المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان وتحديات محاربة التطرف والتنوع الثقافي

الأحد 08/يوليه/2018 - 04:03 م
طباعة المؤسسات الوطنية
 
هاني دانيال

يبدو أن حركة حقوق الإنسان عالميا بدأت في التراجع، وبالرغم من عدم حماس الولايات المتحدة في استخدام سلاح حقوق الإنسان والحريات في التأثير على إرادة الدول، وخاصة دول العالم الثالث، إلا أن الأمور تبدلت بشكل كبير، ولم تعد حركة حقوق الإنسان كما كانت في السابق، وانعكس ذلك على أوضاع الحريات الفكرية والثقافية، كذلك قلة الاهتمام بالتنمية وتحسين أحوال الدول النامية، وما يترتب على ذلك من تراجع اهتمام المجالس الوطنية لحقوق الإنسان، إلا أنه ومع تنامى المخاطر الإرهابية، اهتمت بعض المؤسسات الحقوقية ببعض الخطوات لمحاربة التطرف ومنع الجماعات الارهابية من جذب الشباب عبر الفضاء الإلكتروني، وبعد ان كان التركيز على الأمور السياسية وحرية التعبير وبعض الإشكاليات التى كانت تسبب توترا لبعض الدول فى العلاقات السياسية مع العالم الخارجي، أصبح هناك نقاط اتفاق يمكن العمل من خلالها عبر تجفيف بؤر التطرف فكريا وثقافيا قبل الحديث عن منع إمداد هذه الجماعات بالسلاح

النشأة والأسباب

تأسيس كثير من المجالس الوطنية المعنية بحقوق الإنسان فى مختلف دول العالم تماشيا مع مبادئ باريس المتعلقة بمركز المؤسسات الوطنية لتعزيز وحماية حقوق الإنسان ، طبقا لقرار لجنة حقوق الإنسان 20 ديسمبر 1993، بحيث  تختص المؤسسة الوطنية بتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها، على  أن  تكون للمؤسسة الوطنية ولاية واسعة قدر الإمكان ومنصوص عليها صراحة في أحد النصوص الدستورية أو التشريعية التي تحدد تشكيلها ونطاق اختصاصاتها، مع تقديم فتاوى وتوصيات ومقترحات وتقارير يغلب عليها الطابع الاستشاري دون الإلزامي إلى الحكومة أو البرلمان أو أي جهاز آخر مختص، سواء بناء على طلب السلطات المعنية أو باستخدام حقها في الاستماع إلى أية مسألة دون إحالة من جهة أعلى، بشأن جميع المسائل المتعلقة بتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها.،  ويجوز للمؤسسة الوطنية أن تقرر نشر هذه الفتاوى والتوصيات والمقترحات والتقارير .

كما سمحت مبادئ باريس لهذه المجالس بتوجيه انتباه الحكومة إلى حالات انتهاك حقوق الإنسان في أي جزء من البلد وتقديم مقترحات إليها تتعلق بالمبادرات الرامية إلى وضع حد لهذه الحالات، وعند الاقتضاء، إبداء الرأي بشأن موقف الحكومة وردود فعلها، والمساهمة في إعداد التقارير التي ينبغي للدول أن تقدمها إلى هيئات ولجان الأمم المتحدة وكذلك إلى المؤسسات الإقليمية تنفيذا لالتزاماتها بموجب المعاهدات، وعند الاقتضاء، إبداء الرأي في هذا الموضوع مع تقديم الاحترام الواجب لاستقلالها، إلى جانب التعاون مع الأمم المتحدة وجميع المؤسسات الأخرى في منظومة الأمم المتحدة والمؤسسات الإقليمية والمؤسسات الوطنية في البلدان الأخرى المختصة بمجالات تعزيز وحماية حقوق الإنسان.

كما توفر هذه المجالس إمكانية المساعدة في إعداد البرامج المتعلقة بتدريس حقوق الإنسان والبحوث المتصلة بها، والمشاركة في تنفيذها في المدارس والجامعات والأوساط المهنية، إلى جانب الإعلان عن حقوق الإنسان والجهود المبذولة لمكافحة جميع أشكال التمييز، لا سيما التمييز العنصري، عن طريق زيادة وعي الجمهور وخاصة عن طريق الإعلام والتثقيف وباستخدام جميع أجهزة الصحافة.

 إلى جانب التنسيق والتشبيك بين هذه المؤسسات الوطنية والمنظمات غير الحكومية المعنية بحقوق الإنسان وجهود مكافحة التمييز العنصري ونقابات العمال، والمنظمات الاجتماعية والمهنية المعنية، مثل رابطات الحقوقيين، الأطباء، والصحفيين، والعلماء البارزين.

محاربة التطرف

يبدو أن تنامى خطر الجماعات الارهابية وخاصة فى الشرق الأوسط، عمل على إعادة النظر فى دور المجالس الوطنية وكيفية القيام بجهد إيجابي فى الحرب على الإرهاب، حيث إنه وفقا لمبادئ باريس كما أشرنا من قبل، وباعتبارها الدستور الحاكم للمؤسسات الوطنية لحقوق الانسان، يقع على عاتقها  مسؤوليات محددة فى مواجهة الكراهية والتعصب ونشر ثقافة حقوق الإنسان، ليضاف ذلك إلى العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية و اتفاقية مكافحة العنصرية والتمييز العنصري .

وفي تجربة للمجلس القومي لحقوق الإنسان فى مصر، والذى تأسس فى  2003وفقا لمبادئ باريس، كانت له تجربة مهمة فى إطار تنقية المناهج الدراسية من الأفكار المتطرفة، ونشر ثقافة المواطنة وقبول الآخر وتعزيز أوضاع حوق الانسان، وهو ما تم من خلال مؤتمرات وورش عمل لتعديل المناهج الدراسية بما يتفق وحقوق الإنسان،  إلى جانب تنفيذ عدة برامج لنشر ثقافة حقوق الإنسان ومكافحة خطاب الكراهية.

ومن ثمار عمل وجهد المجلس إعداد مشروع قانون موحد لتنظيم أعمال بناء وتدعيم دور العبادة، وهو ما أسفر عن إقرار مجلس النواب فى 2017 أول قانون ينظم أعمل بناء وترميم الكنائس، كذلك أعد المجلس مشروع قانون جديد لتكافؤ الفرص وخطر التمييز بين المواطنين ويضع قواعد تشريعية مفصلة تحدد التزامات كافة مؤسسات الدولة العامة والخاصة فيما يتعلق باحترام مبادئ تكافؤ الفرص وحظر التمييز بين المواطنين ووضع العقوبات المناسبة لمخالفتها، وإنشاء آليات مؤسسية لمراقبة تنفيذ القانون على نحوا ايجابي، ووضع نظام إجرائي يسمح بالحصول على أوامر وقتية يوقف الانتهاكات وضمان الانتصاف والعدالة لضحايا الانتهاكات، ودعم ونشر ثقافة المساواة وعدم التميز بين المواطنين ومبدأ تكافؤ الفرص من خلال المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية، وينتظر هذا القانون إقراره من مجلس النواب لإحداث نقلة نوعية فى مواجهة هذا النوع من الأزمات.

التجربة الإماراتية

دولة الإمارات لها أيضا تجربة ثرية في إطار تعزيز اوضاع حقوق الإنسان، بعد أن صدر مرسوم بقانون رقم  2 لسنة 2015 بشأن مكافحة التمييز والكراهية والذي يقضي بتجريم الأفعال المرتبطة بازدراء الأديان ومقدساتها ومكافحة كافة أشكال التمييز ونبذ خطاب الكراهية عبر مختلف وسائل وطرق التعبير، ويحظر القانون الإساءة إلى الذات الإلهية أو الأديان أو الأنبياء أو الرسل أو الكتب السماوية أو دور العبادة وفقا لأحكام هذا القانون أو التمييز بين الأفراد أو الجماعات على أساس الدين أو العقيدة أو المذهب أو الملة أو الطائفة أو العرق أو اللون ، كما جرم القانون كل قول أو عمل من شأنه إثارة الفتنة أو النعرات أو التمييز بين الأفراد أو الجماعات من خلال نشره على شبكة المعلومات أو شبكات الاتصالات أو المواقع الإلكترونية أو المواد الصناعية أو وسائل تقنية المعلومات أو أية وسيلة من الوسائل المقروءة أو المسموعة أو المرئية وذلك بمختلف طرق التعبير كالقول أو الكتابة أو الرسم، على أن يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن خمس سنوات وبالغرامة التي لا تقل عن مائتين وخمسين ألف درهم ولا تجاوز مليون درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من ارتكب فعلا من الأفعال المنصوص عليها أعلاه بإحدى طرق التعبير.

كما جري تنظيم مؤتمرات وورش عمل من أجل إيجاد أرضية مشتركة لصياغة منظومة قوانين وتشريعات دولية تتصدى لجذور وامتدادات الظاهرة الإرهابية في الفضاء الرقمي"، وفهم أعمق للتحديات الجديدة التي تواجه المشرعين والفاعلين الحكوميين والمنظمات الدولية في التعامل مع الاستغلال المتزايد للفضاء الإلكتروني من قبل الجماعات الإرهابية، والتوفيق بين مبادئ حقوق الإنسان والجهود المبذولة في مكافحة الإرهاب الإلكتروني، وكيفية للعمل المشترك بين المؤسسات المعنية بمكافحة الإرهاب الإلكتروني.

المصالحة التونسية

يهتم المجتمع التونسي نتيجة انفتاحه السياسي والثقافي بملف المصالحة، فى إطار احترام وتعزيز أفكار حقوق الإنسان،   وتتزايد الدعوات من أجل تجاوز الأزمات المتعلقة بتعقيدات الوضع الداخلي، التي حالت دون إقرار القوانين الخاصة بإدارة ملف المصالحة الوطنية، وسط مطالبات بإقرار قانون المصالحة بشكل عاجل، من أجل البحث عن صيغة جديدة لتفعيل ملف المصالحة الوطنية وتحقيقها وفقا للدستور، وجود نضج سياسي نسبي يدفع إلى التفاؤل بإمكانية تسوية الملف الذي يعزز الوحدة الوطنية والسلم الأهلي في البلاد، مع التأكيد على أن تونس لا يمكن أن تتقدم إلى المستقبل طالما أنها لم تنته من غلق ملفات الماضي بطريقة تعزز قدرة البلاد على مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل، ومنها بالخصوص الملف الاقتصادي والاجتماعي في علاقة بالتنمية وتوفير فرص العمل.

ماذا بعد؟

الرهان الآن على كيفية الاستفادة من منظومة حقوق الإنسان لمحاربة التطرف ومكافحة التمييز، والاستعانة بنصوص مبادئ باريس لتحقيق هذه الأهداف، بعد ان طال نسيانها نتيجة الانشغال بالحقوق السياسية والمدنية، واستغلال الدول الكبرى لملف حقوق الإنسان والإصلاح السياسي لمحاربة الدول والأنظمة، والابتعاد تماما عن أمور آخري لو كان هناك اهتمام كافي بها، لساهم المجتمع الدولي بفاعلية فى محاربة التطرف ومحاربة الارهاب بالفكر والسلاح الثقافي، بعيدا عنا لحروب والأسلحة الفتاكة، خاصة وأنه مع جذب مواقع التواصل الاجتماعي للشباب، أصبح هناك  حاجة مهمة للتعامل مع هذه التهديدات بروح جديدة وأفكار متطورة، ووسائل غير تقليدية، حتى تكون النتائج مميزة، وكل هذا لن يحدث، طالما لم يتم توظيف المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان بالشكل المناسب، والذي يجعلها تتواصل مع المنظمات الأممية المعنية بحقوق الإنسان،  مثل المفوضية السامية لحقوق الإنسان، ومجلس حقوق الإنسان الدولي، والشبكة الإفريقية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، وغيرها من المنظمات والآليات التي تساعد على هذه المؤسسات على تحقيق أهدافها، مع مراعاة اختيار أعضائها خلال الفترة المقبلة بشكل يتناسب مع هذه التحديات والأوليات التي ينبغي أن تكون على رأس أجندة الحكومات.

المصادر والمراجع

1.         المجلس القومي لحقوق الانسان، د. منى مكرم عبيد

http://www.almasryalyoum.com/news/details/1302142

2.         رئيس الدولة يصدر مرسوماً بقانون بشأن مكافحة التمييز والكراهية

https://www.emaratalyoum.com/local-section/other/2015-07-20-1.803981

3.         المصالحة في تونس بين المصلحة الوطنية والمصلحة الحزبية، ابراهيم بن مراد

https://alarab.co.uk/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D9%84%D8%AD%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D9%84%D8%AD%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B2%D8%A8%D9%8A%D8%A9

4.         كيفية تشكيل المجلس القومى لحقوق الانسان، عبد الغفار شكر

http://www.ahram.org.eg/NewsQ/498327.aspx

5.          القومي لحقوق الإنسان: مجلس النواب مُلزم بمبادئ باريس في التشكيل الجديد

http://www.masrawy.com/news/news_various/details/2018/2/4/1256255/%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D9%85%D9%8A-%D9%84%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%88%D8%A7%D8%A8-%D9%85-%D9%84%D8%B2%D9%85-%D8%A8%D9%85%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D8%A6-%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B3-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF

شارك