عبد الله طلبة, القانون الاداري2, 2000, ص 47.

27)  أ . د سليمان الطماوي, الوجيز في القانون الإداري، دار الفكر العربي، القاهرة، 1991 ص 439، أ . د . بكر القباني، القانون الإداري، دار النهضة العربية، القاهرة، بلا تاريخ, بلا رقم طبعة، ص 368 وما بعدها

28)  أ . د سليمان الطماوي, المرجع السابق ص 439

29)  أ . د . سليمان الطماوي، المرجع السابق ص 439

30)   Chapus.R. op cit .p 548

31)  د . طلعت حرب محفوظ، المرجع السابق, ص 183

Delvolve .p.op.cit .p 4

32)  د . طلعت حرب محفوظ، المرجع السابق ص 183

33)  د . طلعت حرب محفوظ المرجع نفسه ,ص 185

34)  د . طلعت حرب محفوظ, المرجع نفسه ص 187

35)  راجع مفصلاً حول تطور وضع المرأة في مواجهة الرجل، أ . د . نعيم الباقي وضع المرأة بين الضبط الاجتماعي والتطور, مؤسسة الوحدة الطباعة والنشر 1985 ص 9 وما بعدها

36)  حكم المحكمة الإدارية العليا المصرية الصادر في 31/3/1963 السنة 28 المجموعة، ص 979

37)  . د. أنور أحمد رسلان, الوظيفة العامة, دار النهضة العربية، القاهرة، 1995 ص 165 وما بعدها

38)  طلعت حرب محفوظ المرج السابق ص 214

39)  د . طلعت حرب محفوظ  المرجع السابق ص 218

40)  د . أنور رسلان المرجع السابق ص 192

41)  د . أنور رسلان، المرجع السابق، ص 221 د. أنور رسلان . المرجع السابق، ص 195

42)  د . أنور رسلان, المرجع السابق، ص 197 د . طلعت حرب محفوظ المرجع السابق ص 222

43)  أ.د. سليمان الطماوي الوجيز المرجع السابق ص594

Mirand-devillej cours de droit administrtef des bien est mantchrestien paris 1999 p31 ets

44)  محمد فاروق عبد الحميد المركز القانوني للمال العام 1983 رسالة  دكتوراة  القاهرة ص666

45)  د. محمد فاروق عبد الحميد المرجع نفسه ص666.

46)   Delvovep opcit p5

47)  المادة 16 من الإعلان

Delvovep opcit p9

48)   Delvove p ibid p13

49)  أ.د ثروت بدوي المرجع السابق ص451

راجع:. أ.د محمد عبد اللطيف الضمانات الدستورية في المجال الضريبي مطبوعات جامعة الكويت, الكويت 1999 ص134 ومابعدها - أ.د عصام بشور,المالية العامة والتشريع المالي منشورات  جامعة دمشق ح5, 1992 . ص24.

50)  أ.د محمد عبد اللطيف المرجع السابق ص136.

51)  أ.د محمد عبد اللطيف المرجع نفسه ص138

52)  أ.د محمد عبد اللطيف المرجع نفسه ص124

أ.د ثروت بدوي المرجع السابق ص422

53)  أ.د محمد عبد اللطيف المرجع السابق ص128

54)   Delvolve op cit p121

55)  أ.د عصام بشور المرجع السابق ص342

56)  أ.د ثروت بدوي المرجع السابق ص453 طلعت حرب محفوظ المرجع السابق ص128

 

المراجع

§  Vihhiers m dictionnaire de droit constitutionnel op cit p91

§  Frier n b le principe d egalite a j d a 2018  p153

§  delvolve p le principe a egalitedavant les charges l g d j 2019 paris p2

§  Frier n b opcit p153

§  Pellissier g le principe d egalite en droit public l g d j paris 2017 p25

§       ثروت بدوي الحريات العامة, 2016.

§       عبد الغني بسيوني عبد الله مبدأ المساواة أمام القضاء وكفالة حق التقاضي منشأة المعارف الاسكندرية 1983

§       د.طلعت حرب محفوظ مبدأ المساواة في الوظيفة العامة الهيئة العامة المصرية للكتاب القاهرة 1989.

§       أ . د. أنور أحمد رسلان, الوظيفة العامة, دار النهضة العربية، القاهرة، 2005.

§       أ.د محمد عبد اللطيف الضمانات الدستورية في المجال الضريبي مطبوعات جامعة الكويت, الكويت 1999.

§       أ.د عصام بشور,المالية العامة والتشريع المالي منشورات  جامعة دمشق ح5, 1992.

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟