ميناء الحُدَيّدة: عملية التحرير وانعكاساتها على تطور الصراع في الحرب اليمنية

الأحد 10/يونيو/2018 - 03:54 ص
طباعة ميناء الحُدَيّدة:
 
محمود جمال عبد العال

رغم مرور أكثر من 3 أعوام على انطلاق العمليات العسكرية لعاصفة الحزم بقيادة المملكة العربية السعودية لاستعادة الشرعية في اليمن، تظل مدينة الحُديدة وميناؤها الرئيس بعيدة تمامًا عن حسابات الحسم العسكري لدى قوات التحالف العربي رغم ما يشكله "ميناء الحديدة" من خطورة على سير العمليات العسكرية؛ إذ يعتبر الشريان المغذي لجماعة "أنصار الله" الحوثية. ويلعب "ميناء الحُديدة" دورًا فاعلًا في تغذية اقتصاد الحرب للحوثيين؛ حيث يعتمدون عليه في دعم تبادلاتهم التجارية من الأغذية والأدوية والمشتقات النفطية، إضافة إلى الاتهامات الموجهة لهم باستخدام الميناء لتهريب الأسلحة، والاستيلاء على المساعدات الإنسانية واحتكار توزيعها.

اتهمت الحكومة الشرعية الحوثيين بتوظيف الميناء في الحرب الجارية باليمن، لذا دعت الأمم المتحدة لوضع خطة للإشراف الدولي على أنشطة الميناء حتى لا يستخدمه الحوثيين في دعم انقلابهم (1). وجدير بالذكر الإشارة إلى استجابة التحالف العربي منذ انطلاق "عاصفة الحزم" في مطلع عام 2015 إلى النداءات الدولية المطالبة بعدم استهداف الميناء عسكريًا لما يمثله من أهمية بالغة في ضمان وصول المؤن الغذائية والأدوية والمشتقات النفطية للمدنيين، لذا اكتفى التحالف بإجراءات روتينية للسفن القادمة للميناء عبر نقاط تفتيش قام الحوثيون باختراقها والتحايل على مهامها.

مدينة الحُديدة: الأهمية الجيوسياسية

تُمثل مدينة الحديدة وميناؤها أهمية تاريخية في استراتيجية الدفاع اليمنية؛ حيث اتخذ منه العثمانيون مركزًا للسيطرة على بقية مدن الهضبة الزيدية المجاورة، فيما دخل المصريون اليمن دعمًا للثورة على نظام الحكم الملكي عام 1962 عبر "ميناء الحُديدة"، وكذلك خرجوا منه أواخر 1967. وفي ظل التهديدات الحوثية للأراضي السعودية عبر الصواريخ الباليستية، تقترب منطقة الحديدة من منطقة جازان السعودية، وهو ما يُمثل تهديدًا كبيرًا للمملكة خاصة بعد المحاولات التي قام بها الحوثيون لنقل المعركة إلى الداخل السعودي من خلال احتلال المناطق السعودية المتاخمة للحدود اليمنية السعودية كجازان، وعسير.

وفقًا لإحصاء 2011 لعدد السكان اليمنيين، بلغ عدد سكان الحُديدة إلى 2.5 مليون نسمة (2)، يعتمدون بشكل أساسي على مهنة الصيد مما يعني تعرض المدينة وسكانها إلى مخاطر المجاعة في حال انطلاق العمليات الحربية وتوقف مهنة الصيد خاصة عند الأخذ في الاعتبار أن المحافظة من أعلى المحافظات فقرًا باليمن (3).

ويُعد "ميناء الُحديدة" ثاني أكبر الموانئ اليمنية بعد "ميناء عدن"، ويعتبر الميناء منفذ الحوثيين الوحيد على الخارج في ظل الحصار البري والبحري والجوي المفروض عليهم من قِبل قوات التحالف، ويستقبل الميناء ما نسبته 70% من حجم الواردات اليمنية التي ترتكز على الغذاء والدواء والوقود (4). لذلك، حاول الحوثيون اللعب إعلاميًا على وتر الأزمة الإنسانية والمجاعات التي قد تحدث في حال قررت قوات التحالف الاستيلاء على الميناء بقوة.

"ميناء الحُدَيّدة" في أجندة جماعة أنصار الله، وقوات التحالف العربي

                تعمل حركة "أنصار الله" على تعظيم استفادتها من "ميناء الحُديدة" على المستويين الاقتصادي والعسكري؛ حيث يُسخر الحوثيون إمكاناتهم العسكرية والإعلامية للدفاع عن سيطرتهم على الميناء باعتباره الشريان الوحيد المغذي لأنشطتهم وفاعلياتهم سواءً من خلال دعم اقتصاد الحرب، أو استخدامه في تهريب الأسلحة. من الناحية الأخرى، تعمل قيادة التحالف العربي على قطع الإمدادات التي يوفرها الميناء سواءً الاقتصادية أو العسكرية عن الحوثيين.

1-   دعم اقتصاد الحرب

يستقبل ميناء الحُديدة -كما أشرنا سلفًا- حوالي 70 % من حجم الواردات اليمنية من الغذاء والدواء والوقود، وتشير التقارير الاقتصادية إلى اعتماد اقتصاد الحوثيين على فرض رسوم رسمية وغير رسمية (الضرائب، والغرامات الإدارية) على هذه السلع؛ حيث يستغل الحوثيون العائدات الجمركية من الميناء في تمويل عملياتهم الحربية. وتكتسي عملية السيطرة عليه أهميتها لدى قوات التحالف العربي من ضرورة قطع أحد أهم مصادر الدعم الاقتصادي عن خزانة الحوثيين؛ إذ يعتمد الحوثيون على عوائد "ميناء الحُديدة" بشكلٍ كبير في ظل الحصار المفروض عليهم برًا وبحرًا وجوًا. وفي هذا السياق، تعمل الحكومة الشرعية بالتعاون مع قوات التحالف العربي على تجهيز "ميناء المخا" لتشغيله تحت سيطرتها، وذلك لتجاوز حجج العالم الدولي المُعترِض على الاستيلاء على الميناء بالقوة خوفًا من تفاقم الأزمة الإنسانية، لذا قد يلعب "ميناء المخا" دور البديل لـ "ميناء الحُديدة" في حال قررت قوات التحالف السيطرة عليه عسكريًا (5).

2-   تهريب الأسلحة

اتهمت قوات التحالف والحكومة الشرعية ميليشيا الحوثي باستخدام الميناء في استمرار تأجيج الصراع، وديمومة الحرب في اليمن من خلال توظيف الميناء لأهدافٍ عسكرية. في هذا السياق، قال أحمد عسيري المتحدث العسكري السابق: "إن ميناء الحُديدة أهم مصادر تمويل وإيصال السلاح لليمن من إيران"، وأشار عسيري إلى أن الصواريخ المضادة للدروع (كورنيت) دخلت اليمن من بوابة ميناء الحُديدة. واتهم عسيري الدول الغربية بدعم الحوثيين من خلال المطالبة بإبقاء الميناء خارج الصراع بحجة الدور الإنساني الموكل له. وطلب التحالف العربي من الأمم المتحدة والمبعوث الأممي بتحييد الميناء عن طريق وضعه تحت الإشراف الدولي (6). وتجدر الإشارة إلى رفض الولايات المتحدة الأمريكية المشاركة في عمليّات تحرير الحُديدة، أو حتى إعطاء الضوء الأخضر للتحالف العربي بشأنها لاعتبارات تتعلق بالوضع الإنساني المتردي هناك.

ومن ناحيته، اتهم خالد اليماني، مندوب اليمن لدى الأمم المتحدة، ميليشيا الحوثي باستخدام الميناء لتهريب السلاح إلى البلاد، وطالب اليماني الأمم المتحدة الاضطلاع بدورها في الإشراف على الميناء لمنع توظيفه في أهداف الحوثيين الحربية. وقد دعا المبعوث الأممي السابق إسماعيل ولد الشيخ في إحاطته لمجلس الأمن، بأهمية استعمال الإيرادات الجمركية والضريبية من ميناء الحديدة لتمويل الرواتب والخدمات الأساسية بدلًا من استغلالها للحرب، أو للمنافع الشخصية (7).

أعلن "مارتن غريفيث" مبادة تسوية بشأن الحُديدة تشمل وضعه تحت إدارة المنظمة الأممية، ولكنه قوبلت بالرفض من قبل الحوثيين لأسباب تتعلق برفضهم التنازل عن سلطتهم على البنك المركزي في صنعاء لصالح الحكومة الشرعية في عدن، وكذلك رفضهم خضوع الرحلات التجارية من مطار صنعاء (في حال نجاح المبادرة) للتفتيش في مطار "بيشة" السعودي (8).

3-   تهديد الملاحة العالمية، واستهداف ناقلات النفط

يعمل الحوثيون منذ بدء العمليات العسكرية لقوات التحالف على خلق حالة من التهديد المستمر قُبالة السواحل الغربية لليمن. وفي هذا الإطار، هدد الحوثيون على لسان رئيس المجلس الانتقالي الراحل صالح الصماد بعدم السماح للسفن بالمرور، وضرب الملاحة في منطقة البحر الأحمر ومضيق باب المندب في حال تقدمت قوات التحالف للسيطرة على الساحل الغربي لليمن.

من ناحيةٍ أخرى، يحاول الحوثيون باستماتة استهداف مصالح المملكة العربية السعودية في البحر الأحمر خاصة المصالح النفطية التي يعتمد عليها الاقتصاد السعودي بشكل رئيس، وهناك أمثلة ووقائع مختلفة تؤكد ذلك؛ حيث استهداف مواقع شركة أرامكو، واستدعاء "حروب ناقلات النفط" مرة أخرى بعد قيامهم في أوائل أبريل/نيسان من هذا العام باستهداف ناقلة النفط السعودية "أبقيق" قُبالة السواحل اليمنية باستخدام قوارب مُتفجرة عن بعد "دون ربان"، واستطاعت قوات التحالف من خلال بارجة حربية كانت قريبة من موقع العملية إفشال الهجوم. لم يكن استهداف ناقلة النفط "أبقيق" هو الأول من نوعه؛ حيث قام الحوثيون في وقتٍ سابق باستهداف ناقلة نفط سعودية بنفس الطريقة.

ختامًا؛ من خلال تتبع العمليّات العسكرية للتحالف العربي وقوات الشرعية في المناطق القريبة من الساحل الغربي باليمن، يبدو أن هناك ضرورة في الفكر الاستراتيجي لقيادة التحالف للسيطرة على مدينة الحُديدة وميناؤها لتجفيف منابع دعم الحوثيين، ويتسق تجهيز "ميناء المخا" للاضطلاع بدور "ميناء الحُديدة" مع رفض العالم الدولي، وفي مقدمته واشنطن، وموسكو، والاتحاد الأوربي، الاستيلاء على الحُديدة بالقوة وذلك لعدم تفاقم الوضع الإنساني. من الناحية الأخرى، يمثل "الحُديدة" أهمية استراتيجية للحوثيين، وهو ما بز في مماطلاتهم وشروطهم التعجيزية للرد على مبادرات الأمم المتحدة لوضع الميناء تحت إدارتها.

الهوامش

1-      اليمن يطالب الأمم المتحدة بالإشراف على ميناء الحديدة (2/5/2018)، الإمارات اليوم، الرابط

2-      كيف تستغل مليشيا الحوثي ميناء الحديدة عسكرياً واقتصادياً؟ (23/5/2017)، الخليج أونلاين، الرابط

3-      تقرير البنك الدولي، ص10-11، الرابط

4-      هل تحسم السيطرة على ميناء الحديدة الصراع اليمني؟ (11/4/2017)، اليوم الثامن، الرابط

5-      تجهيز منافذ بديلة لمساعدة اليمنيين قبل إطلاق معركة الحديدة (10/4/2017)، العرب، الرابط

6-      السعودية تطالب بإشراف دولي على ميناء الحديدة (5/4/2018)، الحياة، الرابط، وانظر أيضًا: مبعوث الأمم المتحدة يقترح على الحوثيين وضع ميناء الحديدة تحت إشراف المنظمة الدولية (5/6/2018)، روسيا اليوم، الرابط

7-      التحالف العربي يرحب بتصريحات المبعوث الأممي بخصوص ميناء الحديدة (1/6/2017)، روسيا اليوم، الرابط

8-      زيارة صنعاء بعثرت خطوط خارطة غريفيث للسلام في اليمن (7/6/2018)، العرب، الرابط


شارك