بعد خروج واشنطن من الاتفاق النووي: هل فشلت جولة نتنياهو الأوروبية؟

الأحد 10/يونيو/2018 - 04:12 ص
طباعة  بعد خروج واشنطن
 
علي عاطف حسَّان

بعد خروج الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي، والتي سبقها حشد من قِبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للدفع بهذا الاتجاه، أثير الجدل مؤخراً حول احتمالية عودة الصراعات أكثر مما هي عليه في منطقة الشرق الأوسط.

    وبالنظر إلى العلاقات الإيرانية الإسرائيلية، خشيت إسرائيل كثيراً منذ أن خرجت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي من أن يؤدي هذا الخروج، على الرغم من أنها كانت تؤيده، إلى إيجاد مزيد من التوترات على حدودها مع سوريا ولبنان؛ وذلك بسبب نشاط القوات الإيرانية، أو الموالية لإيران، في هذه المناطق. وكانت هذه، من ناحية أخرى، إحدى الأسباب التي دفعت نتنياهو لزيارة روسيا مؤخراً.

    وبشكل عام، يسعي نتنياهو بعد التطورات المتلاحقة في قضية الملف النوي الإيراني إلى محاولة حشد الدول الأوروبية ضد البرنامج والاتفاق النووي الإيراني؛ وذلك بغية ضرب أي محاولة من إيران لخلق مزيد من التوترات على الحدود الإسرائيلية بعد خروج واشنطن من الاتفاق وعودة المشهد الراديكالي في العلاقات الأمريكية الإيرانية.

ماذا وراء زيارة نتنياهو للدول الأوروبية؟

    منذ قدوم الإدارة الأمريكية الجديدة، وعلى رأسها الرئيس دونالد ترامب، تبلورت، أو يمكن القول إنها اتضحت، سياسة جديدة لدى إسرائيل تجاه إيران وملفها النووي واتفاقيتها النووية التي تم التوصل إليها في صيف 2015 ، وهذه السياسة الإسرائيلية تعتمد في أساسياتها على:

-         إنهاء الاتفاق النووي الإيراني عبر إثبات انتهاك إيران له، وهو ما دعى نتنياهو منذ عدة أسابيع إلى عرض الانتهاكات المتكررة من جانب إيران للاتفاق النووي باستمرارها في مثل هذه الأنشطة.

-         التعاون مع الإدارة الأمريكية الجديدة، التي يتألفها معادون لإيران ومنتقدون بشدة لسياساتها، في محاولة تحجيم ومحاصرة الدول الإيراني في الشرق الأوسط.

-         محاولة كسب واستعداء الدول الأوروبية في مجملها ضد السياسات الإيرانية الإقليمية  والدولية.

-         تحجيم وإنهاء الدور الإيراني العسكري على الأراضي السورية، بشكل عام، وعلى حدود الجولان المحتل من قِبل إسرائيل بوجه خاص. وهذه النقطة على وجه التحديد تثير قلقاً إسرائيلياً من نوع خاص؛ إذ أن إسرائيل لا ترغب في أن تنشط قوات إيرانية فعلية، إلى جانب القوات الموالية لها والمدعومة منها مثل حزب الله اللبناني، بالقرب من الحدود الإسرائيلية.

    وانطلاقاً من هذه النقاط سالفة الذكر، جاءت زيارة نتنياهو إلى الدول الأوروبية الكبرى الثلاث، ألمانيا وفرنسا وبريطانيا؛ محاولاً كسب أصوات جديدة في سعيه لحشد القوى الدولية ضد إيران.

هل فشلت زيارة نتنياهو للدول الأوروبية؟

    بدأت زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الدول الأوروبية في الرابع من يونيو الجاري. ويهدف نتنياهو من وراء هذه الزيارة إلى الالتقاء بالمستشارة الألمانية انجيلا مركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وكذلك برئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي.

    ويُعد الاتفاق النووي الإيراني ودور إيران في الاضطرابات المختلفة في منطقة الشرق الأوسط إحدى أهم نقاط الاجتماعات ما بين نتنياهو وقادة الدول الأوروبية. وكان نتنياهو قد قال مسبقاً قبيل بدء هذه الزيارات "غداً أسافر أوروبا للقاء انجيلا ميركل وإيمانويل ماكرون وتريزا ماي، وسأناقش معهم التطورات الإقليمية إلا أنني سأؤكد خلال هذه اللقاءات على ضرورة وقف الإجراءات التي تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي".

   وأورد نتنياهو أن ثاني الموضوعات التي تأتي على رأس محادثاته مع الدول الأوروبية هي وقف الدور الإيراني المسبب للقلاقل والاضطرابات في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة في سوريا. إلا أن نتنياهو أكد على أن في اجتماعاته على أن مفاوضاته مع الزعماء الأوروبيين ستركز على "إيران وإيران"، وخاصة مسألة الضغط على إيران فيما يتعلق ببرنامجها النووي.

   ومن ناحية أخرى، لم تلق زيارات نتنياهو إلى الدول الأوروبية الثلاث قبولاً داخلياً أو نجاحاً كما كان يتوقعه نتنياهو، حيث:

أولاً: قوبلت زيارة نتنياهو إلى الدول الأوروبية باعتراض واحتجاجات من قِبل بعض المواطنين الأوروبيين في الدول التي قام نتنياهو بزيارتها. فعلى سبيل المثال، تظاهر عددٌ من الأشخاص أمام مقر البرلمان الألماني  منددين بزيارة نتنياهو.

     كما تظاهر آخرون في مناطق مختلفة بفرنسا، مثل ساحة الانفاليد التي تجمّع فيها حوالي 300 فرد منددين بزيارة نتنياهو، وكذلك تجمعت آخرون في مدينة مارسيليا وفي مدينة سانت إتيان التي احتج فيها نحو 200 شخص إلى جانب مدن أخرى داخل فرنسا. وندد كثيرٌ من هؤلاء المتظاهرون بسياسات الاحتلال الإسرائيلي داخل الأراضي الفلسطينية.

ثانياً: على الرغم من أن الأطراف والدول الأوروبية الثلاث قد اتفقت مع نتنياهو على أن خطورة أنشطة إيران داخل المنطقة، وكذلك على خطورة البرنامج النووي الإيراني والملفات المماثلة له، إلا أن جميع هذه الأطراف اتفقت من ناحية أخرى على الاستمرار في الاتفاقية النووية الإيرانية.

    فقد أكدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل خلال لقائها مع نتنياهو على أن أنشطة إيران في منطقة الشرق الأوسط مصدر توتر إلا أنها قالت من ناحية أخرى إن بلادها ستحترم الاتفاق النووي مع إيران.

    ومن جانبه، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على تمسك الأوروبيين بالاتفاق النووي، محذراً في الوقت نفسه من التصعيد الإيراني الإسرائيلي في المنطقة. وفي الوقت نفسه، دعا إيمانويل ماكرون إلى الحوار مع إيران حول أنشطتها الباليستية والإقليمية. ولم تختلف رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي عن ميركل وماكرون في التأكيد من جانبها على الالتزام بالاتفاق النووي الإيراني.

   وبناءً على ما تقدّم، يمكن القول إن زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو إلى الدول الأوروبية، والتي كانت تسعى إلى حشد المزيد من الدول ضد إيران، لم تلق نجاحاً فيما عدا التأكيد من جانب هذه الدول على خطورة الأنشطة الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط وأن إيران سبب للتوترات والقلاقل في المنطقة، والتي أهمها التوترات الطائفية. وتبعث نتائج زيارة نتنياهو، من ناحية أخرى، بتساؤل حول أسباب هذه الرغبة والميل الأوروبي للبقاء في الاتفاقية النووية.

أسباب بقاء الدول الأوروبية الكبرى في الاتفاق النووي الإيراني :

منذ مجيء إدارة الرئيس الأمريكي الجديد، دونالد ترامب، العام الماضي، وبدء حديثه حول رغبته في الخروج من الاتفاق النووي الإيراني، الذي وصفه في أكتوبر الماضي بأنه أسوأ اتفاق وقعت عليه الولايات المتحدة في التاريخ، تعالت واتضحت شيئاً فشيئاً الأصواتُ الأوروبية الداعية إلى الحفاظ على الاتفاق النووي وعدم الخروج منه.

                ويرتبط فشل زيارة نتنياهو إلى الدول الأوروبية ارتباطاً وثيقاً برغبة هذه الدول في الحفاظ مصالحها الاقتصادية في الشرق الأوسط بوجه عام وفي إيران بوجه خاص، وذلك على النحو التالي:

                ترغب الدول الأوروبية في حفظ عملية الاستقرار بالمنطقة إلى حد كبير؛ وذلك لاستمرار الحفاظ على مصالحها الاقتصادية داخل هذه المنطقة. تلك المصالح التي تأخذ شكل استثمارات بمبالغ كبيرة وضخ أموال لشركات أوروبية ألمانية وبريطانية وفرنسية وغيرهم في هذه المنطقة. لذا، فإذا كانت الدول الأوروبية ترغب في الحفاظ على استمرار عمل هذه الشركات وجريان تلك الاستثمارات، فمن الضروري لها أن تدفع باتجاه الحفاظ على استقرار هذه المنطقة.

                 أما بالنسبة لإيران، فقد تدفقت العديد والعديد من الشركات الأوروبية للعمل والاستثمار بشكل عام في إيران بعد التوصل للاتفاق النووي عام 2015. فقد كانت تلك الدول، وهذه الشركات، تتوقع، على ما يبدو، استقراراً كبيراً في المشهد الداخلي والإقليمي وكذلك العلاقات الأمريكية الإيرانية بعد سريان هذه الاتفاقية.

 ومن الشركات التي تحتفظ باستثمارات داخلية بإيران شركة إيرباص وبوينج وتوتال الفرنسية، أليانز الألمانية، ودانييلي تشينا الإيطالية، وغيرهم من الشركات التي اضطرت بعضها بالفعل إلى اتخاذ قرار بمغادرة السوق الإيراني مثل شركة توتال وبوينج مؤخراً، وذلك  بعد توتر المشهد الإيراني الأمريكي وبدء فرض عقوبات جديدة على إيران تخشي هذه الشركات أن يطالها منها شيء. 

 مستقبل الاتفاق النووي في ضوء خروج الشركات الأجنبية من السوق الإيراني

                وأخيراً، بات أمراً واقعاً ومسلماً به أن الشركات الأوروبية بدأت في الخروج من السوق الإيراني واحدة تلو الأخرى، كالشركتين سالفتي الذكر. ومن المتوقع أن يعمل فرض مزيد من العقوبات الأمريكية على النظام والاقتصاد الإيراني في المستقبل على دفع الشركات الأوروبية الأخرى إلى الخروج من السوق الإيراني وهو ما يعني "موت الاتفاق النووي" ذاتياً؛ ذلك لأن أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت النظام الإيراني قبل عام 2015 إلى الدخول في مثل هذه الاتفاقية كان العامل الاقتصادي وإمكان فتح السوق الإيراني.  

                فقد كان للعقوبات الأمريكية والدولية الأخرى بالغ الأثر في دفع النظام الإيراني باتجاه التوقيع على مثل هذه الاتفاقية، إلا أن خروج رؤوس الأموال الأجنبية تدريجياً من إيران سيعنى على الجانب الآخر أن الاتفاق النووي بدأ يفقد الميزة والثمرة الأساسية التي كان يتوقعها النظام الإيراني أن يحصدها منه، ألا وهي الثمرة الاقتصادية.

ولذا، فليس مستغرباً أن نرى علي خامنئي يأمر الوكالة الإيرانية للطاقة الذرية بإعادة العمل والتشغيل بسرعة أكبر، وهو ما أكد عليه على أكبر صالحي، رئيس هذه الوكالة يوم 7 يونيو الجاري. وعليه، فإذا استمر خروج الشركات الأجنبية من السوق الإيراني فمن المتوقع أن يشاهد الجميع نهاية الاتفاق النووي، وربما يكون القائم بهذا المشهد هو الجانب الإيراني نفسه.

شارك