المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads

محاولات متكررة: هل تسير البرازيل على خطى كردستان وكتالونيا؟

الأحد 10/يونيو/2018 - 03:47 ص
المركز العربي للبحوث والدراسات
نهال أحمد

لم تقتصر النزعات الانفصالية على منطقة الشرق الأوسط وأوروبا فحسب، ولكن استشرت تلك الموجة لتصل إلى أمريكا اللاتينية بعدما تصاعدت مطالب انفصالية من قبل مواطني ثلاث ولايات تقع جنوب البرازيل وهي  (بارانا، وسانتا كاتارينا، وريو غراندي دو سول) في محاولة منهم للحصول على حق تقرير المصير وتكوين دولة خاصة بهم يبلغ تعداداها السكاني قرابة 30 مليون نسمة, وذلك على خلفية فجوة كبيرة شَّكلَ قوامها خلافات اجتماعية, ثقافية، أيديولوجية، واقتصادية بالأساس. ومن هنا يثار تساؤلا حول مصير هذا التوجه الانفصالي فهل ستتمكن الحكومة البرازيلية من قمعه وإفشاله, أم سيتمكن مواطني الثلاث ولايات جنوبية من تحقيق ما عجز عنه إقليمي كردستان العراق وكتالونيا؟

أسباب تنامي النزعة الانفصالية جنوب البرازيل

نواة الحركة الانفصالية

                تتعدد الحركات المناهضة لمسار سياسات الحكومة الفيدرالية البرازيلية سواء التنموية أو حتى على مستوى السياسة الخارجية للدولة, ومع ذلك تبقى "حركة الجنوب الحر" المتبنية لفكرة انفصال الجنوب الأبرز بين الحركات الأخرى, ومن هنا يمكن إسناد بداية ظهور نزعة الجنوب الانفصالية  لعام1992 عقب تأسيس الحركة بمدينة لاغونا الجنوبية, ليتبلور بذلك مفهوم أحقية الشعب في تقرير مصيره, في كسرًا واضح لقيود الدستور البرازيلي الذي يحظر هذا الحق.

تداعيات القصور التنموي

يرجع تنامي النزعات الانفصالية جنوب البرازيل لأسباب تتعلق إلى حد كبير بجوانب تنموية، فرغم تحمل الثلاثة ولايات الجنوبية أعباء ضريبية تعادل أربعة أضعاف باقي الولايات, إلا أنها تعاني في الوقت ذاته قصور في توزيع الموارد، واتساع الفجوة المادية لمواطنيها مقارنة بغيرهم، ويعزز من ذلك تقارير الأمم المتحدة الإنمائية على مدار الثلاثة سنوات الماضية التي كشفت عن ارتفاع ملحوظ في معدلات الفقر رغم الخطط التنموية التي تتبناها الحكومات البرازيلية المتتالية. فتشهد الأوضاع المعيشية حالة من التدني، ويستدل على ذلك من تنامي ظاهرة التسول بشكل كبير لدرجة أصبحت تمثل مصدر دخل للعديد من الأسر، إلى جانب ارتفاع معدلات البطالة لتصل إلى نسبة 10% من إجمالي السكان خلال  فبراير 2017.(1)

                ومن ناحية أخرى يزعم المعارضون للانفصال إلى أن الولايات الثلاثة لها خصائص تميزها عن بقية الولايات البرازيلية، وهو ما دفع المنادون بالانفصال للتمسك بهذا المطلب بناءًا على توقعات منهم بتحقيق الاكتفاء الذاتي مستغلين ما تمتلكه تلك المنطقة من ثروات طبيعية هائلة.

الاختلافات الثقافية والأيديولوجية

ولعل الاختلاف الثقافي والأيديولوجي ما بين التروبيكاليا والجنوب أحد أبرز محفزات تنامي النزعة الانفصالية لاسيما في ظل ضعف ممثلي ومندوبي تلك الولايات في مؤسسات الدولة, وفيما يتعلق بالاختلافات الايديولوجية نجدها بارزة بين الأحزاب السياسية داخل الكونجرس البرازيلي حيث أدى تعدد الايديولوجيات الضعيفة وعدم الالتفاف حول مفهوم وطني إلى تعدد الصراعات والانقسامات، كل لصالح أيديولوجيته ومصالحه الخاصة لا المصالح الوطنية، ما أدى إلى بروز انتماءات إقليمية فرعية على حساب الانتماء الوطني.(2)

القمع الدستوري

وقد عزز من دور العامل الأيديولوجي في إشعال النزعة الانفصالية، ما ورد في النصوص الدستورية وما تضمنته من إشارات قمعية حظرت بشكل مطلق فكرة الانفصال وحق تقرير المصير, وبالاطلاع على الدستور البرازيلي نجده متضمنًا صلاحيات وسلطات واسعة للمدعين العامين فيما يتعلق بحرية التحقيق وسجن أي شخص أو أي حركة سياسية مناهضة لسياسات الدولة, وقد أسفرت تلك السياسات عن مقتل عدد  كبير من النشطاء السياسيين.

فضيحة شركة "بتروباس" وتورط مسؤلين رفيعي المستوى:

وفي سياق الحديث عن أسباب تنامي النزعة الانفصالية بالجنوب، تجدر الإشارة إلى انتشار ظاهرة الفساد واستشرائها بشكل كبير داخل  مؤسسات الدولة المختلفة, إلى جانب تورط عدد من كبار المسؤلين بالحكومة الفيدرالية في قضايا فساد كبرى، ما أدى إلى تفاقم استياء بعض الولايات من حكومة برازيليا ومن ثم إحياء الشعور الانفصالي في الجنوب. ولعل فضيحة شركة بتروبراس التي تسببت في أزمة سياسية كبيرة عام 2013 أسفرت عن عزل الرئيسة "ديلما روسيف" ديسمبر 2015 بتهمة التلاعب بالحسابات العامة خير شاهد على ذلك.

وترجع تفاصيل تلك الواقعة إلى اكتشاف السلطات البرازيلية أعمال تحويل لأموال غير مشروعة من شركات ضخمة لسياسيين برازيليين بهدف إتمام صفقات غير قانونية, وكانت الرئيسة البرازيلية حينها "ديلما روسيف" أحد المتهمين الرئيسين في تلك القضية بعدما ظهرت وثائق أثبتت تورطها في ملفات قائمة على الفساد المالي والرشاوي. كل هذه الأوضاع أدت بدورها إلى تراكمات سلبية لدى المواطنين, ومن ثم تعزيز التوجه الانفصالي والبدء فعليًا منذ 2016 باتخاذ خطوات جادة نحو الانفصال.(3)

الإجراءات التي تم اتخاذها في مسار الانفصال

عقب أسبوع من تنظيم استفتاء كتالونيا أكتوبر 2017, تم تنظيم استفتاء مماثل غير رسمي بالثلاثة ولايات الجنوبية أكتوبر 2017 بعدما تصاعدت المطالب وتبلورت بشكل واضح قبل هذا الاستفتاء بعام، ولكن كانت نتائج الاستفتاء مخيبة للآمال حيث تطلع القائمون عليه لمشاركة نحو مليون شخص, ولكن كان إجمالي المشاركة حوالي 500ألف شخص، وهو ما يمثل أقل من3% من عدد الناخبين المسجلين في تلك الولايات, فيما أثارت تلك النتائج الشكوك بشأن تدخل الحكومة الفيدرالية لإرهاب الناخبين من المشاركة في الاستفتاء, وقد دفعت نتائج الاستفتاء المنادين بالانفصال إلى وضع خطط جديدة تستهدف زيادة وعي المواطنين بأهمية الانفصال عن الدولة ومردود ذلك على أحوالهم الاجتماعية والمعيشية الخاصة بهم مقارنة بأوضاعهم المتدهورة في ظل الانخراط تحت مظلة الحكومة الفيدرالية.(4) 

وبالفعل توالت مؤخرًا تصريحات لقيادات بارزة داخل حركة "الجنوب الحر" كان آخرها تصريح القيادي"سيلسو ديوشير" بشأن تخطيط الثلاثة ولايات الجنوبية لإجراء مشاورات خلال يوليو 2018 من أجل وضع الآليات والتخطيطات اللازمة لإجراء استفتاء قبيل حلول عام 2019, وهي الخطوة التي يترقبها البرازيليون خلال أكتوبر المقبل.

سيناريوهات مستقبلية بشأن مصير الجنوب البرازيلي:

بعد استعراض الأسباب التي دفعت سكان الجنوب نحو المطالبة بالانفصال, وبعد الاطلاع على الأوضاع البرازيلية الهشة سواء على المستوى التنموي أو حتى عن التمثيل السياسي للجنوب في مؤسسات الدولة الحيوية، ومن جانب آخر يفترض وضعه بالاعتبار ويتعلق بشكل رئيسي بموقف الولايات المتحدة وارتكاز سياستها على اعتبار أمريكا اللاتينية بدولها الثرية على رأسها البرازيل الحديقة الخلفية لواشنطن وعدم قبولها لأي تهديد لمصالحها بالمنطقة، نبقى أمام سيناريوهين.

الأول؛ وهو نجاح الداعمين للانفصال بالجنوب في تحديد موعد لاستفتاء رسمي, وبحدوث هذا السيناريو نصبح أمام احتمالين؛ أولا فشل الاستفتاء من حيث نسبة المشاركة كما حدث في استفتاء أكتوبر 2017, أما الاحتمال الثاني فيتمثل في تمكن القوى السياسية في الثلاث ولايات جنوبية من دفع المواطنين نحو الالتفاف حول هدف واحد وهو تكوين دولة وطنية خاصة بهم يتم خلال صهر كافة مكونات المجتمع وتفادي المضايقات والتهميش الذي يواجهونه حاليًا في ظل الحكومة الفيدرالية, إلى جانب تمكنهم من استقطاب دعم إقليمي ودولي في مواجهة أي اعتراضات أمريكية متوقعة تحول دون تحقيقهم لهدفهم المنشود.

والسيناريو الثاني؛ يتمثل في عدم قدرة المنطقة الجنوبية على عقد استفتاء بالأساس في حالة تدخل الحكومة الفيدرالية وتمكنها من قمع التوجه الانفصالي وإفشاله بمساعدة الولايات المتحدة, وقوى غربية لها مصالح أكيدة في عدم نجاح الاستفتاء, وهذا هو السيناريو الأقرب للواقع على خلفية القراءة التحليلية لمجريات ما حدث أثناء الاستفتاء الغير رسمي الذي لم يحظى بمشاركة مشجعة من قبل المواطنين قبل أقل من عام.

آليات الخروج من المأزق

ومن هنا يتحتم على الحكومة الفيدرالية وضع  عدة آليات للخروج من هذا المأزق بحيث تنصب على الشقين السياسي والاقتصادي, وذلك من خلال تعديل سياسات الدعم الاجتماعي لتصبح أكثر موائمة لأوضاع وظروف الولايات, إلى جانب التحكم بشكل عادل في سياسات التوزيع والعمل على زيادة حد الائتمان لكافة طبقات المجتمع، هذا على المستوى الاقتصادي.(5)

أما على المستوى السياسي؛ فعلى الحكومة الفيدرالية تفعيل الديمقراطية بكافة قطاعات الدولة وإفساح المجال للمشاركة الشعبية, وكذلك تفعيل دور منظمات المجتمع المدني إلى جانب فتح قنوات للتواصل بين المواطنين والحكومات والعمل على تحقيق شراكات بين حكومات الولايات, والعمل على وضع  خطط متنوعة تستهدف مواجهة آفة الفقر والقضاء على انعدام الأمن الغذائي وبالطبع  إتاحة المجال لمناقشات جادة بشأن إعادة النظر مرة أخرى في بنود الدستور وعمل تعديلات على بعض نصوصه التي لما تعد متواكبة مع تطورات الأوضاع المجتمعية, في محاولة من الحكومة لمعالجة أوجه القصور التي كانت دافعًا وراء ظهور الاتجاه الانفصالي عن الدولة الوطنية .

وختامًا؛ فلا يزال المشهد البرازيلي ينتابه قدر كبير من الضبابية، لكن المؤكد أنه مع اقتراب نهاية 2018 وتحديد موعد للاستفتاء ستشهد البرازيل تسارع للأحداث بشأن البقاء في الدولة أو الانفصال عنها. وبعيدًا عما سيسفر عنه الاستفتاء فإنه يعد في حد ذاته مؤشرًا قويًا يستدعي ضرورة النظر في حقوق الأقليات وإنذارا للحكومات الفيدرالية بضرورة  الانتباه لحقوق الأقاليم المهمشة تجنبًا للدخول في صراعات داخلية والانصراف عن وظائف الدولة الرئيسية.

المراجع:

(1) GERARD LYNCHON ,Insight | No Country for Southern Men, Wide orbits, JANUARY 12, 2017,available at: http://wideorbits.com/life/no-country-for-southern-men/

 (2) Simone Preissler Iglesias, Catalan Vote Inspires Brazil’s Southern Separatist Movement,Blomberg,october4,2017,available at:

 https://www.bloomberg.com/news/articles/2017-10-04/catalan-vote-inspires-brazil-s-southern-separatist-movement

(3)Brazil corruption scandals: All you need to know,BBC, April 8, 2018,available at: https://www.bbc.com/news/world-latin-america-35810578

(4) Andres Schipani ,"Brazilians asked to vote on secession move Inspired by Catalonia, southern states stage symbolic referendum to split from nation",financial times,October 6,2017,available at:

 https://www.ft.com/content/fcdf6460-aa52-11e7-ab55-27219df83c97

 (5) تجربة البرازيل التنموية، الأهرام, مايو2016, متاح على: http://www.ahram.org.eg/NewsQ/518045.aspx


إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟