بعد عقود من القطيعة: هل تكتمل المصالحة الإثيوبية الإريترية؟

الأربعاء 27/يونيو/2018 - 01:02 ص
طباعة بعد عقود من القطيعة:
 
نهال أحمد

مر على الأزمة الحدودية بين إثيوبيا وإريتريا قرابة عقدين، تفاوتت خلالهما ديناميكيات تعامل البلدين مع تلك الأزمة، ورغم ذلك لم تتحرك الأمور قُدمًا، بل ظل الوضع ساكنًا حتى تولي رئيس الوزراء الإثيوبي "أبي أحمد علي" السلطة نهاية مارس الماضي. منذ ذلك الحين بدأ "أبي أحمد" ببلورة سياسات أكثر انفتاحًا فيما يتعلق بالملفات الشائكة لاسيما ملف المصالحة مع إريتريا، ما ينذر بحقبة جديدة وتحول خطير في السياسة الخارجية الإثيوبية تجاه جيرانها.

جذور الصراع بين أديس أبابا وأسمرة

لم يكن النزاع الحدودي بين إريتريا وإثيوبيا عام 1998 هو الخلاف الأول ، لكنه كان نتاج للعديد من الانقسامات الاثنية والايديولوجية المتراكمة على مدار عقود عدة، وهو ما يحتم علينا أن نلقي نظرة أكثر عمقًا على مراحل الانقسام بين الجانبين على النحو التالي:

تبلور التوجه الانفصالي عن إثيوبيا

بدأ الصراع بين الجانبين عام 1961، حينما قررت جبهة تحرير إريتريا الانفصال عن إثيوبيا؛ فقامت بحملات متوالية تمكنت خلالها من السيطرة على كافة الطرق المؤدية إلى أسمرة ومعظم المدن الإريترية الكبرى، الأمر الذي دفع القوات الإثيوبية إلى التدخل لإيقاف تقدم الجبهة. ومن هنا توالت المواجهات بين الجانبين حتى نجحت إثيوبيا مؤقتًا في استرداد بعض المدن، واتجاهها حينذاك نحو إثارة المشكلات على الحدود مع الجانب السوداني لدفعه عن إيقاف المساعدات لأسمرة(1) . ورغم النجاحات التي حققتها القوات الإثيوبية إلا أنها لم تدم طويلا؛ بعدما فشلت في إحكام قبضتها على منافذ وصول الأسلحة للقوات الاريترية، إلى جانب تفاقم الأوضاع في العاصمة أديس أبابا، وتصاعد الحركات الانفصالية بأثيوبيا على غرار جبهة تحرير إريتريا، ما أدى في نهاية المطاف لنجاح اريتريا في الحصول على استقلالها عام1991بعد حربًا دامية استمرت قرابة الثلاثين عاما.

تجدد الصراع الحدودي بين الدولتين

ظن البعض أن انفصال الدولتين ربما ينهى عقودًا من التناحر، لاسيما في ظل وجود مصالح حدودية مشتركة؛ إلا أن واقع الأمر عكس خلاف ذلك حيث اشتعلت مجددًا حربًا حدودية بين الطرفين عام 1998؛ أسفرت حينها عن خسائر بشرية تقدر بمئات الآلاف من البشر، وأخرى مادية تقدر بملايين الدولارات، وذلك على خلفية تصاعد الخلافات بشأن ملكية منطقة "بادمي" الواقعة على الحدود الجنوبية الغربية، إلى جانب إدراك أديس أبابا خطورة الانفصال الإريتري عنها وانعكاساته على الأوضاع الاقتصادية، ومن ثم مساعيها نحو السيطرة على ميناء عصب ليمون منفذها البحري الوحيد. 

اتفاقية الجزائر ومحاولات كسر الجليد

ظلت المواجهات مستمرة بين الطرفين إلى أن تم التوصل في يونيو عام2000 إلى اتفاق وقف إطلاق النار بوساطة أمريكية، أعقبه التوقيع على اتفاقية السلام الشامل ديسمبر عام 2000 بالجزائر تحت مسمى "اتفاقية الجزائر"، والتي نصت على تأكيد وقف إطلاق النار والمواجهات العسكرية بين الطرفين إلى جانب تشكيل لجنة دولية لترسيم الحدود، بحيث يصبح قرار اللجنة  نهائي وملزم للأطراف. وبالفعل أقرت اللجنة أحقية إريتريا للمنطقة المتنازع عليها، إلا أن أديس أبابا لم تستجب لقرارات التحكيم الدولي وظلت متمسكة بأحقيتها للمنطقة، ما أدى إلى تأزم الوضع وحدوث مواجهات عسكرية أسفرت عن خسائر عميقة في صفوف الطرفين، إلى جانب استغلال قوى إقليمية ودولية لتلك الخلافات للتأثير على ملفات أخرى، لعل أبرزها ملفي سد النهضة وانفصال جنوب السودان(2).

ديناميكيات تعامل حكومتي الجانبين مع الأزمة الحدودية

تعددت مستويات تعامل حكومتي أديس أبابا وأسمرة مع ملف الصراع الحدودي، وهو ما يتطلب نظرة بشأن التحولات في مسار التفاوض حول هذا النزاع.

تأزم مسار المفاوضات

رغم قبول الطرفين للتوقيع على اتفاق السلام الشامل الذي نص على إعادة ترسيم الحدود وفقًا "لاتفاقية الجزائر" التي سبق الإشارة إليها؛ إلا أن ممارستهما التي أعقبت التوقيع على الاتفاق أدت إلى مزيد من عرقلة الأمور. فبالنظر إلى حكومة أسمرة نجدها قد اتخذت جملة من الإجراءات التي تسببت في إعاقة عملية التفاوض، لاسيما تلك المتعلقة بفرض الحظر الجوي على طائرات بعثة الأمم المتحدة الخاصة، المنبثق عنها لجنة ترسيم الحدود، إلى جانب إصدارها قرار بطرد بعض أعضاء البعثة الأممية بحجة مواجهة تهديدات أمنية يمثل هؤلاء الأعضاء مصدرها. في حين بدأت إريتريا التوجه نحو دعم جماعات متشددة بغية مساندتها في أي مواجهات عسكرية مرتقبة، وهو الأمر الذي ترتب عليه فرض عقوبات أممية على أسمرة كانت أبرزها تلك التي طبقت عام 2009.

بينما كان الجانب الإثيوبي أكثر نشاطًا فيما يتعلق بعرقلة تنفيذ اتفاق السلام، لاسيما في ظل تصاعد غضب المعارضة الإثيوبية ومطالبتها للحكومة بالتراجع عن اتفاق ترسيم الحدود؛ فكان أبرز ما اتخذته الحكومة الإثيوبية قرارها بتوطين عدد من الإثيوبيين في قرية "دمبي منقول" على الحدود مع اريتريا ما تسبب في مزيد من التوترات بين الجانبين.

وفي سبتمبر 2003 تقدمت إثيوبيا برسالة لمجلس الأمن أوردت فيها اعتراضها على قرارات لجنة ترسيم الحدود، بل وكثفت أديس أبابا تواجدها العسكري على الحدود ما ترتب عليه رد فعل اريتري مناظر، الأمر الذي أسفر عام 2016 عن مواجهة دامية على جبهة "تسورونا" الجنوبية كانت هي الأشرس من بين مواجهات الطرفين. وقد تزامنت تلك المواجهة الدامية مع تنامي الجماعات الراديكالية وانتشار أعمال القرصنة بالبحر الأحمر، بجانب توترات الداخل السوداني, وهو ما انعكس بشكل مباشر على خريطة تحالفات المنطقة.

وتعددت الأقاويل حينذاك ما بين تيار يرى أن التصعيد الإثيوبي يهدف إلى احتواء غضب المعارضة الإثيوبية على خلفية موافقة أديس أبابا على قرار ترسيم الحدود، وآخر يرى أن رد الفعل الإرتيري كان متعمد في ذلك التوقيت خاصة بعد ظهور تقارير دولية حقوقية تدين انتهاكات النظام في اريتريا، ما دفع أسمرة لمحاولة خلط الأوراق والتصنع بالدفاع عن سيادة أراضيها. 

حكومة "آبي أحمد" وبوادر انفراجة في ملف المصالحة مع إريتريا

جاء اختيار "آبي أحمد علي" رئيسًا للوزراء الإثيوبي، ليكشف عن تحول جديد في السياسة الخارجية الإثيوبية تجاه العديد من الملفات لعل أبرزها ملف المصالحة مع اريتريا. وكانت أولى قراراته فيما يتعلق بهذا الملف إعلانه يونيو الجاري عن قبول ترسيم الحدود وتطبيع العلاقات مع اريتريا، وتأكيده مرارًا على ضرورة إنهاء عقود من المواجهات الدامية بين الطرفين، وهي المواقف  التي لاقت قبولًا إيجابيًا من أسمرة، حيث كشفت وسائل إعلام اريترية عن زيارة لوفد اريتري رفيع المستوى إلى واشنطن لإحراز مزيد من التقدم بشأن تحقيق مصالحة شاملة مع أديس أبابا(3). وفي السياق ذاته أعلن الرئيس الاريتري "أسياس أفورقي" ترحيبه بالموقف الإثيوبي الجديد إزاء ملف المصالحة، عازمًا على إرسال وفد اريتري للعاصمة أديس أبابا لإجراء محادثات حول آليات تنفيذ بنود "اتفاقية الجزائر" وتفعيل نتائج لجنة ترسيم الحدود، ويعد هذا الوفد هو الأول الذي ترسله أسمرة لأديس أبابا منذ اندلاع الحرب عام 1998.

وجاءت ردود الفعل الدولية مرحبة بشكل كبير للطفرة الجديدة في علاقات الطرفين؛ حيث وصف الاتحاد الأوروبي التصريحات المتبادلة بين إثيوبيا وإريتريا بالخطوات الجادة نحو تفعيل اتفاق السلام، بينما أكد الاتحاد الأفريقي استعداده التام للمساعدة في مواجهة أي معوقات محتملة تعرقل استكمال مسار تطبيع العلاقات بين البلدين، وإنهاء عقود من الأوضاع الغير مستقرة التي شهدتها علاقات الجانبين.

رؤية مستقبلية حول مصير النزاع الحدودي

تتعدد السيناريوهات المستقبلية حول مصير ملف المصالحة الإثيوبية الإريترية لاسيما في ظل تحولات الموقف الإثيوبي الأخيرة؛ حيث يتمثل السيناريو الأول في استمرار التجاوب ما بين حكومة "أبي أحمد"، والرئيس الإريتري "أسياس أفورقي"، وصولًا إلى إعلان الطرفين التفافهما حول النتائج التي توصلت إليها لجنة ترسيم الحدود الدولية عام 2003 بشأن أحقية إريتريا في "مثلث بادمي"، ولكن في هذه الحالة نصبح أمام احتمالين غاية في الخطورة يتعلقان بمستقبل "أبي أحمد" في الحكم؛ وبالأخص في ظل اعتراض فئة ليست بالقليلة على التوقيع على اتفاق السلام منذ البداية. ومن هنا يصبح الاحتمال الأول ممثلًا في تصفية "أبي أحمد" وهو ما يمكن استشراف ملامحه من محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها في الثالث والعشرين من يونيو الجاري، أو عزله سياسيًا حتى لو تطلب الأمر تجاوز القانون والدستور الإثيوبي. فيما يصبح الاحتمال الثاني ممثلًا في قبول المعارضة لما ستتوصل إليه الحكومة الإثيوبية من قرارات تتعلق بهذا الملف، وهو احتمال يصعب تحقيقه.

فيما يتجسد السيناريو الآخر في احتمالية تأثر رئيس الوزراء الإثيوبي بمحاولة اغتياله الفاشلة، بحيث يبدأ في التراجع عن بعض سياساته سيما المتعلقة بملف النزاع الحدودي الاريتري، وحينذاك يصعب التكهن بردود الفعل الإريترية إزاء تراجع الموقف الإثيوبي؛ لكن الأكثر وضوحًا أنه في حالة تراجع رئيس الوزراء الإثيوبي عن موقفه سيكون ذلك بمثابة تكرار للأوضاع المأسوية التي شهدتها المنطقة الحدودية المتنازع عليها على مدار العقدين الماضيين.

وإجمالًا؛ يبدو أن الفترة القادمة ستحمل المزيد من المفاجآت بشأن ملف المصالحة الإثيوبية الإريترية، وبالأخص عقب محاولة اغتيال رئيس الوزراء الإثيوبي على خلفية توجهاته الإصلاحية ومواقفه المعتدلة تجاه الأزمة مع أسمرة. وتظل التساؤلات قائمة حول مصير النزاع الحدودي الإريتري الإثيوبي؟ ، وإلى أي مدى يمكن أن تؤثر محاولة الاغتيال الفاشلة "لأبي احمد" في فرص السلام والمصالحة ؟

المراجع:

(1) محمد عبد الصمد محمد، إثيوبيا وأريتريا: حلفاء الأمس أعداء اليوم، مركز مقديشيو للبحوث والدراسات، متاح على:

http://mogadishucenter.com/2015/09/%D8%A5%D9%8A%D8%AB%D9%88%D8%A8%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D8%A3%D8%B1%D8%AA%D9%8A%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D8%AD%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B3-%D8%A3%D8%B9%D8%AF%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84/

(2)الخلافات بين إريتريا وإثيوبيا: فتيل صراع لا نهاية له، جريدة العرب اللندنية, متاح على:

 https://alarab.co.uk/%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%81%D8%A7%D8%AA-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A5%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D8%A5%D8%AB%D9%8A%D9%88%D8%A8%D9%8A%D8%A7-%D9%81%D8%AA%D9%8A%D9%84-%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%B9-%D9%84%D8%A7-%D9%86%D9%87%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%87

(3) Nizaer Manek, Can abiy Ahmed save Ethiopia?,foreign policy,available at:

http://foreignpolicy.com/2018/04/04/can-abiy-ahmed-save-ethiopia/

شارك