الدور التنموي للمؤسسة العسكرية: خبرات دولية ودروس مستفادة

الجمعة 22/يونيو/2018 - 04:59 ص
طباعة الدور التنموي للمؤسسة
 
عرض: مصطفى كمال

في ظل إطار تزايد اهتمام المؤسسات البحثية ومراكز الفكر بدراسة التداعيات المترتبة على تنامي نسب مساهمة المؤسسة العسكرية في الاقتصادات الوطنية لدولها، سواء التداعيات الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية أو الأمنية. يناقش العدد الجديد (العدد 28) من دورية "بدائل" الصادرة عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، الدور التنموي للمؤسسة العسكرية في ضوء الخبرات الدولية وأهم الدروس المستفادة منها.

وتوضح دكتورة إيمان رجب خبيرة في الأمن الإقليمي بمركز الأهرام ورئيس تحرير الدورية في افتتاحية العدد التي تحمل عنوان "الدفاع أم التنمية؟: تجدد النقاش حول أدوار المؤسسة العسكرية" أن هناك نقاش يتجدد خلال المراحل الانتقالية التي تمر بها دول الشرق الأوسط حول طبيعة الأدوار التي يتعين على المؤسسة العسكرية القيام بها، وهو نقاش يدور في جوهره حول ما إذا كان مقبولا خروج هذه المؤسسة عن نطاق الأدوار الدفاعية في مواجهة العدائيات التي تهدد الأمن القومي لدولها، إلى ممارسة أدوار ذات طبيعة مدنية مثل تحقيق التنمية بأبعادها المختلفة؟.

كما توضح دكتورة إيمان أن مراجعة هذا النقاش على المستوى الدولي، تكشف عن أن هذه القضية لا ترتبط بالدول الشرق أوسطية فقط أو بالدول العربية، وإنما توجد أيضا في الدول الغربية المتقدمة، والتي تحولت فيها المؤسسة العسكرية بأنشطتها التنموية إلى واقع تقننه عدد من القوانين والنظم المعتمدة.

وتنقسم الدراسة الرئيسية لهذا العدد التي أعدها الأستاذ هاني سليمان قربة، الباحث المتخصص في العلاقات المدنية-العسكرية، والمعنونة بـ" الدور التنموي للمؤسسة العسكرية: خبرات دولية ودروس مستفادة "، إلى ثلاثة أقسام يتناول أولها أدوار المؤسسة العسكرية في تحقيق التنمية المستدامة. ويستعرض القسم الثاني تجارب مختارة من الخبرات الدولية للدور التنموي للمؤسسة العسكرية، وأخيرًا يستخلص القسم الثالث الدروس المستفادة التي يمكن الاستفادة منها من هذه الخبرات.

أولًا-أدوار المؤسسة العسكرية في تحقيق التنمية المستدامة

تناقش الدراسة في هذا الجزء مسألة الدور التنموي للمؤسسة العسكرية، خاصة وأن البعض يري أن هذا الدور يتعارض مع المهمة الأساسية للمؤسسة العسكرية وهي الوظيفة الدفاعية، وأن المشاركة في العملية التنموية والاقتصاد، يخرجها عن وظيفتها الأصلية.

وتعرضت الدراسة إلى جميع الآراء المؤيدة والرافضة لمشاركة المؤسسة العسكرية في أعمال التنمية، ويمكن تصنيف الدور التنموي التي تقوم به القوات المسلحة إلى ثلاثة مجالات، وتتمثل فيما يلي:

1-        المجال الاقتصادي: وينصرف بشكل أساسي إلى إدارة الشركات وأعمال التجارة والمقاولات.

2-        مجال البنية الأساسية: ويتضمن مد طرق، خطوط مواصلات، واتصالات، وبناء المطارات والجسور والكباري والأنفاق.

3-        الأدوار الاجتماعية، ومجالات الخدمات العامة وتتضمن نشر الخدمات الصحية، والتعليم، ومحو الأمية والتدريب ومواجهة الطوارئ أو الكوارث.

وفي هذا الإطار تميز الدراسة بين مدرستين أساسيتين في تقييم الدور التنموي للمؤسسة العسكرية، كما يلي:

1-        المدرسة الأولى هي التحول الوظيفي، والدور المجتمعي للعسكريين، وترى هذه المدرسة أن المهارات الفنية والإدارية التي يتمتع بها العسكريون يمكن أن يستفيد منها المجتمع ككل.

2-        المدرسة الثانية هي النظرية التقليدية، وترى هذ المدرسة أن المؤسسة العسكرية عادة ما تولي اهتمامًا كبيرًا بمصالحها الجمعية على حساب المصالح والغايات المجتمعية، ويكون كل همها ومن ثم تسخر كل الموارد لتعزيز قدراتها وأدواتها الأمنية والعسكرية بهدف الإبقاء والمحافظة على حكمهم أطول فترة زمنية ممكنة.

الدور التنموي للمؤسسة

وللوقوف على طبيعة الأدوار التي تقوم بها المؤسسة العسكرية لتحقيق التنمية المستدامة، فإنه سوف تتعرض الدراسة لأنماط الدور التنموي، ثم لمحفزات ودوافع هذا الدور، كما يلي:

1-      حدود الدور التنموي للمؤسسة العسكرية:

ترى الدراسة أن المؤسسة العسكرية هي أحد أهم أدوات الدولة للقيام بمهامها، كونها تحتل مكانة مركزية في قلب أي نظام، بما يؤهل الدولة للعمل على أداء وظائف بناء الأمة وشن الحرب والحماية واستخراج الموارد وتوزيعها والإنتاج، وللوقوف على أنماط الدور الاقتصادي للمؤسسة العسكرية، لابد من التفرقة بين اعتبارين، هما مدى انخراط المؤسسة العسكرية في عملية التنمية، وتأثير ذلك الدور على عملية التحول الدمقراطي. وفي هذا السياق، ميزت الدراسة بين عدة أنماط للأدوار الاقتصادية للمؤسسة العسكرية كما يلي: -  

          أ‌-            نموذج الانغلاق/الانعزال: وهنا يقتصر دور المؤسسة العسكرية على أداء الوظيفة الدفاعية، ولا تعدو المؤسسة العسكرية كونها مجرد أداة تنفيذ السياسة الدفاعية التي تقرها الحكومات المنتخبة، وينطلق هذا النموذج من اعتبارات رفض الثقافة العامة للتدخل السياسي والاجتماعي للمؤسسة العسكرية، ومن محدودية الإنفاق العسكري، وتقليص الدور الاقتصادي للمؤسسة العسكرية.

        ب‌-          نموذج المركب الصناعي-العسكري: وينتشر هذا النموذج في الدول الديموقراطية الغربية التي تمیل العلاقات المدنية-العسكرية فيها لنمط من الشراكة المؤسسة وتقاسم الاختصاصات، وتمتلك خلاله المؤسسة العسكرية القوة الفنية فيما يخص صناعة التسليح، وتتميز بارتفاع مستوى الإنفاق الذي يذهب جزء منه لشركات القطاع الخاص التي تلبي احتياجات المؤسسة العسكرية وتنفيذ مشروعاتها وفقًا لإطار تشريعي وسياسي تشارك في وضعه النخبة السياسية.

        ت‌-          نموذج الاندماج العسكري في الحياة السياسية، والاقتصادية: ينتشر هذا النموذج في النظم السلطوية، ووفقًا لديفيد أوبرايت، قد يأخذ أحد ثلاثة أنماط: يتمثل الأول في توسط العسكريين بين الفرقاء السياسيين، والمساهمة في ترجيح أحدهم على الآخر، والثاني في حماية العسكريين للحكم السلطوي أمام محاولات إسقاطه، والنمط الأخير هو تولي العسكريين السلطة السياسية سواء رأس الدولة أو السلطة التنفيذية.

        ث‌-          نموذج الجيش الحارس للتوازن الاجتماعي: وهنا تنتمي قيادات وكوادر المؤسسة العسكرية لطبقة معينة مع احتفاظهم بدور في حسم الصراعات السياسية دون اختلال التوازن الاجتماعي القائم، ويمتد تأثيرهم خارج المجالات السياسية والدفاعية، وقد يشمل القيام بأنشطة اقتصادية واجتماعية وإعلامية. ويتدخل الجيش هنا في حالة الأزمات الحادة، أو بصفته حارس النظام، أو صاحب المهام السامية، في الحفاظ على النظام السياسي القائم، وهذا النوع من المهام ينتج بسبب تعقد المجتمع

         ج‌-           نموذج الاحتكار الاقتصادي/النموذج البريتوري: يتميز هذا النموذج بسيطرة العسكریین على مؤسسات الدولة السياسية منها والاقتصادية، ويتسم النشاط الاقتصادي بلعب القوات المسلحة لدور قوي كاحتكار بعض الأنشطة الاقتصادية، واتباع استراتيجية بناء الاقتصاد الوطني وتخفيض الواردات بهدف السيطرة على القطاع الخاص.

الدور التنموي للمؤسسة

2-      محفزات الدور التنموي للمؤسسة العسكرية:

تحدد الدراسة عدد من المحفزات والدوافع للمؤسسات العسكرية للقيام بالأدوار الاقتصادية والتنموية، سواء كانت تنتمي لدول نامية أو دول متقدمة، وتتمثل أهم تلك العناصر فيما يلي:

                      أ‌-          تدني مستوى التنمية الاقتصادية: وبالتالي يتم اللجوء إلى الأعمال التدخلية التي تقوم بها المؤسسة العسكرية لحماية الأمة من خطر التدهور والانهيار الاقتصادي، ويتم ذلك من خلال آليتين، الأولى: تقديم النقد إلى المؤسسات المدنية على تدني معدلات النمو الاقتصادي والعجز عن علاج مظاهر القصور الاقتصادي. والثانية: المبادرة ببعض السياسات البديلة والتي تستعين فيها المؤسسة العسكرية بمؤيديها بغرض تقديم نموذج ناجح لإدارة اقتصاديات البلاد.

                    ب‌-        عدم عدالة التوزيع والصراع على الدخول والثروات: وهي من أهم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع لحدوث التدخل من قبل المؤسسة العسكرية، حيث تكون هناك حاجة لإعادة توزيع الثروات في المجتمع وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتكون الأزمات والمشكلات الاقتصادية المتراكمة هي الدافع الأساسي للمؤسسة العسكرية للتدخل والسيطرة على السلطة السياسية بدعوى الرغبة في تصحيح الأوضاع الاقتصادية.

                    ت‌-        مواجهة الفقــــر والمــــرض والفساد: وينتشر هذا السبب في شعوب العالم الثالث نتيجة تعلق أملها على القادة السياسيين لتحقيق التنمية وانتشالها من سياق التخلف والفقر، فكانت الدوافع الاقتصادية هي المحرك لتولي المؤسسة العسكرية هذه المهمة في ظل تراجع التنمية الاقتصادية، وزيادة الانخفاض في مستويات معيشة الأفراد والتي تحولت إلى حالات من عدم الرضاء الشعبي، وهي كانت أيضًا نفس الدوافع للتحرك العسكري للتدخل في أوقات معينة لتصحيح الأوضاع.

                    ث‌-        عدم ملاءمة السياســـات الاقتصاديـــة: تكتسب السياسة الاقتصادية أهمية محورية بالنظر إلى اعتبارها مؤشرًا على تأثير المؤسسة العسكرية في المجتمع والنظام الاقتصادي وعملية التخصيص السلطوي للموارد المالية، وتؤثر السياسة الاقتصادية على العلاقات المدنية العسكرية من خلال ما يلي:

·        المستوى المرتفع للإنفاق العسكري.

·        مساهمة المؤسسة العسكرية في الناتج المحلي الإجمالي والمشروعات التنموية المدنية.

·        تقديم المؤسسات العسكرية لخدمات المدنيين (صحية وتعليمية) كبديل للمؤسسات المدنية.

·        وجود آليات الرقابة، والمحاسبة البرلمانية على الموازنة العسكرية، والأنشطة الاقتصادية العسكرية.

         ج‌-        المسئولية التشاركية: برز اتجاه تشاركي في نظريات العلاقات المدنية-العسكرية يقوم على فكرة انتقاد الفصل بين اختصاصات المؤسسات السياسية والعسكرية باعتبار ذلك الفصل غير واقعي، ومن المستحيل تحقيقه سواء في الديمقراطيات الغربية أو في الدول النامية بالنظر إلى مصالح العسكريين التي تتطلب التدخل السياسي للحفاظ عليها وتفضيلاتهم السياسية النابعة من رؤيتهم للمصلحة الوطنية التي قد تتعارض مع توجهات شاغلي السلطة السياسية.

         ح‌-        بناء الدولة: حيث تعتمد المؤسسة العسكرية في القيام بأدوارها التنموية على مسئوليتها الوطنية في الدول المتقدمة المستقرة وفقًا لقواعد دستورية وعرفية مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وأستراليا، كما تنطلق في الدول النامية من أساس إعادة بناء الدولة في فترات ما بعد الاستقرار والمصالحة الوطنية، لما لها من رصيد قوي لدى المجتمع وفقًا لتكوينها على أساس وطني، وغالبًا ما يأتي بعد فترات نزاع أو حرب أهلية.

         خ‌-        دوافع ذاتية: تنطلق الأدوار المختلفة للمؤسسة العسكرية في بعض الأحيان من أغراض ودوافع ذاتية خاصة بالمؤسسة وتقديراتها لمصالحها ومكتسباتها الخاصة، في ضوء علاقات التحالف والصراع مع النخبة السياسية وموقعها في بنية النظام السياسي.

الدور التنموي للمؤسسة

ثانيًا- الدور التنموي للمؤسسة العسكرية في أهم الخبرات الدولية

تتناول الدراسة في هذا الجزء تجارب بعض الدول التي لعبت فيها المؤسسة العسكرية دورًا تنمويًا، وقد تم مراعاة بعض العناصر في اختيارها؛ وهي البعد الزمني حيث تمثل تلك الحالات فترات زمنية مختلفة سابقة وحالية، علاوة على مراعاة التمثيل الجغرافي لنماذج من مختلف دول العالم، وأيضًا التنوع ما بين بعض الحالات في دول العالم الثالث وأخرى في الدول المتقدمة، وهو ما يعكس عملية التحول في الكتابات النظرية، واستجابة للحاجة لضرورة مشاركة  المؤسسات العسكرية في العبء التنموي بدرجة أو بأخرى في المجتمعات على اختلافها، ووفقًا لترتيبات وقواعد محددة.

1-     مجالات الدور التنموي للمؤسسة العسكرية:

المقصود بالدور التنموي للمؤسسة العسكرية في هذه الدراسة هو مجموعة الأنشطة والممارسات التي تسهم في تحقيق التنمية والتقدم للدولة، والقائمة على المجالات الاقتصادية بالأساس، وأيضًا الجوانب الاجتماعية الثقافية والتربوية والصحية، وبدرجة أقل أدوار التنمية السياسية والتدريبية. ويمكن تحديد أهم المجالات التي تقوم فيها المؤسسة العسكرية بدور تنموي من واقع الخبرات الدولية فيما يلي:

          أ‌-          مجالات التعليم والتثقيف والتدريب: يمكن للمؤسسة العسكرية أن تلعب دورًا في رفع المستوى التثقيفي والتعليمي سواء في صفوفه أو بين المدنيين، باعتبار أن المجندين يجب أن يحصلوا بالضرورة على قدر من التدريب على المهارات اللفظية والتقنية من أجل ملء المناصب العسكرية بكفاءة.

        ب‌-        -مجال الصحة والإغاثة: كثيرًا ما استخدمت المؤسسة العسكرية في جميع أنحاء العالم للتعامل مع حالات الأزمات مثل الفيضانات والأعاصير التي تؤثر على قطاعات من السكان المدنيين، وهي مناسبة لهذه العمليات لأنها يمكن أن توفر معدات النقل والاتصالات في مهلة قصيرة، ولأن تدريبهم قد جهزهم للتعامل مع حالات مماثلة في السياق العسكري.

        ت‌-        -المجال الاقتصادي: من خلال المشاركة في تطوير البنية التحتية الاقتصادية للدولة، والمشاركة في تطوير أنشطة اقتصادية محددة مثل الزراعة أو الصناعة. وكثيرًا ما تتشارك وتتداخل أدوار الجيش مع الجهات المعنية بتنمية الهياكل الأساسية للدولة سواء وزارات أو مؤسسات، وبخاصة في مجالات بناء وتحسين شبكة الطرق والاتصالات، وهو ما يزيد فعالية دور المؤسسة العسكرية في تقدم الدولة ويعمل على تحسين إمكاناتها الاقتصادية.

         2- بعض الخبرات الدولية للدور التنموي للمؤسسة العسكرية:

تستعرض الدراسة في هذا الجزء أهم الخبرات الدولية لدور المؤسسة العسكرية في التنمية، وقد اعتمدنا في اختيار حالات الدراسة على اختيار بعض النماذج من الدول المتقدمة، والدول النامية على حد سواء.

          أ‌-          الولايات المتحدة الأمريكية: الإسهامات العسكرية لدعم الاقتصاد الأمريكي تكمن أساسًا في قطاعين؛ المبيعات العسكرية الخارجية، والمناقصات الإنشائية. وفيما يتعلق بالمبيعات العسكرية؛ فتشترك المؤسسة العسكرية مع المصانع المدنية في إنتاج نظم التسلح الأمريكية، وهي بذلك تحقق عائد اقتصادي كبير للدولة، علاوة على عائد سياسي من خلال توظيفها في المعونات الخارجية لحلفاء الولايات المتحدة كأحد أهم أدوات السياسة الخارجية الأمريكية، أما بالنسبة للمناقصات الإنشائية فهي مثال لما يقوم به سلاح المهندسين في الجيش الأمريكي، سواء داخل الولايات المتحدة، خاصة في المشروعات الكبيرة للبنى التحتية، أو ما يقوم به خارج الولايات المتحدة، مثل إنشاء المطارات والقواعد العسكرية، وهو ما يحقق عائدًا اقتصاديًا مهمًا للدولة، أو يخصص لدعم ميزانية القوات المسلحة خصمًا من احتياجاتها من ميزانية الدولة.

        ب‌-        المؤسسة العسكرية في بريطانيا: لعبت المؤسسة العسكرية البريطانية أدوارًا كبيرة، على فترات تاريخية مختلفة، في بناء الدولة وتنمية المجتمع في المملكة المتحدة، ولقد كان لها السبق في مجال التدريب والتعليم في المجتمع البريطاني، كونها تمتلك واحدة من برامج التعليم الأكثر شمولًا وفعالية، بما يتضمنه ذلك من قدرتها على تقديم العديد من الفرص للمؤهلات المدنية، الأكاديمية منها والعملية. وتهدف المؤسسة العسكرية من ذلك غرس صفات الوفاء، الانضباط، والشعور بالهدف والمسئولية، وتنمية قيم الانتماء، والهوية، والأسرة، وتعظيم الرغبة في التعلم وتطوير الذات. وأوجدت المؤسسة العسكرية، أساليب مبتكرة لتحسين وتثقيف جميع الشباب، من خلال "برامج إشراك الشباب" الذي قامت بتعميمه. وما يجعل هذه البرامج فريدة من نوعها هي أنها أثبت ملاءمتها لجميع الطبقات الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع، وجميع مستويات الذكاء والقدرة الفردية، ومع الشباب من جميع الخلفيات العرقية والثقافية.

        ت‌-        المؤسسة العسكرية في باكستان: دخلت المؤسسة العسكرية في الاقتصاد من خلال المشاريع التجارية ومجالات الرعاية الاجتماعية، وهذه المشاريع التي أنشئت لرعاية الجنود المتقاعدين والمعوقين، تعمل اليوم على مجموعة واسعة من الأنشطة التجارية، التي كثيرا ما تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية والجيوستراتيجية، وهي من أكبر التكتلات التجارية في باكستان. ويدير الجيش الباكستاني محفظة استثمارية قيمتها 20 مليار دولار، ويملك 7% من أصول الدولة في باكستان، واستثمر في فترة قريبة 10 مليار دولار في تصدير غاز ومصانع سكر وشركات خدمات أمن. كما أن المؤسسة العسكرية أسهمت في مجال تطوير الهياكل الأساسية، وفي ميادين الهندسة والاتصالات، وأنشأت قوات الدفاع، ولا تزال تدير جزئيًا، مصانع السكر، وتصنيع أغذية الإفطار والمطاط والأحذية.

        ث‌-        جيش الدفاع الإسرائيلي: طبيعة بناء وتكوين جيش الدفاع الإسرائيلي يعتمد على بناء الدولة من القواعد، تزامنًا مع خوض الحرب، ومشاركة الجيش في المجالات الاقتصادية والتنموية قد يكون جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية بناء الدولة في حد ذاتها. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى خصوصية نموذج إسرائيل، وهو يتشابه نوعيًا مع جنوب أفريقيا، حيث تقوم القوات المسلحة بعدد من الوظائف الاجتماعية خاصة في مجالات التعليم والتنشئة والتكامل فضلًا عن مجالات الإنشاء، وتمثل المؤسسة العسكرية المجتمع السياسي الكلي للمستوطنين حيث تسهم في خلق التماسك والتكامل بينهم.

         ج‌-        الجيش البتسواني: استخدمت بتسوانا المؤسسة العسكرية في حماية الحياة البرية، حيث تمتلك بتسوانا ثروة بيئية من الحيوانات البرية الكبيرة وكانت هناك حاجة قوية لحمايتها من عصابات الصيد المسلحة.  كما أنها تلعب دورًا كبيرًا ومتناميًا في خطط الدولة للتنمية الاقتصادية في قطاع الأمن البيئي والاقتصادي، وهنا كان التلاقي والتعاون كمصلحة وطنية مهمة. هذه المهمة العسكرية هي فريدة من نوعها في أفريقيا، وهي مهمة غير تقليدية بالمقارنة بالأدوار التقليدية للعسكريين داخل القارة.

         ح‌-        المؤسسة العسكرية في السنغال: تم تكوين الجيش لمساعدة الدولة في عدد من الأنشطة، مع إيلاء اهتمام خاص للقضايا المتصلة مباشرة بالتنمية؛ وتشمل الصحة، وتطوير البنية التحتية، والزراعة، والتعليم، وإدارة الحدود، وحماية البيئة. ويقدم الجيش استجابة كبيرة وأدوارًا وملموسة للشعب ويشارك في مشاريع طويلة الأجل مثل المساعدة في بناء الهياكل الأساسية وبرامج الوقاية من الأمراض، ويقوم الجيش السنغالي بذلك جنبًا إلى جنب مع وزارات مثل البيئة والصناعة.

         خ‌-        القوات المسلحة الأردنية: تعدى دور المؤسسة العسكرية الأردنية ذلك إلى الدور التنموي المتمثل في دفع حركة التنمية والمشاركة في تنفيذ المشاريع الاقتصادية والبنية التحتية. وتقوم القوات المسلحة الأردنية بدورها التنموي من خلال المشاركة في تخطيط العديد من المشاريع التنموية وتنفيذها، ومن أبرز مجالات هذه المشاركة مجال التعليم والثقافة، والمجال الصناعي، والصحي، والزراعة والبناء والتعمير، والإنقاذ والإخلاء.

         د‌-         المؤسسة العسكرية الإيرانية: قامت المؤسسة العسكرية النظامية في إيران بأدوار عدة، تنوعت بين الدور التثقيفي للمدنيين، والذي اتخذ شكل تدريب وتجهيز الموظفين للتدريس في المدارس التي كانت تشرف عليها المؤسسة العسكرية، ومساهمة بعض الأفراد في المؤسسة العسكرية للعمل كمستشارين ومنسقين للعمل التعليمي والتنموي، وخاصة في المجتمعات الريفية، حيث العمل على تنظيم برامج لتعليم الأطفال ومحو أمية الكبار، وتعزيز النظافة الصحية والأنشطة الترفيهية، لكن سرعان ما حمل هذا الدور الحرس الثوري الإيراني الذي قلل من تكلفة العقوبات الغربية والأمريكية واستطاع التكيف وأن يوسع أدواره ويدعم اقتصاد الدولة في وقت واحد.

ثالثًا- الدروس المستفادة

انتهت الدراسة بأن مساهمة المؤسسة العسكرية في عملية التنمية هي واقع تشترك فيه الدول المتقدمة مع الدول النامية بأشكال ودرجات مختلفة، فقد أصبح دور المؤسسة العسكرية الاقتصادي والاجتماعي مرتبطًا بوجودها وتطورها، وبخاصة مع تراجع الحروب التقليدية والتغير النسبي في مفهوم الوظائف الدفاعية.

وفي الخبرة العربية في السنوات الأخيرة، لم تستطع الدول الاستجابة بالشكل الكافي لمطالب وطموحات الشعوب، علاوة على العوامل الخارجية التي ضغطت في اتجاه عدم الاستقرار، وبذلك فقد فرضت المعطيات ضرورة تحمل المؤسسات العسكرية دورها في تلك الفترة الخطيرة، من أجل القفز على حالة الاضطراب السائدة، ومدفوعة كذلك بغرض تحقيق مستوى تنمية يتوافق مع رغبة الشعوب، حيث أصبحت مهمات مثل مواجهة الفقر ورفع معدلات التنمية ضمن اعتبارات الأمن القومي ومن متطلبات الوظيفة الدفاعية.

وفي هذا الإطار استخلصت الدراسة عدد من الدروس المستفادة من الخبرات التي تم مناقشتها في هذه الدراسة، وهي: -

§        إن الصورة النمطية التقليدية الشائعة داخل بعض البلدان العربية من تضخم الأدوار التنموية للمؤسسة العسكرية، ليست هي الصورة الدقيقة والوحيدة المعبرة عن دور ومساهمات المؤسسات العسكرية، حيث إن العديد من الخبرات الدولية، مثلما في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، قد أثبتت أن الدور التنموي للمؤسسة العسكرية لا يتعدى الحدود الطبيعية للتأثير، ولا يتضخم ويعظم منافعه على حساب المصلحة الوطنية أو على حساب إضعاف القطاع الخاص، إنما هو موازن ومكمل له في ضوء علاقات التعاون والتكامل وتحقيق التنمية، ذلك أن هناك قواعد وضوابط قانونية مؤسسية عرفية قد استقرت داخل ممارسات المؤسسة العسكرية في تلك الدول.

§        إن دور المؤسسة العسكرية يمكن أن يكون أكثر جدوى إذا ما وجه إلى مشروعات البنية الأساسية التي تتجه لصالح المجتمع كله، ولا تهدف لتحقيق ربح.

§        إن من يتولى إدارة المشروعات الاقتصادية والاجتماعية من داخل المؤسسة العسكرية لابد أن يكون مؤهلًا للقيام بهذا العمل من حيث النظام والشعور بالواجب.

§        إن مساهمة المؤسسة العسكرية في برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية يجب ألا يتداخل مع المهام الرئيسية لها، وهي تلك المتعلقة بالدفاع وحماية الأمن، كما أنها لا يجب أن تحل على المدى الطويل محل الاقتصاد المدني.

§        أضحت المؤسسة العسكرية الداعم الأساسي والرئيسي لبعض منظمات المجتمع المدني، ولبعض المشروعات الاقتصادية والخدمية، بما يسهم في تعزيز العلاقة بين الدولة والمجتمع والمواطنين، وبما يسهم في تواري النظرة التقليدية السلبية للمؤسسة العسكرية، وبخاصة في خبرات دول العالم الثالث.

 وهذا الوضع يستدعي الحديث عن عقد جديد في العلاقات المدنية-العسكرية قائم على التشارك ومواجهة التحديات وبناء الدولة بعيدًا عن النظريات الصراعية التي حكمت تلك العلاقات وتتمحور حول القفز على السلطة، والتي أرهقت الدول النامية وتوارى بسببها أفق التنمية؛ فالمؤسسة العسكرية وكما هو الحال في الدول التي خطت بعيدًا في هذا الأمر واستقر فيها نمط العلاقات بين المؤسسة العسكرية والمؤسسات المدنية، تقوم بأدوارها التنموية في ظل قواعد وحدود واضحة، وكونها أحد أهم مؤسسات الدولة تقوم بدورها كأي مؤسسة أخرى، في معادلة متوازنة دون بسط نفوذها أو تقليص قدراتها، وضمن معايير من الشفافية.

شارك