الخطوات الحاسمة: "حفتر" ومعركة "الهلال النفطي"

الخميس 05/يوليه/2018 - 01:35 م
طباعة الخطوات الحاسمة:
 
نهال أحمد

شهدت منطقة الهلال النفطي الممتدة بين مدينتي سرت وبنغازي تطورات هامة على مدار الأسابيع الماضية، فقد تمكنت قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة اللواء "خليفة حفتر" من حسم معركة "الهلال النفطي" التي تجددت أحداثها في الرابع عشر من يونيو/حزيران الجاري، بعد مواجهات دامية مع ميليشيا "إبراهيم الجرضان" قائد قوات حرس المنشآت الليبية النفطية سابقًا، ومن ثم يضاف هذا المكسب الميداني إلى حصيلة مكاسب اللواء "حفتر" الأخيرة بعد نجاحه في تحرير مدينة درنة من الجماعات المسلحة الموالية لتنظيم "القاعدة".

الأهمية الإستراتيجية للمنطقة

تقع منطقة الهلال النفطي ما بين مدينتي سرت وبنغازي، وتبعد عن شرق العاصمة طرابلس بحوالي 640 كيلومتر، وهي منطقة صحراوية منبسطة ذات كثافة سكانية محدودة، ينحدر أغلب سكانها من قبيلتي "المغاربة" و"الزوي"، بالإضافة إلى قبائل "أولاد سليمان" في بلدة هراوة . وتحتوي المنطقة على نسبة 80% من إنتاج البلاد النفطي، إلى جانب مساهمتها بنسبة 60% من إجمالي الصادرات الخارجية النفطية الليبية؛ نظرًا لوجود أكبر الحقول النفطية الممثلة في "السرير" و"مسلة" و"النافورة"، كما تقع بها أكبر مصافي ومجمعات تكرير البترول وموانئ تصديره للعالم(1).

تسلسل زمني لأهم المعارك وأطرافها

من المعروف أن المسيطر على منطقة الهلال النفطي ذات الأهمية الإستراتيجية، يكون هو المتحكم الرئيسي في أوراق الأزمة الليبية ككل، ومن هنا توالت السجالات ما بين الفصائل الليبية المتصارعة لبسط الهيمنة عليها.

بداية التكالب على المنطقة

بدأ الصراع العسكري على تلك المنطقة منذ انطلاق الثورة الليبية، وبالأخص عقب الإطاحة بنظام العقيد "معمر القذافي" في 20 أكتوبر/ تشرين الأول، حينما تكالبت الميليشيات المسلحة المدعومة من الخارج للاستيلاء على المنابع النفطية، وكانت أخطرها هي ميليشيا "إبراهيم الجرضان" التي تأسست بنهاية عام 2011. حيث تمكنت حينذاك من السيطرة على أهم المنابع النفطية، ما أدى إلى خسائر فادحة في واردات القطاع النفطي الليبي، بل وأهلت الانتصارات الميدانية التي حققتها الميليشيا في جعل قائدها "إبراهيم الجرضان" رقم هام في المعادلة الليبية، لاسيما بعد دعوته لتعميم الفيدرالية باسم إقليم برقة وتأسيسه مجلس سياسي للإقليم نهاية أكتوبر/تشرين الأول لعام 2012، والذي لم يحظى بأي تأييد إقليمي أو دولي.

منذ ذلك الحين ظلت ميليشيا "الجرضان" متحكمة في بيع النفط الليبي عبر طرق غير مشروعة؛ إلى أن تجرأت عام 2014، وبدأت بتوقيع عقود لبيع النفط بطرق رسمية عن طريق الموانيء النفطية، ما أدى لتحرك دولي من أجل سد كافة الطرق التي من شأنها أن تكسب الميليشيا أي شرعية، فتحركت البحرية الأمريكية لإحباط محاولة نقل شحنة نفط عبر البحر المتوسط تقدر بقيمة عشرين مليون دولار، وبالفعل تم التمكن من احتجاز السفينة "مورنينج جلوري" بالقرب من السواحل القبرصية وإجبارها على العودة لميناء طرابلس وتسليم الحكومة الوطنية الليبية الشحنة(2) .

التوافق بين حكومة "السراج" وميليشيا "الجرضان"

تعددت محاولات الحكومة الليبية عام 2015 لوضع خطط من أجل تحرير الموانئ النفطية، لكن باءت جميعها بالفشل نظرًا لحدوث توافقات ما بين بعض القبائل شرق ليبيا والميليشيات هناك، وكانت "عملية الشروق" من أبرز التحركات التي قامت بها الحكومة الوطنية لكنها لم تحقق أهدافها. وعقب التوقيع على اتفاق الصخيرات في ديسمبر/ كانون الأول 2015، وتشكيل حكومة وفاق وطني برئاسة "فايز السراج"، بدأت الحكومة الوطنية في التقارب مع ميليشيا "الجرضان"، بالتزامن مع التقدم الذي أحرزته القوات التابعة للواء "حفتر" في بنغازي. وبالفعل توصلت الحكومة الليبية والميليشيا لاتفاق مشروط يقضي بتسليم الحقول النفطية للحكومة الوطنية شريطة أن تكون الإدارة الفعلية المباشرة للميليشيا. ما منح "الجرضان" إطار قانوني ساعده في التمادي بممارسته وإدراجه ضمن الأطراف الرئيسية في الصراع الليبي(3).

وقد دفعت تلك الصفقة الجيش الوطني الليبي بقيادة اللواء "خليفة حفتر" في 11سبتمبر/أيلول من العام 2016 إلى شن عملية عسكرية تعرف "بالبرق الخاطف" تم خلالها السيطرة على موانيء (الزيتونية، والبريقة ورأس لانوف، والسدرة)، وطردت قوات "حرس المنشآت النفطية" الموالية لحكومة الوفاق الوطني الليبية دون أدنى مواجهة تذكر لهم ، وذلك على خلفية التوافق الذي تم بين الجيش الوطني وشيوخ قبائل "المغاربة" لحث أفراد حرس المنشآت على عدم مواجهة قوات "حفتر" نظرًا لتفاوت العتاد ما بين الجانبين(4). حينها أعلنت القيادة العامة للجيش الليبي سيطرتها، حتى باغتها هجوم من قبل "قوات الدفاع عن سرايا بنغازي" التابعة "للقاعدة" ليتمكنوا من السيطرة على مينائي "السدرة" و "رأس لانوف" لكن نجحت  قوات "حفتر" من انتزاعهما من التنظيم بعد مضي أسبوع من الهجوم.

"حفتر" وحسم معركة "الهلال النفطي"

وظلت الأوضاع هكذا إلى أن ظهر "الجرضان" مرة أخرى في14يونيو/حزيران 2018 على رأس قوة تتألف من قرابة 1000 مقاتل إلى جانب بعض أفراد من قوات "سرايا الدفاع عن بنغازي"، ليتمكن خلال فترة قصيرة من انتزاع مينائي "السدرة" و"رأس لانوف" من قوات "حفتر" معلنًا في بيان له أنه وقع اتفاق مع شيوخ قبائل "المغاربة" و"التبو" للدفاع عن المنطقة  ورفع الظلم عن أهلها والقضاء على وجود "حفتر" بها، وهو الاتفاق الذي نفته قبائل "التبو" وبعض القبائل الأخرى التي ورد ذكرها في بيان "الجرضان"، وبالفعل استمرت سيطرة الميليشيات على المنطقة حوالي أسبوع، حينها بدأ "الجيش الوطني الليبي" في إعادة تنظيم صفوفه ليتمكن من القيام بهجوم مضاد في عملية عسكرية سميت "بالهجوم المقدس" نجح خلالها من استعادة المناطق التي فقدها على مدار أسبوع وتطويق العناصر الميليشوية، وبسط سيطرته على منطقة الهلال النفطي(5).

الخسائر الاقتصادية

أسفرت المعارك المتوالية بمنطقة الهلال النفطي عن خسائر اقتصادية فادحة، فقد انخفضت السعة التخزينية لخزانات النفط من 950 ألف برميل إلى 550 ألف برميل، صاحبه انخفاض حاد في الإنتاج اليومي النفطي لنحو 450 ألف برميل بحيث ينتج ميناء "السدرة" حوالي 300 برميل، بينما ميناء "لانوف" حوالي 150ألف برميل. فيما أفادت وكالة "رويترز" نقلا عن مصادر محلية عن انهيار احد خزاني النفط الرئيسين بميناء "رأس لانوف" بعد إضرام النيران بهما خلال الاشتباكات التي نشبت على مدار تلك الفترة ، كما أكد مسئولون ليبيون عن تعرض حوالي نصف صهاريج التخزين في "راس لانوف" و"السدرة" لأضرار بالغة على خلفية المواجهات العسكرية بين الفصائل المتنازعة.ومن ثم يصبح القطاع النفطي هو أكثر القطاعات الليبية التي المتضررة من تطورات الأوضاع (6).

موقف حكومة "السراج"

يعكس موقف حكومة الوفاق الوطني الليبية مدى الضعف الذي ينخر أوصالها، فالحكومة تكتفي بالشجب والإدانة دون التحرك ميدانيًا لوقف الفصائل غير الرسمية في الهيمنة على مقدرات ومؤسسات الدولة، حيث عقد المجلس الرئاسي الليبي يوم26 يونيو/حزيران اجتماعا طارئا لبحث تطورات الوضع بمنطقة الهلال النفطي مؤكدًا في البيان الصادر عنه أن "ما أعلنته الجهات المتقاتلة بشأن تسليم الموانيء النفطية لقوات "خليفة حفتر" أمر غير مقبول ويعتبر بمثابة وعد من لا يملك لمن لا يستحق، ما ينذر بتهديد خطير لمسارات التوافق ومخالفة واضحة للقرارات الأممية والدولية"(7). بينما حث عضو مجلس الدولة الليبي "عبد القادر الحويلي" الحكومة الليبية على التحرك بالمنطقة الشرقية واثبات وجودها مشددا على أن القوات الدولية تتصارع على أراضي ليبية وتدمرها بأموال ليبية.

الدور الفرنسي في مكاسب "حفتر" الميدانية

منذ ظهور اللواء "خليفة حفتر" كرقم رئيسي في المعادلة الليبية، أثيرت علامات استفهام بشأن مبررات الدعم الفرنسي له، إلى جانب محاولة الربط بين ما أثير مؤخرًا حول رحلة الاستشفاء التي قام بها "حفتر" لباريس، وتطورات الأوضاع التي أعقبتها. فهل كانت رحلة استشفاء حقًا أم كانت محاولة لإبلاغ اللواء بتطورات خطيرة تقتضي منه تأهب شديد؟. وفي هذا السياق كشف موقع "أفريقيا انتيلجنس" عن قيام وزارة الدفاع الفرنسية بمنح قوات "حفتر" طائرة استطلاع كانت تعمل لدى المخابرات الفرنسية لمساعدته في حسم معركته التي اشتعلت منذ مايو/ايار 2018 في درنة. ومن جانب آخر؛ فبالنظر إلى اتفاق باريس الذي هدف إلى حلحلة الأزمة الليبية، نجد انه لم يخلو من محاولات فرنسية لتثبيت موضع قدم "لحفتر" في المستقبل السياسي للدولة الليبية. فكل الدعم الدبلوماسي والعسكري الذي تقدمه باريس للجيش الوطني الليبي يستند بالأساس إلى أرضية المعارك التي تمكن اللواء من حسمها لصالحه خاصة في مناطق الجنوب التي تشكل منطقة تهديد للمصالح الفرنسية الإستراتيجية نظرًا لتركز غالبية شركات النفط التابعة لها هناك، وهو ما يفسر حقيقة الدعم الفرنسي "لحفتر".

ما بعد معركة "الهلال النفطي"

يبدو أن الصراع على الموارد النفطية الليبية أعقد من أن يتم استشراف رؤية مستقبلية مؤكدة بشأنه، لكن الأكيد أن حسمه يعتمد بالأساس على ورقة القبائل الليبية، وفي رأيي فإن السيناريوهات الأقرب للحدوث يمثلها السيناريو الأول؛ ويعتمد على استمرار الدعم الخارجي دوليًا وإقليميًا لقوات "حفتر" بحيث تتحقق ديمومة سيطرة "الجيش الوطني الليبي" على منطقة الهلال النفطي بالاعتماد على دعم القبائل الشرقية الفاعلة لقواته. بينما السيناريو الآخر يتمثل في  قبول المجتمع الدولي كافة لدور "حفتر" ومن ثم صوغ مبادرات يتم خلالها بلورة مستقبله السياسي في ليبيا بحيث تلقى قبول منه في ظل نجاحاته الأخيرة .

وختامًا؛ فان تطورات الأوضاع الأخيرة التي شهدتها منطقة الهلال النفطي تعكس إصرار "الجيش الوطني الليبي" بقيادة اللواء "خليفة حفتر" في الحصول على أكبر قدر من المكاسب الميدانية، والاستحقاقات التفاوضية لاسيما بعد إحكام قواته سيطرتها على الهلال النفطي وتمكنه من فرض نفسه رقمًا رئيسيًا في المعادلة الليبية، ورغم ذلك  فإن مسار الأزمة الليبية ككل لازال يشوبه التعقيد والجمود و يبقى القطاع النفطي هو الأكثر تأثرًا بالتطورات الليبية الأخيرة.

المصادر:

(1)ما هي أهمية الهلال النفطي في ليبيا، سكاي نيوز، متاح على الرابط:

(2) US navy Seals take over oil tanker seized by Libyan rebels, the guardian,available at: https://www.theguardian.com/world/2014/mar/17/navy-seals-oil-tanker-morning-glory-libyan-rebels

(3) إبراهيم الجضران .. من هو؟ وما دوره في مسألة النفط الليبي؟، تقرير على قناة ليبيا، متاح على الرابط

(4) الجيش الليبي يستعيد موانىء نفطية استراتيجية، سكاي نيوز، متاح على الرابط: 

(5) المسماري: المنشآت النفطية  ستصبح تحت إدارة الحكومة الموازية، إيلاف، متاح على الرابط:

(6) خسائر فادحة جراء الأحداث حول الهلال النفطي الليبي، روسيا اليوم، متاح على الرابط:

(7) المجلس الرئاسي الليبي يعقد اجتماعا طارئا، سبوتنك عربي، متاح على الرابط:

شارك