تحديات مُتداخلة : احتجاجات البازار و مُستقبل الجمهورية الإسلامية

الخميس 05/يوليه/2018 - 01:51 م
طباعة تحديات مُتداخلة :
 
مرفت زكريا

اندلعت تظاهرات عنيفة يوم 24 يونيو/ حزيران الجاري في طهران احتجاجاً علي الوضع الاقتصادي السيء وانهيار العملة الإيرانية في مقابل الدولار   الذي تخطى حوال 9 الاف تومان في السوق الإيرانية، علي الرغم من تقديرات الحكومة التي تقر بأنه حوالي 4200 تومان فقط. حيث تدفق مئات الألاف من المتظاهرين من مختلف المناطق الي مقر البرلمان الإيراني في منطقة "بهارستان" وسط طهران.

ومن الملاحظ أن الاحتجاجات التي كانت تتكرر كل عقد تقريباً في إيران، أصبحت تحدث علي فترات متقاربة للغاية وصلت لشهور قليلة، بل ربما أسابيع، مما يشير الي المخاطر الحقيقية التي أصبحت تحيط بالنظام، وتنبأ بزواله المحتمل. علي الرغم من أن نظام الجمهورية الإسلامية كان قادراً علي احتواء مثل هذه الأحداث في معظم الحالات، الا أن تكرارها السريع قد يؤدي الي فشله في التعامل معها.

مُحفزات الحدث

اختلفت دوافع التظاهرات بشكل عام في إيران فيما بين سياسي، اقتصادي وثقافي، وربما كان هناك تداخل فيما بينهما. لكن المحفز الاقتصادي كان أقوى دائماً، وهو ما ظهر خلال الاحتجاجات الأخيرة فيما ورد من هتافات تندد بالسياسات الاقتصادية للحكومة الإيرانية، التدخلات الإقليمية لإيران في منطقة الشرق الأوسط. كما بدءت الاحتجاجات من قبل البازار الإيراني ضد تدهور أوضاع السوق وارتفاع سعر العملة مما أدي لتراجع المبيعات(1).

في الوقت الذي يُقر فيه البعض الأخر بأن السبب الرئيسي لتدهور الأوضاع داخل طهران هو انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي، واعادة فرض العقوبات الأمريكية مرة أخري. حيث تسعي معظم الشركات العالمية حاليا لتصفية أعمالها داخل إيران قبل دخول العقوبات الأمريكية حيذ التنفيذ بعد مهلة تصفيه اعمال تبلغ 90 يوماً للمشروعات العادية، و  180 يوماً للمشروعات النفطية(2).

 في السياق ذاته، حذر وزير الخارجية الإيراني "محمد جواد ظريف" من مخاطر كبيرة ستواجه إيران في حال فشل الاتفاق النووي، مشيراً الي أن بلاده ستنسحب من اتفاقية العمل المشتركة الشاملة اذا ما  اجبرت علي ذلك. كما اجتمع "روحاني" بأعضاء الغرفة التجارية وعدد من الناشطين الاقتصاديين لبحث المسارات المحتملة لمستقبل الاتفاق النووي وتداعيات الانسحاب الأمريكي، فضلاً عن عودة العقوبات الأمريكية مرة أخري علي إيران(3).

كما ستهدد الخسائر الاقتصادية، لاسيما انخفاض سعر الصرف بتعزيز التضخم و الاضرار بمستويات المعيشة، فضلاً عن الحد من قدرة الإيرانيين علي السفر للخارج. في حين أرجع البعض الاخر  أسباب الاحتجاجات لغياب الشفافية و الوضوح بين الحكومة، البرلمان والشعب.

وعلي الصعيد الأخر ، يري البعض بأن هناك دوافع أخري لهذه الاحتجاجات تتمثل في غياب العدالة فيما بين الأقليات داخل إيران. في السياق ذاته، حذر  "بزشكيان" رئيس كتلة الترك الأذريين (أكبر عرقية في طهران)، من تعرض القوميات للتهميش وغياب العدالة قائلاً " العدالة للجميع وليس لجمع خاص، نحن لا يمكننا أن نتجاهل كردستان ونتوقع من الأكراد دعم الثورة، ولا يمكننا تجاهل العرب ونتوقع منهم أن يدعمونا ". في الوقت الذي تساءل فيه حول ما اذا كانت السلطة الإيرانية لديها المقدرة بالفعل علي تطبيق العدالة فيما بين العرقيات، مختلف المناطق الإيرانية وبين الجنسين(4).

مُحاولات التعاطي مع الأزمة

 أدت الاحتجاجات المتكررة في إيران الي عجز الدولة عن توليد سياسات جديدة  للتعامل مع الازمات المتلاحقة، ولكن كانت هناك بعض السياسات التي انتهجتها إيران لمحاولة احتواء هذه الأحداث، والتي تتمثل فيما يلي:-

1-     توحيد سعر الصرف، أعلنت السلطات الإيرانية توحيد سعر الدولار في السوقين الرسمية والسودة عند 42 الف ريال مع حظر التداول بأي سعر أخر  ومعاقبة من يخالف ذلك، لكن فشلت هذه الخطة، لأن الدولة كانت تتيح مبالغ أقل بكثير  عبر القنوات الرسمية، وكل ما حدث هو أن السوق الحرة أصبحت سرية. كما أعلنت البنوك المركزية فيما بين السياسات الحمائية للأزمة الحالية بتحديد سعر الدولار بحوالي 4200 تومان ولكنه تخطي 9000 تومان وهو ما تسبب في إرباك الاقتصاد الإيراني وتوقف المبيعات في الأسواق نتيجة لتذبذب الأسعار. 

في السياق ذاته، حظرت وزارة التجارة والصناعة الإيرانية استيراد أكثر من 1400 سلعة، أبرزها السيارات. كما أرسل وزير التجارة والصناعة "محمد شريعتمداري" قائمة بالبضائع المحظورة الي منظمة تنمية التجارة الإيرانية، التي تعمل بما يُعرف بـ "نظرية الاقتصاد المقاوم" برعاية المرشد الأعلي "علي خامنئي"، و تقوم علي دعم البضائع المحلية ومنع الاستيراد من الخارج(5).  

2-     تعديل التشكيل الوزاري، أكد نائب الرئيس الإيراني "اسحاق جهانجغيري" علي ضرورة تعديل التشكيل الحكومي الحالي، وانشاء وزارات تتناسب مع التحديات الجديدة التي تواجه إيران. كما دعا "روحاني" للتنسيق بين السلطات الثلاثة (التشريعية، القضائية، التنفيذية) لمواجهة تداعيات الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، واعادة فرض العقوبات مرة أخري.

في الوقت الذي دعا فيه روحاني الي ضرورة الوحدة فيما بين مؤسسات الدولة في إيران، لمواجهة الضغوط الأمريكية المتلاحقة. مؤكدا علي أن غاية واشنطن من هذه الحرب، هي عرقلة الاقتصاد الإيراني حتي تعود طهران لطاولة المفاوضات، وترضخ للشروط الأمريكية فيما يتعلق بالاتفاق النووي(6).

3-     توفير الحاجات الأساسية للمواطنين، أفاد عضو لجنة الميزانية في البرلمان " شهباز حسن بور"  بأن هناك خطة حكومية شاملة لمواجهة غلاء الاسعار، مشيراً بأنه لا مجال للقلق حول القضايا الاقتصادية والوضع المعيشي للناس، فالحكومة لديها خطة شاملة لتوفير السلع الأساسية للمواطنين، وقال في ذلك "لدينا ما يكفي من السكر ،القمح وزيت الطهي ... و العملة الصعبة لضخها في السوق"(7).

من ناحية أخري وعد "روحاني" بتوفير فرص عمل للشباب الإيراني، للقضاء علي أزمة البطالة الحالية الموجودة في طهران، بعد تطبيق نظرية "الاقتصاد المقاوم" التي دعا اليها المرشد الأعلى "علي خامنئي"، والاعتماد علي الذات في تصنيع معظم السلع المحلية التي يحتاجها المواطنين، استعداداً لمرحلة ما بعد إعادة فرض العقوبات الأمريكية(8).

4-     التأكيد علي التمسك بالاتفاق النووي، علي الرغم من الضغوط الداخلية التي تواجه "روحانى" بسبب المخاوف من فشل الحكومة في اقناع الدول الأوروبية بتقديم مقترحات تضمن بقاءها في الاتفاق النووي، الا أنه أفاد بضرورة عدم الانزلاق وراء الحرب النفسية الاقتصادية من قبل واشنطن لإخضاع الإيرانيين لشروطها. من ناحية أخري، دافع روحاني عن مكاسب الاتفاق النووي، الذي اعترف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم وفقاً للقرار  رقم (2231).

كما رفض "روحانى" النظرة الأمنية للاتفاق النووي، مؤكدا علي أن الهدف الأساسي من عقده مع مجموعة (5+1) كان يتمحور حول خروج إيران من الفصل السابع لمجلس الأمن، وهو الهدف ذاته الذي انسحب ترامب لأجله. حيث ترتكز غاية ترامب على تكثيف الضغوط حول نظام الجمهورية الإسلامية حتي يتم اجبار طهران علي الخروج من الاتفاق النووي، ومن ثم يتم فرض كل العقوبات مجدداً، و يتحول الملف النووي الإيراني لملف أمني بالأساس وبالتالي، ستخسر طهران مشروعية برنامجها النووي(9).

ختاماً: تشير الاحتجاجات المتواصلة خلال السنوات الأخيرة لأزمات شديدة تلاحق النظام الإيراني، لكن يظل الدافع الاقتصادي هو المحرك الأساسي لكل هذه الأحداث بداية من الثورة الاسلامية لعام 1979  وانتهاءً باحتجاجات يونيو الجاري. ومن الواضح أن النظام فشل في التعامل مع  هذه الاحتجاجات، نتيجة للفساد والتهميش الطبقي والعرقي، فضلاً عن استحداث نظام الملالي سبب أخر للفشل الاقتصادي يتمثل في تكلفة التدخلات الخارجية.

في النهاية ستشهد الأيام القليلة المقبلة تطورات كبيرة فيما يتعلق بمستقبل نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، بسبب حالة التخبط الشديدة التي يتواجد عليها حالياً، لاسيما بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، غموض مستقبل النظام في ظل التردي الواضح لصحة المرشد الأعلى "علي خامنئي"، وعدم التوافق حول شخصية خليفته، فضلاً عن تشتت الجهود؛ نتيجة التدخلات الإيرانية في كثير من دول المنطقة.

الهوامش:

1.       مظاهرات وسط طهران ضد تدهور الوضع الاقتصادي، الشرق الأوسط، 25/6/2018 ، الرابط

2.       شبح الاحتجاجات يعود الي طهران مع استمرار انهيار الريال، الشرق الأوسط، 25/6/2018 ، الرابط .

3.       ظريف يحذر من مخاطر فشل الاتفاق النووي علي إيران، الشرق الأوسط، 25/6/2018 ، الرابط.

4.       حكومة روحاني تدعو لوحدة الإيرانيين ضد الحرب الاقتصادية، الشرق الأوسط، 25/8/2018 ، الرابط.

5.       إيران توقف استيراد السيارات والاف السلع بسبب نقص الدولار، أخبارك، 26/6/2018 ، الرابط

6.              Iranian take to streets of Tehran in biggest protests since 2012, 27/6/2018,  The Independent

7.              Iran economic protests enter second day amid rial’s collapse, 26/6/2018, The Times Of Israel.

8.              Ray Takeyh, Iran resistance economy debate,7/4/2016,  council on foreign relations.

9.              protests in Iran as Rouhani says “ U.S wants economic war “, 26/6/2018, The Washington Post

شارك