تقييم أداء الإعلام المصري في ظل الهيئات الإعلامية الثلاث ونقابة الإعلاميين

الأحد 10/يونيو/2018 - 04:21 ص
طباعة تقييم أداء الإعلام
 
د. شريف درويش اللبان

نص الدستور المصري الصادر في  يناير 2014، على تشكيل ثلاث هيئات مستقلة لتنظيم أوضاع الإعلام والارتقاء به، ومنع الاحتكار وتنظيم منح الرخص وإدارة إعلام الدولة، وفي يونيو 2016 صدر القانون التأسيسي لهذه الهيئات الثلاث ممثلة في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئة الوطنية للإعلام والهيئة الوطنية للصحافة، ليعقب ذلك صدور القرارات الرئاسية بالتشكيل في أبريل 2017 وهو العام نفسه الذي شهد تشكيل اللجنة التأسيسية لنقابة الإعلاميين.

ومع اكتمال التأسيس القانوني للمؤسسات التنظيمية للإعلام في مصر، يبدو أن أداءها لازال محل جدل يستدعي التقييم، وهو ما نتناوله عبر محاور ثلاثة رئيسة: يعرض الأول لتشكيل هذه الهيئات وتنظيمها، فيما يحلل الثاني أداءها والإشكاليات التي تعترض عملها، ويستعرض الثالث غياب التغطية الإعلامية لما يحدث في سيناء وعدم وجود استراتيجية إعلامية لمكافحة الإرهاب.

أولاً – المجالس المنظمة للإعلام وطبيعة عملها:

شهد العام 2017 إصدار قرارات تشكيل المؤسسات التنظيمية الثلاث التي نص عليها الدستور، وتشمل:

المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والذي يضطلع بمهام التنظيم العليا وكذلك ضمان وحماية حرية الصحافة والإعلام ووضع القواعد والمعايير الضابطة للأداء الاعلامي والإعلاني وضمان تطبيقها.

الهيئة الوطنية للصحافة، والمسؤولة عن إدارة المؤسسات الصحفية المملوكة للدولة وتعيين رؤساء المؤسسات الصحفية القومية ومطبوعاتها.

الهيئة الوطنية للإعلام، وتختص بالإعلام المرئي والمسموع ومن وظائفها إدارة المؤسسات الإعلامية المملوكة للدولة وضمان التزام تلك المؤسسات الاعلامية بمقتضيات الأمن القومي.

كما شهد العام 2017 أيضًا تأسيس نقابة الإعلاميين.

(1) المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام:

على الرغم من وضع مشروع قانون الإعلام الموحد، والسعي لوضع إطار تشريعي واحد للإعلام في مصر، إلا أن عام 2016 شهد طُروحات بشأن تشكيل المجالس الإعلامية أولاً واستباقًا لوضع الأُطر القانونية الإعلامية، وفي نوفمبر 2016  كشف عدد من أعضاء مجلس النواب عن الاتجاه لفصل قانون الاعلام الموحد وأخذ الفصول والاختصاصات المتواجدة فيه بخصوص الهيئات التنظيمية وإصدارها في قانون مستقل.

وبالفعل قدمت الحكومة للبرلمان مشروع "قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام"، والذي يضع المؤسسات الصحفية والإعلامية تحت السيطرة الكاملة للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وهيئتيْ الصحافة والإعلام، لتشهد الشهور الأولى من 2017 خلافات وصراعات داخل نقابة الصحفيين ونقابة الإعلاميين بشأن الشخصيات المرشحة لعضوية المجلس وهيئتيه الفرعيتيْن.

وفي 11 أبريل 2017، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسى القرارات الجمهورية 158 و159 و160 بتشكيل "المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام" و"الهيئة الوطنية للصحافة" و"الهيئة الوطنية للإعلام" وذلك طبقًا لنصوص ومواد القانون ٩٢ لسنة ٢٠١٦ الخاص بتأسيس الهيئات الإعلامية الوطنية، وتعيين مكرم محمد أحمد رئيسًا للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وحسين زين للهيئة الوطنية للإعلام وكرم جبر للهيئة الوطنية للصحافة.

يعرف المجلس نفسه واختصاصاته بأنه:

-       السلطة المختصة فى مصر بحماية الرأى والفكر والتعبير وضمان إستقلال الاعلام طبقًا لنصوص الدستور والقانون.

-       يتولى منح تراخيص العمل الاعلامى ووضع المعايير وتقييم الأداء.

-       يتمتع بالاستقلالية التامة في كل شئونه بنص القانون وبحكم تكوينه من ممثلين عن الكيانات الإعلامية والشعبية المنتخبة والعلمية المتخصصة.

ولدى المجلس عدة أدوار واختصاصات من بينها القيام ببعض مهام وزارة الإعلام سابقًا، ومن ضمن هذه الاختصاصات التي حددها قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام، إبداء الرأي في مشروعات القوانين واللوائح المتعلقة بمجال عمل المجلس، وتلقي الإخطارات بإنشاء الصحف ومنح التراخيص اللازمة لإنشاء وسائل الإعلام المسموع والمرئي والرقمي وتشغيلها، ووضع وتطبيق الضوابط والمعايير اللازمة لضمان التزام الوسائل والمؤسسات الإعلامية والصحفية بأصول المهنة وأخلاقياتها، وكذلك وضع القواعد والمعايير المهنية الضابطة للأداء الصحفي والإعلامي والإعلاني بالاشتراك مع النقابة المعنية.

ومن ضمن اختصاصات المجلس أيضًا، تلقي وفحص شكاوى ذوي الشأن عما يُنشر بالصحف أو يُبث بوسائل الإعلام، ويكون منطويًا على مساس بسمعة الأفراد أو تعرض لحياتهم الخاصة، وله اتخاذ الإجراءات المناسبة تجاه الصحيفة أو الوسيلة الإعلامية في حال مخالفتها للقانون أو لمواثيق الشرف، وله إحالة الصحفي أو الإعلامي إلى النقابة المعنية لمساءلته في حال توافر الدلائل الكافية على صحة ما جاء في الشكوى ضده، وكذلك وضع وتطبيق القواعد والضوابط التي تضمن حماية حقوق الجمهور وضمان جودة الخدمات التي تقدم له.

أحد مهام المجلس أيضًا منح التصاريح لممثلي الصحف ووكالات الأنباء ووسائل الإعلام الأجنبية بالعمل في جمهورية مصر العربية، وكذلك الترخيص لشركات إعادة البث من مصر، وغيرها من الاختصاصات والمهام.

كما خصص المجلس رقم "واتس آب" واستمارة على موقعه الإلكتروني لتلقي الشكاوى، وهو ما يعكس دوره في ضبط الأداء الإعلامي، وفي رمضان الماضي أعلن المجلس عن تلقيه 70 شكوى على مدار 20 يومًا تعكس غضب الجمهور من بعض الأعمال الرمضانية التى وصفتها إحدى الرسائل بـ«المسلسلات المهزلة فى رمضان» لتضمنها «العرى والبلطجة والألفاظ البذيئة»، كما تضمنت الرسائل هجومًا على الإعلامييْن وائل الإبراشى وعمرو أديب، باعتبارهما «ضد الدولة» حسب الشكاوى، فضلاً عن اتهام إسلام بحيرى بازدراء الدين الإسلامي.

 (2) الهيئة الوطنية للإعلام:

تهدف "الهيئة الوطنية للإعلام" إلى إدارة المؤسسات الإعلامية المملوكة للدولة لتقديم خدمات البث والإنتاج التلفزيوني والإذاعي والرقمي والصحفي والخدمات الهندسية المتعلقة بها وحدد القانون صلاحياتها وأهدافها في:

-       تنمية أصول المؤسسات الإعلامية المملوكة للدولة وضمان استقلالها وحيادها التزامها بأداء مهني وإداري رشيد.

-       ضمان التزام المؤسسات الإعلامية المملوكة للدولة بمقتضيات الأمن القومي.

-       العمل على وصول خدمات المؤسسات الإعلامية المملوكة للدولة إلى جميع مناطق الجمهورية بشكل عادل.

-       حماية حق المستهلك في الحصول على خدمات إعلامية بأجود المعايير وأفضل الشروط.

-       ضمان التزام المؤسسات الإعلامية المملوكة للدولة بتطبيق معايير وضوابط المحتوى الإعلامي التي يضعها المجلس الاعلى .

-       وضع وتنفيذ الخطط والبرامج وقواعد وأساليب الإدارة التي تتفق ونشاطها طبقا لأحكام هذا القانون والقرارات الصادرة تنفيذا له.

-       إجراء البحوث واستطلاعات الرأي التي تستهدف تقييم وتطوير البرامج.

-       إعداد الدراسات اللازمة والتعرف على أفضل الممارسات في مجال إعداد معايير وسياسات التحرير والتي تشمل الأطر الإرشادية للمحتوى الإذاعي والمرئي والمواصفات الفنية وطرق الإنتاج ومتطلبات جودة الصوت والصورة، ومتطلبات إخراج العمل المرئي أو الإذاعي.

-       إعداد الدراسات والإحصائيات الخاصة باحتياجات الأسواق الخارجية من انتاج المؤسسات الإعلامية المملوكة للدولة، وإعداد الدراسات والتحليلات البيانية وتنظيم أعمال الدعاية والإعلان التي تخدم تسويق هذا الإنتاج.

-       التعاون مع المنظمات والجهات الوطنية والإقليمية والدولية المعنية بأهداف واختصاصات الهيئة.

-       المشاركة ضمن الوفود المصرية في المحافل الوطنية والإقليمية والدولية.

-       تأسيس شركات مساهمة بمفردها أو مع شركاء آخرين في المجالات المتصلة بأغراضها وفقا للقانون المنظم لإنشاء الشركات.

-       شراء الشركات أو إدماج شركاتها في غيرها أو الدخول في مشروعات مشتركة مع الجهات التي تزاول أعمالا مشابهة لأعمالها أو التي قد تعاونها على تحقيق أهدافها سواء داخل مصر أو خارجها.

-       استثمار أموالها في الأوجه التي تتفق مع أهدافها.

-       إنشاء مراكز التدريب لإعداد الكوادر الإعلامية والعاملين وتنمية مهاراتهم في مختلف فروع العمل وتشجيع البحوث والدراسات العلمية.

-       إصدار المطبوعات والدوريات التي تعبر عن أهدافها.

(3) الهيئة الوطنية للصحافة:

حدد القانون اختصاصات "الهيئة الوطنية للصحافة" في:

-       إبداء الرأى فى مشروعات القوانين واللوائح المتعلقة بمجال عملها.

-       الرقابة على الأداء الاقتصادى والإدارى للمؤسسات الصحفية القومية، والإشراف عليه من خلال آليات علمية للرصد والمتابعة والتقويم، وذلك فى ضوء السياسات والخطط الاقتصادية التى تضعها المؤسسات، وتوافق عليها الهيئة.

-       إقرار برامج التعاون والشراكة بين المؤسسات الصحفية القومية، والمؤسسات الصحفية الأخرى، والمؤسسات غير الصحفية ذات الصلة بعملها.

-       تعيين رؤساء مجالس إدارات المؤسسات الصحفية القومية ورؤساء تحرير المطبوعات الصادرة عنها، والعدد المقرر تعيينه بمجالس الإدارة والجمعيات العمومية.

-       مساءلة القيادة الإدارية والتحريرية للمؤسسات القومية فى حالة ثبوت خلل أو تعثر فى الأداء طبقا للخطة المعتمدة، وذلك كله وفقا للقواعد والشروط التى تضعها الهيئة فى هذا الشأن.

-       وضع اللوائح والنظم والمعايير لتقويم الأداء، واللوائح الداخلية والمالية والإدارية، ولوائح شؤون العاملين بالهيئة دون التقيد بالقواعد والنظم الحكومية، ووضع حد أدنى وأقصى لأجور الصحفيين والإداريين والعاملين بالمؤسسات الصحفية القومية.

-       إجراء تقويم دورى شامل لكل إدارات المؤسسات الصحفية وإصداراتها، واتخاذ إجراءات التصويت اللازمة.

-       تلقى التقارير ربع السنوية من المؤسسات الصحفية القومية حول الأداء الاقتصادى والمالى للمؤسسة لمناقشتها وإقرارها، وتلقى التقارير النهائية للجهاز المركزى للمحاسبات، واتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنها، وتلقى محاضر اجتماعات مجالس الإدارة، والجمعيات العمومية بالمؤسسات الصحفية القومية، وذلك لاعتمادها خلال أسبوعين من انعقادها.

-       اعتماد أسعار الإعلانات، وأسعار بيع الصحف والمجلات الصادرة عن المؤسسات الصحفية القومية.

-       التوفيق فى المنازعات التى تنشأ فيما بين المؤسسات الصحفية القومية، والمنازعات التى تنشأ بينها وبين غيرها.

-       وضع قواعد إجراء انتخابات أعضاء مجالس الإدارة والجمعيات العمومية للمؤسسات الصحفية القومية، والدعوة إليها فى المواعيد المقررة، والإشراف عليها وفق أحكام القانون.

-       اعتماد الهيكل التنظيمى والإدارى للمؤسسات الصحفية.

-       قبول المنح والهبات والتبرعات والوصايا.

-       الموافقة على القروض اللازمة لتمويل أعمال الهيئة.

-       الموافقة للمؤسسات الصحفية القومية على تأسيس شركات لمباشرة أنشطة اقتصادية أو استثمارية لا تتعارض مع أغراضها، وعلى الأخص ما يتعلق بالنشر، أو الإعلان، أو الطباعة، أو التوزيع، أو التصدير، أو الاستيراد أو الإنتاج الإعلامى بأشكاله كافة، وذلك كله وفقا للقوانين واللوائح المنظمة.

-       إصدار قرارات مد السن للصحفيين واعتماد قرارات مجالس إدارة المؤسسات الصحفية القومية بمد السن بالنسبة للإداريين والعمال إذا اقتضت حاجة العمل.

-       تشكيل لجان لتقصى الحقائق بناء على طلب الجمعيات العمومية للمؤسسات الصحفية القومية.

-       تلقى اللوائح الداخلية والمالية والإدارية ولوائح شؤون العاملين بالمؤسسات الصحفية القومية وموازناتها وحساباتها الختامية.

-       تحديد البدلات التى يتقاضاها رؤساء وأعضاء مجالس إدارة وأعضاء الجمعيات العمومية للمؤسسات الصحفية القومية.

-       تلقى قرارات تشكيل مجالس تحرير المؤسسات الصحفية القومية.

-       النظر فيما يرى رئيس الهيئة أو الأمين العام عرضه على المجلس.

 (4) نقابة الإعلاميين:

بعد جدال استمر لأعوام بشأن قانون نقابة الإعلاميين وتنظيم صلاحياتها وقواعد الانضمام إليها، وافق مجلس النواب فى جلسته العامة في 14 ديسمبر 2016، على مشروع قانون نقابة الإعلاميين، المقدم من الحكومة، بواقع 89 مادة فى 8 فصول، من حيث المبدأ، مع تشكيل لجنة مؤقتة من 11 عضوًا من ذوى الخبرة من العاملين فى المجال الإعلامى العام والخاص تتولى مباشرة إجراءات تأسيس نقابة الإعلاميين بما فى ذلك فتح باب القيد والتحقيق من توافر شروط العضوية المنصوص عليها فى القانون المرافق، ويكون للجنة رئيس ووكيلان وأمين صندوق يحددهم القرار الصادر بتشكيلها، ولا يجوز لأعضاء هذه اللجنة المؤقتة الترشح لعضوية أو مجلس نقابة للإعلاميين.

واصدر مجلس النواب قانون النقابة بشكل نهائي في 19 ديسمبر 2016، وأقره رئيس الجمهورية عبدالفتاح السيسي في 6 يناير 2017، وحدد القانون اشتراطات الانضمام إليها، كما حدد صلاحياتها في:

-         رعاية مصالح أعضاء النقابة، وتقديم الخدمات المختلفة لهم.

-         وضع الضوابط اللازمة بالاشتراك مع جهات الانتاج لتشغيل الإعلامى وفى ظروف مهنية مناسبة، واعتماد عقود العمل الملزمة، التى تحددها اللوائح الداخلية بمراعاة أحكام التشريعات ذات الصلة.

-         توثيق العلاقات والتعاون مع مؤسسات المجتمع المدنى والنقابات المهنية والمنظمات ذات الصلة بأهداف النقابة وتنظيم وحضور المؤتمرات المحلية والإقليمية والدولية.

-         حماية حقوق الإعلاميين فى الملكية الفكرية، وضمان حصولهم على هذه الحقوق داخل جمهورية مصر العربية وخارجها، والتعاون مع كافة المؤسسات الدولية والجمعيات التى تؤمن هذه الحقوق وفقاً للقواعد فى هذا الشأن.

-         وضع وتطبيق الضوابط اللازمة لممارسة الإعلامى لمهنته، بالاشتراك مع المجلس الأعلى للإعلام.

وعلى الرغم من صدور القانون في بداية العام، إلا أن الأمر استغرق نحو ثلاثة شهور حتى أصدر رئيس الوزراء قرارًا بتشكيل اللجنة التأسيسية، برئاسة الإعلامي حمدي الكنيسي، والتي ظلت تعمل لشهور دون مقر، رغم مباشرتها أعمال وضع ميثاق للشرف الإعلامي وتوزيع استمارات العضوية وقيامها بإرسال مرشحى النقابة للمجلس الأعلى لتنظيم الاعلام والهيئة الوطنية للاعلام وتشكيل اللجان النوعية، إلا أنه لم تُجْرَ حتى كتابة هذا التقرير انتخابات النقابة لتشكيل مجلسها المنتخب ومزاولة عملها بشكل طبيعي، وليستمر وضعها محل جدال لاسيما في ظل بطء إجراءات تشكيلها وعدم وضوح إجراءاتها فضًلا عن معضلات تفعيل قراراتها.

وقد عزى مجلس النقابة التأسيسي هذا البطء لغياب الدعم المالي الحكومي وصرح رئيس اللجنة "حمدي الكنيسي في أكتوبر 2017 أن النقابة فى انتظار الدعم المالى من الحكومة، للانتهاء من تجهيز مقر النقابة، حتى تبدأ النقابة أعمالها فى المقر.

ثانيًا – تقييم أداء الهيئات التنظيمية الثلاث:

على الرغم من حداثة عهد المؤسسات التنظيمية للإعلام في مصر، إلا أن الشهور الأخيرة شهدت جدالاً بشأن أداء تلك الهيئات والتنسيق فيما بينها والأطر القانونية المنظمة لعملها وهو ما يُلقي الضوء على مجموعة من الاعتبارات المتعلقة بتقييم أداء هذه المؤسسات.

(1)  عدم إقرار قانون تنظيم الصحافة والإعلام:

تعمل المؤسسات الثلاث بنص "قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام" المضطلع بتحديد تشكيلها وصلاحياتها، إلا إننا لازلنا في انتظار إصدار "قانون تنظيم الصحافة والإعلام" من قبل مجلس النواب، إذ أن عدم صدروه يجعل هذه المؤسسات تعمل فعليًا دون إطار قانوني واضح للقضايا والكيانات والمجالات محل إشرافها.

ورغم تسلم الهيئات الإعلامية الثلاث مشروع "قانون تنظيم الصحافة والإعلام" من مجلس النواب في أبريل 2017 عقب تشكيلها بأيام وعقد اجتماعات تالية لمناقشته، إلا أن القانون لم يصدر خلال 12 شهرًا كاملاً، رغم أنه كان الأولوية الأولى لعمل الهيئات الإعلامية.

ولا تكمن المشكلة في غياب هذا الإطار القانوني في شكل قانون مستقل أو على الأقل لائحة تنفيذية للقانون التأسيسي للهيئات التنظيمية، وإنما في تجاهل مشروع "قانون الإعلام الموحد" الذي سبق أن أعدته طاللجنة الوطنية للتشريعات الصحفية والإعلامية على مدار 24 شهرًا، وبعد أن قام ممثلوها بالتشاور مع لجنة حكومية شكلها رئيس مجلس الوزراء السابق المهندس إبراهيم محلب. وترأس هذه اللجنة الدكتور أشرف العربى وزير التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري، وضمت عديدًا من القامات القانونية والإعلامية والإدارية المتخصصة، كان من بينهم الدكتور على عبدالعال الخبير القانونى قبل أن يترأس مجلس النواب، ورغم تحفظاتنا على هذا المشروع، إلا أنه كان يمكن أن يكون محل نقاش مجتمعي لتعديله من قبل أصحاب لمهنة والهيئات الثلاث وعرضه على مجلس النواب.

(2)  تضارب وعدم وضوح الصلاحيات:

فرغم أهمية عدم استئثار جهة وحيدة بشؤون الإعلام في مصر، إلا أن غياب اللائحة التنفيذية وعدم صدور قانون للصحافة والإعلام ، أديا إلى حالة من تضارب الصلاحيات انعكست في شيوع الارتباك مع كل حدث جلل يثيره الرأي العام المصري، أو أثناء التعاطي مع بعض القضايا المتعلقة بضبط الأداء الإعلامي، حيث تتداخل الصلاحيات وتتضارب الاختصاصات، وتبدو كأن هناك حالة من الصراع وليس التنسيق تسود بين المؤسسات المسئولة عن تنظيم الإعلام في مصر، هذا بخلاف التراشق الإعلامي بين الأطراف التنظيمية المختلفة.

فلم تمر سوى أيام قليلة على إعلان تشكيل الهيئات الإعلامية الثلاث المعنية بكل ما يخص الإعلام والصحافة فى مصر، إلا وشهدت كواليسها واجتماعاتها كثيرًا من المفارقات والأزمات، والتضارب فى تصريحات أعضائها، والخلاف فيما بينهم على الصلاحيات والأدوار وحتى المقار.

واندلع صراع بين «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» برئاسة الكاتب الصحفى مكرم محمد أحمد، و«الهيئة الوطنية للإعلام» برئاسة حسين زين، على مقر وزارة الإعلام، حيث يرغب كل منهما فى تخصيص المقر لصالحه، وهو ما دفع «مكرم» لأن يشكو «زين» لرئيس الوزراء، وشدد على أن «مكتب وزير الإعلام من حقه».

ودخل الكيان الثالث المتمثل فى «الهيئة الوطنية للصحافة» على خط الصراع، وتحديدًا مع «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام»، وذلك حول اختيار رؤساء مجالس إدارات وتحرير الصحف القومية.

حيث قال مكرم محمد أحمد، رئيس «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» إن تغيير رؤساء مجالس إدارات وتحرير الصحف القومية لا يخص «الهيئة الوطنية للصحافة» فقط، بل إنه ضمن اختصاصات «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام»، مشيرًا إلى أن القانون نص على ذلك.

وتبدو الأمور أكثر هدوءًا بالنسبة للمؤسسات الخاصة بالصحافة والتي تتمتع بكيانات مستقلة منذ زمن ممثلة في نقابة الصحفيين والهيئة الوطنية للصحافة وريثة المجلس الأعلى للصحافة، ولكن تندلع الخلافات بين ورثة وزارة الإعلام ممثلين في الهيئة الوطنية للإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وبينهما نقابة الإعلاميين.

كما ظهرت تصريحات تعبر عن حالة من الامتعاض المكتوم بشأن سعي الهيئتيْن الوطنيتيْن للصحافة والإعلام في الاستقلال عن المجلس الأعلى أو على الأقل شعور هيئة المجلس بذلك، حيث فسر رئيس المجلس في مايو 2017 البنود القانونية المتعلقة باستقلال الهيئات الإعلامية والصحفية وفق القرار الصادر بها يعنى أنها مستقلة عن السلطة التنفيذية وليس استقلال تام لكل هيئة عن الهيئة الأخرى.

ولم يقتصر الأمر على التضارب بين الهيئات الوطنية فحسب، وإنما اندلعت ما يشبه الحرب الباردة بين "المجلس الأعلى للإعلام" و"نقابة الإعلاميين" وصلت لحد تصريح رئيس المجلس بأن قرارات اللجنة التأسيسية للنقابة "خاطئة" ورد رئيس اللجنة بأن معلوماته "غير دقيقة" وقرارت اللجنة من صلب القانون.

كما اتجه "المجلس الأعلى للإعلام" لعقد بعض الأنشطة التي تبدو من مجال اضطلاع الهيئات الأخرى أو من قبيل  العمل النقابي وليس التنظيمي، مثل منحة تدريب وتأهيل الكوادر الصحفية، من خلال بعثة دراسية مكونة من ٥٠ صحفيًا بالجامعة الأمريكية في القاهرة، وتزويدهم بأجهزة «لاب توب»، رغم اضطلاع نقابة الصحفيين بمثل تلك الأنشطة وصرف بدل شهري للتكنولوجيا للصحفيين كافة.

(3)  غياب خطة عمل مشتركة:

ولا يقتصر الأمر على استباق التنظيم القانوني بإنشاء الكيانات المؤسسية وعمل تلك المؤسسات دون إطار حاكم ومنضبط، وإنما امتد إلى غياب خطة عمل مشتركة بين الهيئات الثلاث إضافة إلى الهيئة العامة للاستعلامات، إذ كان من المفترض أن يكون هناك تنسيق بين الهيئات لوضع السياسات العامة للإعلام في مصر وخطة عمل مشتركة، ولاسيما فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب والفساد.

(4)  الفاعلية التنفيذية:

في خضم أزمة بث الإعلامي أحمد موسى لفيديو مفبرك عن حادث الواحات الإرهابي في أكتوبر الماضي، وعقد نقابة الإعلاميين اجتماعًا طارئًا أسفر عن قرار بإيقافه، إلا أن القرار لم يُفَعّل، وسط تضارب بين حق "المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام" في مساءلة المؤسسات الإعلامية المخالفة للقواعد المهنية، أو مساءلة الصحفيين والإعلاميين أنفسهم، والتي تعد من حق نقاباتهم المهنية، كما اتهم المجلس الأعلى اللجنة التأسيسية لنقابة الإعلاميين بأنه ليس من حقها وقف أي برنامج وبطلان قراراتها في هذا الشأن.

فقد أرسل "المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام" خطابًا لقناة "صدى البلد" لاستدعاء رئيسها، الذي أكد أن التسجيل الصوتي الذي أذيع مفبرك، وكذلك مدير القناة ومقدم البرنامح للاستماع إليهم من خلال تحقيق شامل، وبالفعل قدموا اعتذارًا للجمهور عن إذاعته، إلا أن قرار "نقابة الإعلاميين" بوقف أحمد موسى لم يفعل وظل الإعلامي مستمرًا في عمله، رغم تحقيقات المجلس الأعلى وقرار اللجنة التأسيسية للنقابة.

(5)  تعدد نسخ مواثيق الشرف الإعلامية وعدم تفعيلها:

شهد الإعلام المصري صدور نسخ متتالية من مواثيق الشرف الإعلامية وبعد تأسيس نقابة الإعلاميين أعلنت الأخيرة إنها بصدد وضع ميثاق جديد لم يعرض على الجمعية العامة للنقابة حتى الآن، كما لا يتضح كيفية تفعيله ومنع أن يؤول إلى مآل المواثيق السابقة التي غاب عنها التفعيل والإلزام.

(6)  حرية تداول المعلومات:

فيما يظل "قانون حرية تداول المعلومات" عالقًا في نطاق مناقشته وإقراره برلمانيًا، يبقى غياب المعلومات أحد أسباب الأخطاء والتجاوزات المهنية السائدة، فعقب تجاوزات التغطية الإعلامية لحادث الواحات الإرهابي، صرح رئيس "المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام" مكرم محمد أحمد بأن "غياب المعلومات ونقصها ساهم في ظهور أصحاب المصلحة ليملئوا هذا الفراغ، وأن تأخر المعلومات من الجهة الرسمية، أسفر عن خروقات كبيرة لعدد من المواقع الإخبارية والفضائيات، في تناول المعلومات المسربة وغير الدقيقة، واعتماد البعض على المصادر المجهلة، واعتبار مواقع التواصل الاجتماعي مصدرًا للمعلومة".

ورغم تلك التصريحات فإن اتهامات تشير إلى المجلس نفسه بالتسبب في تأخر صدور القانون، خاصة وأن رئيسه أعلن بالفعل في نوفمبر 2017 أن المجلس انتهى بالفعل من وضعه واعتزام طرحه للحوار المجتمعي خلال ثلاث جلسات في ٣ صحف قومية، ليعود مجددًا إلى "المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام" لمناقشة ملاحظات الصحفيين والمجتمع على مواده قبل أن يُرسل إلى مجلس النواب لمناقشته، إلا أن شيئًا من ذلك لم يحدث وسط شكوك بشأن إقرار القانون أو على الأقل طرحه خلال الدورة الحالية للبرلمان.

وعلى جانب آخر، تبدو التسريبات المتعلقة بالقانون مثيرة للقلق حيث تم الحديث عن حظره نشر بعض البيانات مثل المنشآت التجارية وسط تضارب بشأن إنشاء مفوضية عليا يشكلها "المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام" لتنفيذ القانون، وهي التسريبات التي لم تكشف عن بنود القانون بوضوح أو طرحه للنقاش المجتمعي.

(7)  التوازن بين التنظيم وصيانة الحريات:

يواجه "المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام" اتهامات بأنه جاء ليقيد حرية الإعلام والصحافة لا ليضبط الأداء وخاصة بعد إصدار عدد من القرارات بحق عدد من البرامج، كما يتخوف البعض من أن هذه الهيئات الجديدة قد تفرض هيمنة الدولة على النشاط الإعلامي المحلي والتضييق على مساحة الحرية فيها، خاصة مع إعلان رئيس "المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام"، تأييده لقرار حجب المواقع الإخبارية التى تهدد الأمن القومى، مع عدم تحديد واضح لمفهوم الأمن القومي.

كما اتخذ المجلس تحركات ضد برامج وقنوات مثل إعلانه في مايو الماضي عن استيائه البالغ من التقرير الذى بثته إحدى القنوات الفضائية، وتضمن إساءة إلى وحدة الوطن وسلامة نسيج الأمة المصرية، كما أرسل خطابًا إلى قناة "دريم" الفضائية يطالبها بالرد على الشكوى المقدمة من رئيس محكمة الاستئناف ضد برنامج العاشرة مساءً الذى يقدمه الإعلامى وائل الإبراشى، وأعلن أحد أعضاء المجلس عن تشكيل المرصد الإعلامى لمتابعة جميع ما يذاع فى وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، وسط مخاوف من فرض الهيمنة الرقابية.

كما تم إصدار تقارير إعلامية لمحتوى إعلانات ومسلسلات وعدد من برامج رمضان وعدد من البرامج الحوارية والإعلان عن غرامة تصل إلى 150 ألف جنيه عن كل لفظ خارج بالأعمال الدرامية، فضلاً عن حجب مواقع إلكترونية ووقف إعلانات تلفزيونية ووقف طباعة عدديْن من صحيفة "البوابة" ووقف برامج أيضًا مثل "صح النوم" و"انفراد"، والتوصية بالتحقيق مع إعلاميين، ومنع ظهور بعض الشخصيات على الشاشة، وهو ما أضفى صبغة "أخلاقية" ورقابية على مهام المجلس وسط مخاوف على حرية الإبداع والإعلام تحت لافتات حماية الأخلاق تارة وحماية الأمن تارة أخرى.

ولم يقتصر الأمر على القنوات بل بدأ المجلس في تلقي شكاوى ضد صحف مثل "المصري اليوم" و"المقال"، فضلاً عن وقف شركة "إبسوس" للأبحاث والتشكيك في مصداقيتها واعتزام إنشاء مركز وطني لبحوث المشاهدة والرأي العام فيما بدا استحواذًا حكوميًا ليس فقط على سبل تنظيم وتقييم المؤسسات الإعلامية ولكن أيضًا البيانات والأرقام التي توصف ممارساتها وسلوك اتجاهات المواطنين.

(8)  الصمت إزاء اتجاه ملكية الإعلام الخاص نحو الاحتكار:

طرأت على الساحة الإعلامية تغيرات كثيرة باتجاه احتكار قنواته الخاصة، خاصة مع بروز اسم رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة في تملك صحف ومواقع وقنوات عديدة وما تردد حول احتكاره للسوق الإعلامية،  خاصة مع استحواذه على نسبة 51% من مجموعة "برزتنيشن" للتسويق والاعلام الرياضى، التى استحوذت هى الأخرى على قناة "الأهلي" الفضائية.

 كما سبق أن أعلن رجل الأعمال محمد الأمين، مالك قنوات "سي بي سي"، دمج قنواته مع شبكة تليفزيون "النهار" تحت كيان واحد،  فيما سبق أن أعلن نجيب ساويرس عن انطلاق مشروع جديد لمؤسسة "أونا" بقيادة الكاتب الصحفي مجدي الجلاد، والتي تضم تحت مظلتها "موقع "مصراوي" وجريدة "فيتو" وموقع "يلا كورة"، ومركز تدريب "أونا الأكاديمي" في مؤسسة إعلامية واحدة.

 ومع تشكيل الكيانات التنظيمية الجديدة لم يصدر أي تعليق بشأن دورها في مواجهة الاحتكار، وتمحورت تصريحاتها حول انضباط الأداء والجوانب الفنية المتعلقة بتقديم المحتوى فيما غاب الحديث عن هذا العنصر والاقتصار على الجوانب المؤسسية للإعلام الحكومي فقط.

(9)  تأثير الطابع الشخصي:

ظهرت بعض الخلافات المتعلقة بالهيئات التنظيمية الثلاث بدت كما لو أن لها أبعاد شخصية وخلفيات في العلاقات بين القائمين على تلك الهيئات بما يؤثر على حيدتها ودورها كمؤسسات تنظيمية عليا؛ فبعد أيام قليلة من تشكيلها، وإلى جانب أزمة «المقر» بين "رئيس الهيئة الوطنية للإعلام" ورئيس "المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام"، تجاهل الأول دعوة المخرج شكرى أبوعميرة، عضو الهيئة، للحضور، وهو ما أرجعته تقارير صحفية إلى وجود خلافات سابقة بين «أبوعميرة» و«حسين زين»، بسبب كثرة ظهور المخرج الإعلامى وتصريحاته الدائمة التى تنتقد أداء قيادات «ماسبيرو». وحسب المصادر ذاتها، فإن جلسة جمعت بينهما  تم خلالها تصفية الأمور بينهما، وطلب «زين» من «أبوعميرة» الإقلال من الظهور الإعلامى وإطلاق التصريحات الصحفية، معتبرًا أن ذلك ليس فى صالح أعضاء الهيئة.

كما سبق أن أصدر رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام"  أيضًا تصريحًا غامضًا في مايو 2017 بشأن ترحيبه الضمني باستقالة رئيس مجلس إدارة "الأهرام" أحمد السيد النجار قائلاً إنها وفرت عليه وعلى "الأهرام" "متاعب كثيرة"، وهو التصريح الذي بدا ذا طابع شخصي و"غير مناسب" من رئيس أعلى هيئة تنظيمية للإعلام في مصر. كما طالب في أكتوبر بعدم ارتداء الصحفيين "بنطلون مقطع" بعد زيادة البدل، وهو ما يثير الاستغراب بشأن انضباط التصريحات الصادرة عن رئيس المجلس الأعلى.

شارك