اتفاق منبج ومستقبل العلاقات التركية الأمريكية

الأحد 10/يونيو/2018 - 04:04 ص
طباعة اتفاق منبج ومستقبل
 
مصطفى صلاح

تطور جديد في ملف العلاقات التركية الأمريكية ظهر جليًا في الأيام الماضية بعد لقاء كلا من وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو ونظيره التركي مولود شاويش أوغلو في الرابع من حزيران/ يونيو 2018، حيث  أحدثت المفاوضات تقدمًا ملحوظًا فيما يتعلق بملف الأكراد الحليف الأمريكي الأهم لها في الداخل السوري وخاصة مدينة منبج.

تركيا والأكراد

تقاتل تركيا المكون الكردي ليس فقط في خارج حدودها ولكن في الداخل أيضًا، ومن قبل أعلنت تركيا الأحزاب المرتبطة بالمكون الكردي مثل حزب العمال الكردستاني التركي والمنظمات المنبثقة عنه مثل حزب الاتحاد الديموقراطي في سوريا منظمات إرهابية، وعلى هذا الأساس ترى تركيا بأن الأكراد وأحزابهم بمثابة تهديد للأمن القومي التركي، كما أن تركيا تتعامل مع الأكراد وحزبهم الأكثر شعبية، حزب العمال الكردستانيPKK، على أنه منظمة إرهابية بما تحمله الكلمة من معنى، مما أدى إلى استمرار المواجهات المسلحة بينهم على امتداد أكثر من 40 عامًا، ولأكثر من ثلاثة عقود ظلت تركيا والأكراد في حروب متبادلة لعل آخر تلك العمليات ما قامت به تركيا في العشرين من كانون الثاني/يناير 2018، وما أطلقت عليه تركيا عملية غصن الزيتون في عفرين السورية.

وتأتي هذه العملية على خلفية تزويد الولايات المتحدة الأمريكية لحليفها الكردي في سوريا، إن الولايات المتحدة تحتفظ بوجودها العسكري في سوريا، بمشاركة حليفها الكردي بل وتستمر في تقديم الدعم العسكري للأكراد، حيث قدمت الولايات المتحدة العديد من التوريدات والدعم العسكري والمعدات للأكراد منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2014، حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2017.

ويشمل الدعم الأمريكي للأكراد (سيارات مدرعة متعددة الأغراض Humwee، المدرعات الثقيلة  Cougar، قاذفات القنابل إم كي 19، المنظومات الصاروخية الثقيلة المضادة للدبابات BGM-71 TOW، المنظومات الصاروخية المضادة للدبابات FGM-148 Javelin، البنادق الآلية M4Carbine، البنادق الآلية إم16).

وعلى الرغم من وعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لنظيره التركي رجب طيب أردوغان، في الثاني والعشرون من ديسمبر/ كانون الأول 2017، بوقف إمداد وحدات حماية الشعب الكردية (القوات الكردية في سوريا) بالأسلحة الأمريكية، إلا أن تركيا لم تتوقف عن سياساتها تجاه الأكراد.

ومن الواضح أن السياسات التركية  تتسم بمزيد من العنف سواء المسلح أو حتى العنف المتمثل في عمليات التضييق المجتمعي تجاه الأكراد سواء في الداخل التركي أو الخارج حيث أصبح لدى الأكراد قناعة أنهم مواطنين من الدرجة الثانية؛ إن هذه السياسات تمتد لتشمل العديد من الدول التي من بين مكوناتها الأكراد كالعراق وسوريا.

إن التخوفات لدى تركيا تتمركز في حالة القلق تجاه قيام الأكراد بتوحيد المناطق ذات الكثافات الكردية معًا مما دفع النظام التركي إلى حالة من الارتباك في التعامل مع المسألة الكردية داخليًا وخارجيًا. هذا الارتباك التركي يعكس قلق أنقرة من التطورات الأخيرة في المنطقة وسيطرة الوحدات التركية على العديد من المناطق السورية عوضًا عن الانتصارات التي حققتها في مواجهة تنظيم داعش، هذه الانتصارات الكردية وضعت تركيا لأول مرة في موقع دفاعي.

تركيا وأمريكا .. تصعيد متبادل

على الرغم من التوافق الحالي بين الإدارة الأمريكية وتركيا إلا أن هناك العديد من الخلافات حول العديد من القضايا، وشهدت الفترات الأخيرة العديد من التجاذبات بين الجانبين، حيث شهدت العلاقات الثنائية بينهم برودة غير مسبوقة منذ سنوات طويلة، بدأت مع عدم تجاوب الولايات المتحدة في ملف تسليم فتح الله جولن زعيم حركة الخدمة، والمتهم من قبل تركيا بتنفيذ عملية الانقلاب الفاشلة في الخامس عشر من يوليو/ تموز 2016.

كما علقت البعثة الأمريكية في تركيا والبعثة التركية في واشنطن خدمات إصدار التأشيرات بعد اعتقال أحد موظفي البعثة الأمريكية في تركيا في أكتوبر/ تشرين الأول 2017، بتهمة الانتماء إلى حركة الخدمة بزعامة فتح الله جولن وأرجعت كل بعثة القرار لحاجتها إلى إعادة تقييم التزام الطرف الآخر بأمن أفرادها.

وعليه، فتحت السلطات الأمريكية التحقيق بحق 15 شخصًا من أفراد حماية الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، على خلفية الأحداث التي وقعت أمام السفارة التركية في واشنطن، خلال زيارة أردوغان لها مايو/أيار 2017. تبع ذلك قيام السلطات الأمريكية بفتح تحقيقًا آخر بحق 19 تركيًا بينهم 15 عنصر أمن، بتهمة الاعتداء على محتجين، وجرى إعداد لائحة اتهام بحقهم، فيما أعربت الخارجية التركية، عن أسفها لقبول محكمة أمريكية لائحة الاتهام.

عوضًا عن ذلك تم توقيع اتفاق ثلاثي جمع تركيا مع روسيا وإيران على تشكيل منطقة خفض التوتر بمحافظة إدلب السورية (شمال غرب)، ونشر قوات مراقبة فيها، ولبذي من شأنه إفشال خطة الولايات المتحدة الأمريكية للتدخل بالمحافظة من خلال القوات الكردية "ب ي د"، الأمر الذي انعكس بالسلب على العلاقات الثنائية بين البلدين.

وعليه،  تصاعدت التوترات بين الولايات المتحدة وتركيا بسبب الدعم العسكري الأمريكي لوحدات حماية الشعب الكردية السورية التي تعتبرها أنقرة امتدادًا لحزب العمال الكردستاني المحظور الذي يحمل السلاح منذ ثلاثة عقود في جنوب شرق تركيا، ورغم تحذيرات تركيا المتكررة للولايات المتحدة من إمكانية توجيه السلاح الذي ترسله إلى "ب ي د/بي كا كا" ضدها مستقبلًا، فإن واشنطن استمرت في مد التنظيم بالأسلحة الثقيلة، بذريعة مكافحة تنظيم داعش الإرهابي وفق الرؤية التركية. إلى أن جاء اتفاق منبج بين الولايات المتحدة وتركيا ليعيد التوازن للعلاقات الثنائية بين البلدين مرة أخرى.

تداعيات اتفاق منبج

تكمن المشكلة الأساسية لدى تركيا من هذه المنطقة فيما يتعلق بسيطرة قوات حزب الاتحاد الديموقراطي التابعة للأكراد على هذه المنطقة، ففي عام 2016، سيطرت القوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية على المنطقة الواقعة غربًا عبر نهر الفرات، متجاوزة بذلك الخطوط الحمراء التي أعلنتها تركيا من قبل حول حدود العمليات الكردية ونطاق سيطرتها، إلا أن القوات الكردية في حربها ضد تنظيم داعش رفضت الرجوع وفق مقتضيات الحرب بينها وبين التنظيم المتطرف، خاصة في ظل التعاون العسكري الأمريكي مع القوات الكردية في هذا الشأن، هذا الأمر كان له الأثر الكبير في إحداث شرخ في العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا، بحيث أن الدولتين الحليفتين في منظمة حلف شمال الأطلسي قد وصلتا في مرحلة ما إلى درجة تهديد القوات العسكرية لبعضهما البعض.

ووفق الاتفاق بين وزيري الخارجية الأمريكية والتركية، أعلن وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، في الخامس من يونيو/ حزيران 2018، أن خطة العمل التي تم الاتفاق عليها مع الجانب الأمريكي تقضي بسحب الأسلحة من المقاتلين الأكراد في مدينة منبج، وإن خطة العمل التركية - الأمريكية بشأن منبج في سوريا سيبدأ تنفيذها خلال 10 أيام وسيكون ذلك على امتداد 6 أشهر، مضيفًا أن هذا النموذج يتعين أن يطبق في المستقبل على الرقة وكوباني ومناطق سورية أخرى تسيطر عليها "وحدات حماية الشعب"، وأن العملية ستنتهي بالتزامن مع انتهاء انسحاب عناصره، مؤكدًا أنه لن يكون هناك دور لأي دولة ثالثة في منبج بما في ذلك فرنسا وبريطانيا وبلجيكا. وعلى الرغم من التوافق التركي الأمريكي هذا إلا أن وزير الخارجية التركية أشار إلى أن أنقرة لم تتلق وعدًا من واشنطن بتصنيف وحدات حماية الشعب الكردي منظمة إرهابية.

وتابع أوغلو قائلًا: "إن خطوتنا التي سنتخذها (في منبج) مهمة من أجل مستقبل سوريا وفرصة لإعادة علاقاتنا المتدهورة مع الولايات المتحدة إلى مسارها، لذا يجب تنفيذ الخارطة، موضحًا أن تعاون تركيا في منبج مع الولايات المتحدة ليس بديلًا عن العمل مع روسيا في الشأن السوري".

تقارب حذر

بتوقيع الاتفاق بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية حول مدينة منبج السورية، برزت العديد من التساؤلات حول حقيقة التقارب الثنائي بين البلدين ودوافعه، وامكانية أن يكون هذا الاتفاق قاعدة للبناء المستقبلي في تحسن العلاقات بينهم وتحويل النجاح التكتيكي إلى استراتيجية ومنهاج للمضي قدمًا.

وعلى الرغم من الاتفاق المبدئي بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية فيما يخص دعم قوات حماية الشعب الكردية، إلا أن تركيا تعتبر هذه الجماعة إرهابية وفي حرب معها، كما أن الولايات المتحدة لم يبق لها حلفاء في سوريا غير هذه القوات لتضمن مستوي أعلى من الحضور العسكري الأمريكي في سوريا وخاصة المنطقة الشرقية، وهو ما يبعث لعديد من المؤشرات التي يمكن تصور عدة سيناريوهات من خلالها وفق الآتي:

السيناريو الأول: قد يكون الاتفاق التركي الأمريكي بمثابة اتفاق مرحلة بالنسبة للطرفين لا يمكن أن يدوم طويلًا، وذلك بعد التصريحات الأمريكية على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إعلان خطته للانسحاب من سوريا في التاسع والعشرون من مارس/ آذار 2018، فيما قامت الولايات المتحدة بضربة عسكرية مع بريطانيا وفرنسا في الرابع عشر من إبريل/ نيسان 2018.

                بالنسبة لتركيا فقد يكون هذا بمثابة تهدئة للأوضاع الداخلية التركية ومحاولة تخفيف حدة الأعباء على النظام التركي خاصة وأن الانتخابات التركية المعلن عنها في الثامن عشر من إبريل/  نيسان 2018، والمقرر لها الانعقاد في الرابع والعشرين من يونيو/ حزيران 2018، حيث يحاول أردوغان من خلال هذا الاتفاق تهدئة الأوضاع الداخلية التركية، حيث أظهرت العديد من الاستطلاعات تراجع شعبيته في ظل مواجهته  منافسة قوية.

السيناريو الثاني: في حال رغبة الولايات المتحدة استمرار تواجدها العسكري فلابد لها من حلفاء داخل الأراضي السورية، وفي ظل حالة التعقيد التي تحيط بمستقبل التحالفات داخل سوريا، فلن يبقى أمام الولايات المتحدة سوى حليفها الوحيد والمتمثل في قوات حماية الشعب الكردية، وهو ما يستدعي دعمها لوجيستيًا وعسكريًا والذي من تبعاته تعكير صفو العلاقات التركية الأمريكية من جديد.

إجمالًا: يبقى الاتفاق التركي الإيراني مرهون بالعديد من الخطوات الأمريكية والتركية القادمة فيما يتعلق بقوات حماية الشعب الكردية، ومستقبل الوجود الأمريكي في سوريا، إلا أن الموقف التركي على مدار عقود ماضية لم يتغير تجاه الأكراد سواء في الداخل التركي أو الخارج وهو ما يبعث على القول بأن العلاقات التركية الأمريكية لم تقف على أرض صلبة يمكن البناء عليها فيما بعد.

شارك