دور المراكز البحثية الأمريكية في عملية صنع القرار السياسي: دراسة حالة "مؤسسة راند"

الجمعة 22/يونيو/2018 - 04:34 ص
طباعة دور المراكز البحثية
 
علاء إبراهيم رجب

مقدمة:

حظيت مراكز الأبحاث باهتمام واسع المدي والنطاق وبشكل كبير في العقود الأخيرة من القرن العشرين حيث باتت تمثل أحد البدائل المهمة في عملية تطورالدولة وتقييمها للبحث العلمي واستشرافها آفاق المستقبل العلمي وذلك وفقاً للمنظور العلمي المعرفي لتطور المجتمعات الإنسانية عموما، وقد أصبح للمراكز البحثية دوراَ هاما ورائداَ في قيادة السياسات العالمية مؤخراَ، وصارت أداة رئيسية لانتاج العديد من المشاريع الاستراتيجية الفعالة، كما أصبحت جزء لا يتجزأ من المشهد السياسي التنموي في العديد من البلدان المتقدمة، كما أنها ارتقت إلي مكانة أصبحت فيها أحد الفاعلين الرئيسيين في رسم التوجهات السياسية الاجتماعية والاقتصادية والتربوية للدول وأحد المؤثرين فيها.(1)

وعليه، فإن مؤسسات الفكر والرأي رسمت دوراَ محوريا في صياغة السياسة الخارجية للدول المتقدمة بشكل عام والولايات المتحدة علي وجه الخصوص، وقد كان لهذه المؤسسات دوراَ رائداَ في كثير من قضايا السياسة الخارجية الامريكية في عموم الشؤون الدولية وشؤون الشرق الأوسط، كما قامت بصياغة التعاطي الأمريكي مع العالم لفترة تقارب مائة عام كما أنها أثرت بشكل ديناميكي تفاعلي علي صانعي القرار في السياسة الخارجية الامريكية من خلال جوانب عدة وبوسائل مختلفة.(2)

وخلال تلك الدراسة سنلقي الضوء علي إحدي المؤسسات البحثية الأمريكية وهي مؤسسة راند البحثية والتي كان لها دورا كبيرا في صنع القرارالسياسي الأمريكي وتعتبر مؤسسة راند أحد أهم المؤسسات الفكرية المؤثرة في صناعة القرار في الإدارات الأمريكية المختلفة فيما يتعلق بالمجتمع الدولي بصورة عامة أو بمنطقة الشرق الأوسط علي وجه الخصوص، ولذلك تسعي الإدارة الأمريكية دائما إلي الاهتمام بهذه المؤسسة البحثية وتذليل كافة أوجه المعوقات لها وتتبني الإدارة الامريكية دائما مقترحات المؤسسة وهو ما يجعل لإصداراتها أهمية خاصة في هذه المرحلة.

الأهمية:

تعد المراكز البحثية أو ما يطلق عليها" "think tanks من أبرز سمات المجتمع المدني والسياسي الأمريكي لما لها من تأثير مباشر وغير مباشر علي مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة سواء علي المستوي الداخلي أو الخارجي وهو ما يظهر بصورة واضحة للسياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط الفترات الأخيرة، وعليه، فإن أهمية الدراسة تكمن في معرفة الي أي مدي كان لدي المؤسسات البحثية الأمريكية دورا في صياغة السياسة الخارجية الأمريكية ومن ثم تكمن:

الأهمية العلمية:

تدور الأهمية العلمية للدراسة في فلك معرفة إلي أي مدي يصل دور مؤسسات الفكر والرأي في صنع القرارالسياسي للولايات المتحدة وكيف تتعامل الاداراة الامريكية مع هذه المؤسسات، كما تتضح الأهمية أيضا في من خلال تزويد الباحثين والمهتمين بالشان السياسي الأمريكي بمادة علمية ذات أهمية من الناحية النظرية والمنهجية لطبيعة الدور الهام للمراكز البحثية في السياسة الامريكية وخاصة الفترة الأخيرة،كما تزودنا الدراسة من الناحية المفاهيمية من خلال تسليط الضوء علي مفهومي صنع القرار والمراكز البحثية، وتفيدنا الدراسة أيضا في إعطائنا رؤية أكثر وضوحا عن دراسة الحالة وهي مؤسسة راند البحثية التي هي محل الدراسة، حيث تسلط الضوء علي ماهيتها ونشاتها وكيف تؤثر في عملية صنع القرارالسياسي في الولايات المتحدة.

الأهمية العملية:

تتضح الأهمية العملية للدراسة في مساعدة متخذي القرار وصانعي السياسة من خلال تقديم عدد من النتائج والتوصيات التي تساعد صانعي القرار في الأدارة الأمريكية وذلك بعد التعرف علي الدور الرئيسي الذي تقوم به هذه المؤسسات في صنع السياسة الخارجية.

الإشكالية:

في اطار ما تقوم به مؤسسات الفكر والرأي البحثية عامة والأمريكية منها بصورة خاصة من إجراء تحليل ومشاركة في بحث السياسة العامة التي تؤدي إلي ظهور بحوث وتحاليل ونصائح توجهها السياسة العامة والتي تتعلق بقضايا دولية ومحلية  فضلا عن ذلك تعرف مراكز الفكر بأنها مؤسسات تقوم بالدراسات والبحوث الموجهة لصانعي القرار.

                وعليه، تكمن الإشكالية الرئيسية في ما هو دور المراكز البحثية الامريكية في عملية صنع القرارالسياسي الأمريكي وخاصة مؤسسة راند البحثية ؟

وينبع من التساؤل الرئيسي عدد من التساؤلات الفرعية وهي كالاتي:

1-ما هو الاطار النظري للمراكز البحثية الامريكية؟ وماهو التطور التاريخي لها؟

2-كيف يتم صنع السياسة في الولايات المتحدة الامريكية؟

3-ماهي الأدوات والأساليب التي تعتمد عليها تلك المراكز في مساهمتها في السياسة الامريكية؟

4-متي وكيف نشأت مؤسسة راند البحثية وما هو دورها في صنع القرار في السياسة الامريكيةمنذ النشأة وحتي الفترة الأخيرة؟

منهج الدراسة:

تطبق الدراسة منهج صنع القرار، حيث ينظر إلى النظام السياسي باعتباره ميكانزيم لصنع القرارات.

أولاً- المقولة الرئيسية لهذا المنهج هي أن: العملية السياسية ينظر إليها على أنها نتاج مجموعة من القرارات التي تتخذها السلطات الرسمية في الدولة.

ثانياً- إطار صنع القرار:

·         صانع القرار: وهو محور العملية، وعادة ما يتم التركيز على شاغلي المناصب الرسمية وفي مقدمتهم رئيس الدولة ومن زاوية كيفية إدراكهم للمؤثرات البيئية وكيفية استجابتهم لها.

·         البيئة: يتحرك صانع القرار في بيئة داخلية (الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية) ودولية (مصدر المشاكل).

 

ثالثاً- عملية صنع القرار:

·         تحديد وبلورة المشكلة، أي الإلمام بمختلف أبعادها.

·         وضع بدائل لحل المشكلة.

·         اختيار أحد هذه البدائل في ضوء إدراك صانع القرار، والتكلفة والعائد المحتمل لكل بديل.

رابعاً- تقييم القرار: عملية ضرورية تخضع لعدد من المحكمات:

·         حالة المعلومات المتوافرة لدي صانع القرار: هل هي كاملة أم ناقصة، دقيقة أم مشوهة.

·         درجة المشورة في اتخاذ القرار.

·         آثار القرار، بمعني هل تحقق الغرض من القرار وبأي درجة.(3)

و ويمكن الاستفادة من منهج صنع القرار في الدراسة (محل البحث) من خلال معرفة عملية صنع القرار وكيف يتم صنع القرار داخل الادراة الامريكية علي المستوي الداخلي أو الخارجي علي حد سواء ودور مراكز الأبحاث في صنع القرار الأمريكي بصورة عامة ومؤسسة راند البحثية "محل الدراسة" بصفة خاصة .

فروض الدراسة:

تقوم الدراسة علي عدد من الفروض والتي تحاول  الإجابة عليها والتاكد من فرضيتها من خلال البحث وأبرز تلك الفروض هي:-

الفرض الأول: للمراكز البحثية"think tanks" دور هام وأساسي في عملية صنع القرار الأمريكي.

الفرض الثاني:  لمراكز الأبحاث think tanks"" تأثير علي السياسة الخارجية الامريكية.

الفرض الثالث:  هناك ترابط بين السياسات التي تنتهجها الإدارات الأمريكية المختلفة وبين النتائج التي تتوصل لها تلك المراكز وترابط أيضا بين التوصيات التي تطرحها تلك المراكز.

الفرض الرابع:  هناك اختلاف في نظرة الإدارات الامريكية المختلفة تجاه مراكز الأبحاث.

مفاهيم الدراسة:

يساعدنا الإطار المفاهيمي على تحديد التعريفات الدقيقة الخاصة بالمفاهيم وما هي التعريفات المرتبطة بها، ولذلك تحتوي الدراسة مفهومين من المفاهيم الهامة مثل مفهوم المراكز التفكير ومفهوم صنع القرار، وعند شرحنا لتلك المفاهيم سوف نقوم بتسليط الضوء على التعريفات النظرية لتلك المفاهيم.

أولاً- مفهوم مراكز التفكير

لا يوجد تعريف عام وشامل (جامع ومانع) حتى الآن لهذه المراكز. وتكمن صعوبة إيجاد تعريف كهذا كما قلنا سابقاً إلى أن معظم المؤسسات والمراكز التي تقع في نطاق مراكز التفكير، لا تعرب عن نفسها كثينك تانكس في وثائق تعريف الهوية الذاتية، وإنما تعلن عن نفسها كمنظمات غير حكومية (NGO) أو منظمات غير ربحية (Non profit organization)، وهذا بالذات يعد أحد التعريفات التنظيمية المعترف بها في القانون الأمريكي.

                ولكن على الرغم من هذه الإشكالية بخصوص هوية تلك المراكز هناك عدة تعريفات لها نحاول أن نعرض بعضاً منها. فتعرفها الموسوعة المجانية المعروفة بـ(wikipedia-FreeEncyclopedia) بأنها" أيّة منظمة أو مؤسّسة تدّعي بأنها مركز للأبحاث والدراسات أو كمركز للتحليلات حول المسائل العامة والمهمة"، ويعرفها بعض الكتاب بأنها "أية منظمة تقوم بأنشطة بحثية سياسية تحت مظلة تثقيف وتنوير المجتمع المدني بشكل عام وتقديم النصيحة لصناع القرار بشكل خاص" وفي تعريف آخر تعّد مراكز التفكير" تلك الجماعات أو المعاهد المنظمة بهدف إجراء بحوث مركزة ومكثفة وتقديم الحلول والمقترحات للمشكلات بصورة عامة، وخاصة في المجالات التكنولوجية والاجتماعية والسياسية والاستراتيجية أو ما يتعلق بمجال التسلح".(4)

إذن، نلاحظ بأنه لا يوجد اختلاف أو تباين كبير بين كل هذه التعريفات حول الثينك تانكس، وإنما كلها تشترك في أن الثينك تانكس عبارة عن منظمة أو مؤسسة أو معهد أو جماعة أو مركز مخصّص للقيام بالأبحاث والدراسات في مجالات معينة أو حول العديد من القضايا المتنوعة، سواء بهدف نشر الثقافة والمعرفة العامة أو خدمة أحد الأطراف الرسمية (حكومية) أو غير الرسمية (المجتمع بصورة عامة)، وتقديم المقترحات والحلول لمشكلات معينة، بحيث أصبحت تلك المراكز واحدة من المرتكزات الأساسية لإنتاج المعرفة والتفكير العام في الدولة من خلال النشاطات العلمية التي تقوم بها من الأبحاث والمؤتمرات والإصدارات الدورية والكتب والمنشورات التي تنشرها إلى درجة أصبحت مهمة مراكز التفكير ليست فقط تقديم دراسات أكاديمية تحليلية نقدية ولكن تناول أية مشكلة بصورة مباشرة وإعطاء المختصين وصانعي القرار في الدولة أو في القطاع الخاص بدائل يمكن أن يختاروا أفضلها، أو قد تقدم بديلاً واحداً لابد من الاعتماد عليه في مواجهة التطورات والأحداث المتسارعة.

ثانياً- مفهوم صنع القرار

تعد عملية صنع القرار السياسي هي مزيج من القوة والنفوذ والرشد والعقلانية ففي اطار قيم الجماعة تتفاعل جميعا لصياغة القرار كحل توفيقي بين جميع الاعتبارات فالقرار السياسي عملية سياسية تعبر عن توزيع القوة والموارد السلطوية وتتضمن تمثيل المصالح، كما تهدف إلي تحقيق أفضل النتائج الممكنة من خلال الموارد المتاحة ولذلك فإن هناك قوتين تتجاذبان عملية صنع القرار السياسي قوة تجذبها باتجاه تمثيل المصالح الاثقل وزنا نظرا لاستحواذها علي عناصر القوة السياسية في المجتمع وأخري تجذبها نحو العقلانية والرشد وإقامة نوع من التراتب المعقول بين مختلف المصالح وتحقيق الأهداف المشتركة "فكرة المعقولية".

كما أن هناك مجموعة من العوامل التي تؤثر في عملية القرار السياسي مثل دور القائد وشخصيته وطموحاته والتركيب الاقتصادي والاجتماعي والرأي العام والأحزاب السياسية وجماعات المصالح وطبيعة النظام السياسي فعملية صنع القرار تؤثر فيها مجموعة من العوامل والمؤثرات النفسية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية أيضا كما تتضمن مجموعة من العناصر والاعتبارات التي يتخذ القرار بناء عليها

وبناء علي ما سبق يمكن تعريف عملية صنع القرار السياسي علي أنها" عملية ديناميكية تتألف من مجموعة العناصر والأبعاد والمراحل، وتتم ضمن اطار ومؤثرات وقيود ومحددات متعددة، وتتضمن كل السلوكيات الهادفة والتفاعلات المؤسسية والسلوكية التي تفضي إلي اتخاذ القرار الذي يقوم علي المفاضلة والموازنة بين عدد من البدائل المتاحة وفق نموذج محدد بما يعبر عن علاقات  وتوازنات القوي في المجتمع ويحقق الأهداف المرجوه بأقل قدر ممكن من استخدام الإمكانيات المتاحة ماديا ومعنويا وبشريا.(5)

تقسيم الدراسة:

تقسم الدراسة إلي ثلاث محاور، حيث يتحدث المحور الأول عن الاطار النظري لمراكز الأبحاث من حيث سرد التعريفات المختلفة لها والتطرق لنشاة هذه المراكزومراحل التطورالتاريخي، ثم المحور الثاني وهو الذي يسلط الضوء علي عملية صنع القرار الامريكي وكيف تؤثر هذه المراكز فيها والأدوار التي تقوم بها في السياسة الامريكية، وأخيرا المحور الثالث يختتم بالتطرق للحديث عن دراسة الحالة وهي "مؤسسة راند البحثية" ذاكرين النشاة والتطور التاريخي لها وأدواتها وأساليبها ودورها في عملية صنع القرارالسياسي الأمريكي.

المحور الأول: الاطار النظري لمراكز الأبحاث:

يدور هذا المحور في فلك الاطار النظري للمراكز البحثية أو مراكزالفكر كما تسميها الولايات المتحدة الامريكية، بحيث يشمل الاطار النظري تعريف مراكز الفكر وتسليط الضوء علي التعريفات المختلفة لها والخلفية التاريخية أيضا وكيف تطورت هذه المراكز حتي باتت بالصورة الكبيرة التي عليها الآن، وينتهي هذا المحور بذكر الأنواع المختلفة لمراكز الفكر في الولايات المتحدة الامريكية والجهات الرئيسية التي تعمل لها تلك المراكز.

أولاً- ماهية مراكز الفكر

ثمة غموض يحيط بتعريف مراكز البحث والدراسات أو "الثينك تانكس" فتعريفها لا يزال محل الخلاف، نظرا إلي أن معظم الدراسات والمراكز المنتمية إلي مجال البحث لا تعد نفسها من صنف "الثينك تانكس" في وثائق تعريف الهوية الذاتية، وإنما تعلن عن نفسها كمنظمة غير حكومية أو منظمة غير ربحية، لذا يبقي هذا المفهوم فضفاضا يحتمل أكثر من تعريف بسبب كثرة التفاصيل والحيثيات التي تحيط به والأبعاد المختلفة التي تكتنفه.

وبالرغم من ذلك الغموض إلا أنها تعرف بصورة عامة " المراكز البحثية" بأنها تلك المنظمات التي تقوم بالعديد من الأنشطة البحثية والتي تكون مظلة تثقيف وتنوير المجتمع المني بشكل عام وتقديم النصيحة بصناع القرار بشكل خاص"

كما أنها تسلط الضوء علي العديد من القضايا سواء التي تتعلق بالسياسات المحلية وأمنها أوالسياسات الخارجية، وقد تكون قضايا عالمية تارة وقضايا اقتصادية تارة أخري(6)، كما تعرف علي أنها المؤسسة التي تكون وظيفتها القيام بإجراء الدراسات والبحوث العلمية المركزة والمعمقة ومحاولة إيجاد الحلول والمعضلات المتعلقة بمواضيع ذات طابع اجتماعي وسياسي أو قضايا الاستراتيجية السياسية، كما عرفتها الموسوعة البريطانية علي أنها(7)" معهد أو شركة منظمة لغرض البحث في مجالات الدراسة المختلفة ذات الصلة عادة بقضايا الحكومة أو الجارية، فهي فيما يخص القضايا التابعة للحكومة تتدخل أحيانا في تخطيط السياسات الاجتماعية والدفاع الوطني، وفيما يخص القضايا التابعة للمواضيع التجارية تتدخل في التطويرات والتجارب التكنولوجية والبضائع والمنتوجات الجديدة، وتعتمد مصادر تمويلها علي المنح والمشاريع الخيرية وكذلك العقود بالإضافة إلي التبرعات الفردية والشخصية والعوائد من إنجازها للتقارير والبحوث لصالح جهات محددة مقابل مبالغ مالية.

كما يعرفها هوارد ج وياردا (Howard j wiarda) أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جورجيا، بأنها "مراكز للبحث والتعليم، ولا تشبه الجامعات أو الكليات، كما أنها تقوم خلال مساقات دراسية متنوعة، بل هي مؤسسات غير ربحية، وإن كانت تملك منتجا وهو الأبحاث، هدفها الرئيسي البحث في السياسات العامة للدولة، ولها تأثير فعال في مناقشة تلك السياسات، كما أنها تركز اهتماها علي التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية العامة والدفاع والأمن والخارجية، كما لا تحاول تقديم معرفة سطحية بتلك السياسات بقدر مناقشتها والبحث فيها بشكل عميق، ولفت انتباه الجمهور لها وينتهي هوارد بالقول إلي " أن هذه المراكز هي مؤسسات بحثية هدفها الأساسي توفير البحوث والدراسات المتعلقة بالمجتمع والتأثير في القضايا الساخنة التي تهم الفرد في المجتمع. (8)

ثانياً- نشأه المراكز البحثية

أدت الثورة العلمية التي كانت إحدي نتاجات الثورة الصناعية الحديثة إلي ظهور مراكز الأبحاث والدراسات، وارتبطت هذه المراكز في بداية نشأتها بمراكز المؤسسات العلمية والجامعات، وتتمثل هذه المراكز الدعامة الاستراتيجية التي تسند خطوات البحث العلمي واكتشاف اتجاهات المجتمع في القضايا الرئيسية والحساسة التي تهم هذا المجتمع لذلك أطلق عليها خزانات التفكير ويعتمد صناع القرار في مختلف مستوياتهم علي تلك المراكز التي تشكل مصدرا أساسيا للمعلومات والتوصيات خصوصا في الدول المتقدمة، إذ أن تعدد مراكز الأبحاث والدراسات يفتح المجال أمام تنوع الآراء والطروحات التي تعالج المشاكل التي يمر بها  المجتمع ومؤسساته بمختلف مستوياتها(9)، وتنفسم مراحل النشاة والتطور لهذه المراكز إلي

المرحلة الأولى:

تبدأ من عام 1910 وهو العام الذي شهد ظهور أول المراكز البحثية في الولايات المتحدة عام1920 وهي المرحلة التي تلت الحرب العالمية الأولي، فقد ظهر أول مركز بحثي بشكله الحديث في الولايات المتحدة وذلك من خلال تأسيس معهد كارنيجي للسلام عام 1910 وتلا ذلك إنشاء معهد برولينغز.

المرحلة الثانية:

تنحصر بين عامي 1930 وعام 1951 وهي حقبة الحرب العالمية الثانية وظهور منظمة الأمم المتحدة وبعض المنظمات العالمية، كما تأسس معهد انتربرايز الأميركي لأبحاث السياسات العامة(AEI)  في عام 1943 ثم معهد دراسات الشرق الاوسط  في أميركا في عام 1948 واختتمت هذه الحقبة من نشأه المراكز البحثية بإنشاء مؤسسة راند في عام 1948.

المرحلة الثالثة:

بدأت عام 1951 وتشكلت في تلك الفترة حوالي 91% من مراكز البحوث  في اوروبا وأميركا علما بأن حوالي 58%منها تشكل العقدين السابع والثامن من القرن العشرين، إذ تأسس المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) في لندن عام 1958، ومركز أبحاث فض المنازعات في جامعة ميتشغان عام 1959 ومعهد ستوكهولم لأبحاث السلام في السويد(SIPRL) في عام 1966.

المرحلة الرابعة:

وتمتد من عام 1989وهو العام الذي شهد نهاية الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الامريكية الي عام 2000 وهو عام بداية عصر العولمة

المرحلة الخامسة:

وبدأت هذه المرحلة من 2001 ومستمرة إلي الآن، وهي المرحلة التي أطلق عليها الحرب العالمية علي الإرهاب وتكريس اعتبارات الأمن القومي الأمريكي علي اعتبار أن مسألة الأمن القومي والحرب علي الإرهاب أصبحا الشغل الشاغل للولايات المتحدة.(10)

ثالثاً- أنواع المراكز البحثية

بحلول نهاية القرن العشرين أصبح هناك أكثر من 1200 مؤسسة ممن ينطبق عليها وصف مخازن التفكير وتسيطر علي الساحة السياسية الأمريكية وهي تشكل مجموعة غير متجانسة من حيث اتساع نطاق المواضيع ومصادر وطرق التمويل والمواقع التي تشغلها(11)، ويمكن أن نضع لها تقسيم أولي علي النحو التالي:

1-      مؤسسات تابعة للجامعات مثل مؤسسة بحوث الشرق الأوسط التابعة لجامعة كولومبيا.

2-      مؤسسات بحثية تميل لأحد الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة مثل معهد بروكنجز الذي يميل للحزب الديمقراطي ومؤسسة هيرتينج التي تنحاز للحزب الجمهوري.

3-      مؤسسات تابعة لهيئات حكومية مثل جامعة الدفاع الوطني ومركز بحوث الكزنجرس.

4-      مؤسسات بحثية تابعة لمؤسسات خاصة كبري مثل مؤسسة كارينجي للسلام الدولي

5-      المؤسسات التقليدية للسياسة الخارجية مثل مجلس العلاقات الخارجية.

6-      مؤسسات متخصصة مثل الجمعية الوطنية للعلوم السياسية.

7-      المؤسسات التابعة للوبي االصهيوني مثل اللجنة الوطنية اليهودية الامريكية.

8-      مؤسسات مرتبطة بهيئات معارضة للسيطرة الامريكية ومعظمها من اليسار.

9-      مؤسسات  أخري تدخل ضمن مؤسسات البحثية النابعة للكنائس والهيئات الدينية والأقليات والقومية والعرقية واللغوية والناشطين السياسين والأجتماعيين.(12)

المحور الثاني- دور المراكز البحثية الأمريكية في عملية صنع القرارالسياسي

                تتمتع عملية صنع القرار بأهمية خاصة من حيث أنها تحدد السلوك السياسي للدولة في المواقف خصوصا وردود الأفعال عموما، كما أنها يشير مصطلح صنع القرار إلي الخيارات التي يتبناها الأفراد والجماعات والتحالفات والتي تؤثر في أعمال  الدول علي المسرح المحلي والعالمي، وتتصف قرارات السياسة الخارجية دائما بأنها ذات قيمة عالية وتكون محاطة بشكوك كثيرة ومخاطر كبيرة ومن المفيد أن نفهم ما الذي يؤثر في القرارات التي تسبق الاعمال والاحداث ويعد حقل صنع القرار حقلا مهما للبحوث لأن الطريقة التي تتخذ بها القرارات يمكن أن تكون الخيار النهائي أي أن الطرف المعني يمكن أن يصل إلي نتائج مختلفة تؤثر علي عملية صنع القرار وعلاوة علي ذلك فإن القيود المعرفية الكبيرة غالبا ما تشوه عملية معالجة المعلومات وهناك بعض القرارات تحسب بعناية بينما تتخذ قرارات أخري بالاعتماد علي الحدس. (13)

إن النظام الأمريكي يسمح لمختلف القوي والتيارات المجتمعية الإدلاء برأيها والتأثير في السياسة الخارجية والداخلية دون أن يعني ذلك بالضرورة حدوث انقلاب حاد في التوجهات العامة للحكومة الأمريكية وتحظي دراسة مؤسسات الفكر والرأي باهتمام حاص لأن فيها منبع لمختلف الافكار والنظريات التي تؤثر بشكل أو بأخر في السياسة الخارجية للولايات المتحدة وقد أكدت أحداث سبتمبر عام 2001 علي تزايد أهمية الدور الذي تقوم به المؤسسات الأكاديمية في هذا المجال ولقد ظهرت هذه المؤسسات نتيجة دعوات لجعل عمل الحكومة الامريكية عملا مؤسساتيا قائما علي الحرفية ومتوائما مع أحداث النظريات السياسية والاقتصادية وهذه المؤسسات تولد لدي صانعي القرار الامريكي عدد من الفوائد أهمها، يضيف تفكيرا جديدا لصانعي السياسة الأمريكية  وتوفر خبراء العمل في الحكومة والكونجرس وتؤمن لصانع السياسة خبرا لإيجاد تفاهم مشترك علي الخيارات السياسية المختلفة وتثقف المواطن الأمريكي عن العالم وتوفرامكانية قيام فريق ثالث بالوساطة بين طرفين متنازعين. (14)

ويعد دور مؤسسات الفكر والرأي من أكثر المؤثرات في صياغة السياسة الأمريكية وأقلها فهما وتقديرا كما أن دورها الهام هذا يرجع إلي طابع اللامركزية في النظام السياسي الأمريكي وانخراط الولايات المتحدة كفاعل رئيسي في العلاقات الدولية منذ القرن الماضي، حيث تقوم هذه المؤسسات البحثية بصياغة التعاطي الأمريكي  مع العالم الخارجي لفترة تمتد لحقب متتالية من القرن الماضي كما أن هذا التعاون  يظهر في عدد من الأمور أهمها قيامها بإصدار الكتب والمجلات العلمية التي تهدف إلي توعية الرأي العام بالقضايا الامريكية المختلفة سواء كانت الداخلية منها أوالخارجية كما أن المراكز البحثية الفترة الأخيرة ساعدت الإدارات الأمريكية المختلفة في نشر الوعي السياسي لدي الجمهور العام الأمريكي بالعديد من القضايا الأمريكية وخاصة في القضايا التي تتعلق بجوهر السياسة  الخارجية وتبرير القرارات الأمريكية في المجتمع الدولي سواء فيما يتعلق بالتدخل في الشؤون السياسية للدول المختلفة كما أنها تقوم بالتأثير في صناعة القرار من خلال عدد من المحاور الهامة وأبرزها أنها تعتبر مراكز صناعة الأفكار والوسائل التي ترتبط بالسياسة الأمريكية حيث تقوم بدراسة كافة المستجدات الدولية وأهم تلك المستجدات قضايا الإرهاب علي الساحة الدولية منها والإقليمية في الفترة الأخيرة وتقديم كافة التوصيات للإدارة الأمريكية من أجل التعامل مع الإشكالات المختلفة التي ترتبط بالمصالح الأمريكية سواء في الشأن الداخلي أو علي الساحة الدولية، كما أن معظم مراكز الأبحاث الأمريكية التي تقع تحت بؤرة الاهتمام تسعي إلي تجنيد أكبر عدد ممكن من السياسيين المتقاعدين بغرض الاستفادة من خبراتهم وربط الحقل النظري والسياسي ببعضهم البعض والدليل علي ذلك أن مستشار الامن القومي الأسبق  الأمريكي هنري كيسنجر أشهر من ترك بصماته علي السياسة الخارجية من المؤسسات الاكاديمية.

إن هذه المؤسسات لم تسع في بادئ الأمر إلي التأثير في القرارات السياسية بشكل مباشر بل سعت إلي زيادة الوعي لدي صانعي القرار وذلك بمزيد من الخيارات السياسية المتاحة أمامهم  كما أنها تساهم في صنع القرار الأمريكي من خلال إثراء الثقافة المدنية الأمريكية عن طريق تعريف مواطني الولايات المتحدة بطبيعة العالم الذي يعيشون فيه، كما أن مشاركتها في صنع القرار الأمريكي سواء بطريقة مباشرة بواسطة ما توصلت إليه من نتائج بحثية تجعل صانع القرار لن يتواني في أن يبني سياسته علي تلك النتائج أو بطريقة غير مباشرة كما أشرنا خلال السطور الماضية  وتجعل من الإدارة الأمريكية علي استعداد إلي الالتجاء الي قرارتها هو ما يعطي لها القوة لممارسة أشد أنواع التأثير في مجال صناعة القرار في السياسة الأمريكية علي مدي حقب وفترات متتتالية.

وبالنظر لمدي العلاقة بين الإدارات الأمريكية المختلفة ومراكز الفكر الأمريكية نجد أن في إدارة الرئيس بوش جاء نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد ووزيرة الخارجية كوندليزا رايس من مراكز أبحاث واشنطن للدراسات(15)، وغيرهم كثير من إدارة الرئيس بوش وكانوا يعملون في مراكز الدراسات والفكر الامريكية، كما تظهر بعض الأبحاث والدراسات أن البيت الأبيض في عهد الرئيس دونالد ترامب كان اقل اهتماما بمراكز الفكر عن الإدارة السابقة للرئيس أوباما وأقل اعتمادا عليها أيضا حيث قال مارك روم الأستاذ بجامعة جورج تاون أن إدارة أوباما من الواضح أنها كانت تفتخر بأنها إدارة فكرية عالية وأنها الإدارة التي أولت اهتمام واسع النظير بالمراكز البحثية كما كان لها دور محوري في صنع القرار السياسي في تلك الإدارة للرئيس أوباما وذلك علي العكس تماما فإن الإدارة الحالية للرئيس ترامب التي كانت صريحة تماما من البداية من أنها لا تعني أية اهتمامات لمراكز البحوث ولا تثق في خبرائها وأن الرئيس ترامب كان يشك في مصداقية أي عمل تقوم به مؤسسة بحثية أو أي منشاة فكرية أمريكية فما بالنا بالتأثير في صنع السياسة العامة الأمريكية وأبرز الأدلة علي ذلك فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني فإن العديد من المراكز البحثية قد أدلت بدلوها في مسألة إلغاء الاتفاق النووي الإيراني والتي تحدث عنها الرئيس ترامب كثيرا الفترة الماضية وأنه ينوي إلغاء هذا الاتفاق مع ايران متغافلا الأبحاث التي توصلت إليها تلك المراكز البحثية عن خطورة الموقف الأمريكي وضعفه حالة إلغاء الاتفاق الإيراني من الجانب الأمريكي، حيث تحدث مركز(مجموعة الأزمات والبحوث)، " أن الرئيس ترامب عليه الحفاظ علي معاهدة الاتفاق النووية وعدم الانسحاب منها "، وذكر (مركز بلفرللأبحاث)  أيضا " أن الرئيس ترامب أعلن مؤخرا عن استعداده لتأكيد التزام إيران بالاتفاق  النووي وفي سياقه تحدث مركز (ويلسون للأبحاث)" أن الاتفاق النووي الإيراني اتفاق ممتاز للإدارة الامريكية عمل علي الحد من قوة ونفوذ إيران في المجتمع الدولي والمنطقة الشرق أوسطية وإذا قام الرئيس بالأنسحاب بالتأكيد ستكون الولايات المتحدة معزولة عن العالم، ولن تتمكن أيضا من الحد من النفوذ الكورية الشمالية بعد الآن"(16).

مما سبق نخلص أن لمراكز الأبحاث دور هام في عملية صنع السياسة الامريكية وأن الإدارات الامريكية المختلفة قد تعاملت مع هذه المؤسسات بصورة مختلفة حيث إهتمت إدارة الرئيس أوباما اهتماما كبيرا بمراكز الأبحاث في حين آفل نجمها وتراجع دورها في إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب وخلال المحور القادم من الدراسة سنسلط الضوء علي مؤسسة راند البحثية التي هي واحدة من تلك المراكز البحثية.

المحور الثالث- مؤسسة راند البحثية

إن مراكز البحوث والدراسات هي مؤسسات أو مجموعة من باحثين يقومون بإصدار الدراسات والبحوث حول قضية معينة، وغالبا ما تمولهم الحكومات أو مؤسسات تجارية لذلك تعد مؤسسة راند والتي محل دراستنا إحدي المؤسسات الكبرى في الولايات المتحدة الأمريكية والتي أشتق إسمها من اختصار كلمتي الأبحاث والتطوير وتقوم بتكريس أبحاثها لأغراض سياسية تخص صناعة القرار الأمريكي كما تنحصر اهتماماتها في قضايا محورية مثل الشؤون الخارجية وشؤون الدفاع (17)، كما تعد من أكبر المؤسسات الأمريكية عراقة من بين المؤسسات القائمة علي الشؤون الخارجية وشؤون الدفاع وربط تلك الشؤون بوجه عام باستراتيجية الولايات المتحدة الأمنية والعسكرية، كما أنها مؤسسة لا تهدف للربح بل تساعد في تطوير السياسة وعملية صنع القرار وذلك من خلال الأبحاث التي تقدمها لمواجهة كافة الظروف التي تتعرض لها الولايات المتحدة الامريكية والعالم، وتهدف من كل ذلك إلي العمل علي ازدهار وتقدم الولايات المتحدة واستمرارها في سياسة الهيمنة والسيطرة

وعليه، يدور هذا المحور في استعراض النشاة والتطور التاريخي ومدي مساهمة مؤسسة راند في صنع القرار الأمريكي.

نشأة مؤسسة راند:

أنشات مؤسسة راند عام 1948 وذلك بعد استقلال عدد من الباحثين عن شركة دوغلاس لصناعة الطائرات في سانتا مونيكا، وأشتق أسمها من كلمتي البحث والتطوير، حيث أعتبرت أن السلام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية أمر غير مضمون فعلي الجميع العمل من أجل تعزيز وضمان وأستقرار السلام العالمين كما كانت تستهدف في بادئ الأمر موضوعات الدفاع والأمن القومي ثم توسعت في حقول أخري كحقل العمل وحقل التعليم والصحة. (18)

كما أن المؤسسة منذ إنشاؤها تؤكد علي الحاجة علي التعاون بين الكيانات الصناعية والأجهزة الحكومية والجامعات سعيا إلي الوصول بين أهل العلم والمعرفة لمعالجة أي مشكلة من جوانبها وتقدم المؤسسة  تعتبره تحليلا موضوعا ودقيقا لمدي واسع ومتنوع من القضايا، كما أن هيكلها يتشكل من عدد كبير من الشخصيات المرموقة مثل (بول اونيل) وزير الخزانة الامريكية سابقا" وهارولد براون"أحد مستشاري مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ومدير المركز هو "دافيد آرون"الذي كان يشغل منصب نائب مستشار الأمن القومي للرئيس كارتر والذي سبق أن عمل كمبعوث من قبل البيت الأبيض إلي أجزاء متعددة في العالم، وتنقسم "راند" إلي عدة أقسام بحثية تغطي مجالا واسعا من المجالات من التعليم والصحة وصولا إلي مجال الدفاع الأمني وغير ذلك من المجالات التي تحظي باهتمام دولي إلي جانب إدارتها لقسم خاص بالنشر وخدمة قاعدة البيانات التي تتيحها للأستخدام العام للباحثين.(19)

إن مؤسسة راند علي مدار تاريخها عملت علي تقديم كافة أوجه المساعدة لصالح الإدارات الامريكية في كثير من الأحيان وخاصة في العصر النووي، وذلك بعد حصولها علي الدعم المالي من هيئة أركان سلاح الجو الأمريكي وكان ذلك عقب نشأتها مقابل نشر دراسات لصالح الهيئة في تحليل النظم والتفاوض الاستراتيجي وكانت هذه الدراسات بمثابة الأساس التي بنيت عليه الولايات المتحدة سياساتها الدفاعية ومفهومي الردع والاحتواء طيلة سنوات الحرب الباردة مع الأتحاد السوفييتي.(20)

ثانياً- تأثير مؤسسة راند في صنع القرار الأمريكي

تلعب مؤسسة راند دورا بالغ الأهمية في السياسة الامريكية وهذا الدور يكمن في النشاطات التي تقوم بها هذه المؤسسةمن أهمها إصدار الكتب ونشر الأبحاث والدراسات وإقامة الندوات ومساعدة المرشحين من الرؤوساء في الانتخابات وإقامة المؤتمرات العلمية والدراسات التحليلية حول القضايا المطروحة علي الساحة الأمريكية والرأي العام الأمريكي ومثالاعلي ذلك إهتمت مؤسسة راند في الفترة الأخيرة بما يسمي الخطر الإسلامي وأصدرت العديد من الكتب والدراسات تحذر من هذا الفكر وخصوصا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبرعام 2001 حيث أصدرت تقريرعام 2005 بعنوان "الإسلام المدني الديمقراطي:الشركاءوالموارد والاستراتيجيات" وكان يلمح التقرير إلي ضرورة معرفة الإدارات المريكية بالخطر الإسلامي وفهمه الذي يقف حائط صد أمام محاولات التغيير في المنطقة، إضافة إلي ذلك فأن المؤسسة قد قدمت العديد من الدراسات حول العديد من القضايا المطروحة من الدول ومن أهمها دراسة حول فهم الشأن الصيني والحرب علي أفغانستان وقضية اختلال موازين القوي في المنطقة وقضية الطاقة في إسرائيل وقضية الانسحاب الأمريكي من العراق بصورة تدريجية، وكل تلك الدراسات كانت تذهب إلي صانع القرار الأمريكي وبهذا تكون المؤسسة قد لعبت دورا هاما في صنع القرار السياسي الأمريكي.

كما أن مؤسسة راند ومشاركتها في صنع القرار المريكي يكون مبنيا علي عدد من الأسس والمبادئ والمعايير وأهم تلك المبادئ هي:

1-المساعدة علي تحسين السياسات من خلال البحث والتمحيص والتنقيب والتحليل.

2- الالتزام باستهداف المصلحة الأمريكية العامة وذلك من خلال ترسيخ مبدأ المصلحة الوطنية.

3- الحرص علي نوعية وموضوعية  العمل.

4- الحكمة الكافية والمعرفة الواسعة والمهارة الكافية لتنفيذ القرار.

الشجاعة الكافية لاتخاذ القرار.(21)

وعليه، فإن مؤسسة راند من المؤسسات الكبرى ومن مؤسسات الفكر والرأي وبروز هذه المؤسسة كجزء من حركة تحديث أمريكية تهدف إلي تعزيز الأداء المهني للأجهزة الحكومية وبذلك تعد مؤسسة راند إحدي أذرع السياسة الخارجية الامريكية في مجال تحديد وتنفيذ أجندات معينة وتمكين تلك المؤسسة وتفعيل وظيفتها يعتمد علي التنسيق بين كافة المؤسسات التنفيذية والتشريعية  والقضائية وأن حجم المعلومات التي تقدمها الأجهزة التنفيذية تهم في تحليل الكثير من القضايا التي تواجه السياسة الأمريكية المختلفة وتستطيع المؤسسة في بعض الأحيان تذليل كافة أوجه الصعوبات والمعوقات لعملها وتسهم في رفدها مصادر المعلومات التي تعتمدها الإدارة الامريكية كآلية من آليات سياستها الداخلية والخارجية.

أهم الأستنتاجات التي توصلت إليها الدراسة

1-أن للمراكزالبحثية دورا هاما وحوريا في عملية صنع  القرارالسياسي بشكل عام.

2- أن للمراكز البحثية الأمريكية دورها بالغ الأهمية وتأثيرا مباشرا في صنع السياسة الخارجية الأمريكية.

3-هناك ترابط هام ومحوري بين ما تتوصل إليه تلك المراكزمن نتائج بحثية وتوصيات مقترحة وبين السياسيات التي تنتهجها الإدارات الأمريكية المختلفة بشكل عام.

4- ليست كل الإدارات الأمريكية تتعامل بنفس الاهتمام مع تلك المراكز ويظهر ذلك في اختلاف إدارة الرئيس أوباما والرئيس ترامب في التعامل مع تلك المراكز.

5- تعد مؤسسة راند من إحدي المؤسسات البحثية الهامة منذ نشأتها حتي الآن في صنع القرار الأمريكي لما لها من مساهمة كبيرة في السياسة الخارجية الأمريكية في بعض الأوقات.

الخاتمة:

وتأسيساً علي ما سبق نخلص إلي أن هذه المؤسسات قامت بدور هام في صنع السياسة الامريكية أثناء مختلف الإدارات المتعاقبة، وبرزت كجزء من حركة التحديث الأمريكية تهدف إلي تعزيز الأداء المهني للأجهزة الحكومية الأميركية وتركزت نشاطاتها أساسا علي تقديم المشورة السياسية للأدارات المتعاقبة، وفي كل نشاطاتها تتطلع إلي التأثير في صياغة الرأي العام الداخلي والخارجي تجاه القضايا التي تقدمها كأولويات وبما ينعكس علي عملية صنع السياسة بالشكل الذي تتبناه، ويبدو أن صعود الدور المعاصر لمراكز الأبحاث تلازم مع مرور وصعود الولايات المتحدة كقوة قائدة علي المستوي الدولي الفترات الأخيرة مما يبرهن علي مدي فعالية دور هذه المراكز في صنع القرار الأمريكي الذي أدي بدوره إلي تلك المكانة التي تتبوأها الولايات المتحدة في الواقع المعاصر.

المراجع:

 (1) خالد وليد محمود، دور مراكز الأبحاث في الوطن العربي : الواقع الراهن وشروط الفاعلية، المركز المصري للأبحاث ودراسة السياسات، يناير 2013.

(2) د. بسمة خليل نامق ، مؤسسات الفكر ودورها في صياغة السياسة الخارجية للدولة، مركز الامارات للدراسات العربية والقانون، مجلة القادسية للقانون والعلوم السياسية، العدد الثاني، 2009.

(3) د، كمال المنوفي، مناهج وطرق البحث في علم السياسة، جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية 2009 ص 44-45

(4) حزب البعث الاشتراكي، مراكز الدراسات الامريكية وصناعة القرار، سلسلة دراسات استراتيجية، 2008، ص18

(5) السيد عليوه، صنع القرار السياسي في منظمات الإدارة العامة ، القاهرة ، مطابع الهيئة المصرية للكتاب، 1987

(6) مراكز الأبحاث وصنع السياسة الامريكية في القرن الحادي والعشرين، شبكة المعلومات العالمية : متاح علي الرابط:http://www.siironline.org/alabwab/derasat(0)/.33htm

(7) موقع الموسوعة علي شبكة المعلومات العالمية(الانترنت) متاح علي الرابط:

 http://www.britannica.com/ebc/article-9380620

(8) Howard J wiarda,"The New power houses:think tanks and foreign policy" American foreign policy interests,vo103,no,2(march-April2008) p.96

(9) عدنان فرحان الجوارين: نحو دور مؤثر لمراكز الأبحاث والدراسات العربيةن شبكة الاقتصاديين العراقيين، بغداد، 2016

(10) عدنان فرحان الجوارين، مرجع سابق ذكره

(11) ريتشارد هاس، مؤسسات الفكر والرأي وسياسة الولايات المتحدة الأمريكية، علي موقع وزارة الخارجية:

 http://usinfo,state.gov/journals/itps/1102/Ijpa/haass.htm.

(12) محمد سجاد نور، المؤسسات البحثية والسياسة الخارجية الأمريكية، مختالرات إيرانية، العدد 38، نوفمبر 2003 ص ص 70-71.

(13) أليكس مينتسو كارل دي روين الأبن،  فهم صنع القرار في السياسة الخارجية، مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، دراسات مترجمة79، الطبعة الأولي 2016 ص11.

(14) شاهر إسماعيل الشاهر، دور مراكز الدراسات في صنع السياسة الخارجية الأمريكية، تاريخ الاطلاع 2018/4/22، متاح علي الرابط:                                                                                                             http://the voice freason.de.

(15) أهتم بها أوباما واهملها ترامب ، ما دور مؤسسة الفكر الأمريكية: متاح علي الرابط:http://www.akhbarak.net/news.  تاريخ الاطلاع 2018/4/24.

(16) تقرير بعنوان: أبرز ما قالت مراكز الأبحاث حول استراتيجية ترامب تجاه إيران،  متاح علي الرابطhttp://alwaght.com  تاريخ الاطلاع 2018/4/24.

(17) مرجع سابق ذكره

(18) جايمس تومسون، مؤسسة راند البحثية ، علي الموقع الالكتروني:(www.wise-gater.org)

(19) مؤسسة راند –المعرفة علي  الموقع الالكتروني //www.marefa.org):(http

(20) Rich Michael rand; how think tank interact with the military invis  forein policy agenda. An electronic gournal of the u s state: 2002 no1 p3

(21) عبد الله بن سميط، مؤسسة راند وصناعة القرار: مجلة العصر 2011 علي الموقع الالكتروني (www.alasr.ws)

شارك