أولويات متصاعدة: عودة ملف الهجرة على أجندة القمم الأوروبية

الأحد 08/يوليه/2018 - 04:25 م
طباعة أولويات متصاعدة:
 
آية عبد العزيز

تواجه العواصم الأوروبية عددًا من التحديات والتهديدات المتلاحقة في الآونة الأخيرة، جاء في مقدماتها موجات الهجرة غير الشرعية ومآلاتها العكسية على الأمن القومي الأوروبي الأمر الذي دفع الساسة الأوروبيين باتخاذ موقفًا متوافقًا حول التعامل مع هذا الملف بما يتناسب مع المصلحة الوطنية والأمنية للاتحاد الأوروبي. وذلك في إطار تنامي عدد المهاجرين إلى أوروبا الذي وصل في 2018 إلى ما يقرب من 32 ألفًا من المهاجرين. وفي 2017 بلغ عدد طالبي اللجوء في الاتحاد الأوروبي أكثر من 728 ألف، فيما بلغ عددهم في 2016نحو 1.3 مليون شخص.

إلا أن الحكومات الأوروبية اعترضت على هذه السياسة نتيجة لما تواجه من تحديات اقتصادية فضلاً عن تنامي اليمين المتطرف والشعوبيين الرافضين لإدماج المهاجرين داخل المجتمع الأوروبي خاصة داخل فرنسا وهولندا والدنمارك والسويد أو ألمانيا برغم من محاولة الحكومات معالجة هذه القضية.

تجسد ذلك فيما تواجه المستشارة الألمانية "إنجيلا ميركل" التي تعد من أهم المدافعين والمستقبلين للمهاجرين وساهمت في تقنين أوضاعهم عبر التنسيق الداخلي والخارجي مع دول الاتحاد ضغوطًا داخلية من قبل أعضاء الحكومة اليمنيين، والبرلمان؛ حيث تقدم "هورست زيهوفر" وزير الألماني بخطة عمل تفرض قيودًا تجاه المهاجرين، بعيدًا عن سياسات الاتحاد الأوروبي أو التنسيق معه، الأمر الذي عارضته "ميركل" مبررةً أي خطوة أحادية الجانب في هذا الشأن، مطالبة مهلة لبحث القضية، وكيفية التعاطي معها بشكل أكثر فعالية. ومن الواضح أن  أزمة الهجرة أصبحت من أهم الملفات لدى الأحزاب الشعبوية لاستقطاب أكبر عدد من الداعمين والمساندين لهم. 

الخلافات الأوروبية في التعاطي مع الأزمة

أفرزت الأزمة عدد من الخلافات الحادة بين الحكومات الأوروبية، نتيجة السياسات القاسية التي اتبعتها بعض الدول في التعاطي معها تجلت بشكل كبير في الحادثة الأخيرة في إيطالي؛ حيث امتنعت الموانئ الإيطالية عن استقبال  سفينة "أكواريوس" التي تحتوي ما يقرب من 600 مهاجر. وبعد انتظار دام لأيام تم نقل بعض المهاجرين إلى ميناء بلنسية الإسباني. عبر سفينتين إيطاليتين تابعتين للبحرية وحرس السواحل.

وقد برر رئيس الوزراء الموقف الإيطالي قائلا أن "روما لا يمكنها أن تقبل دروسًا مليئة بالنفاق من دول كانت تدير ظهرها لأزمة الهجرة"، فقد استقبلت روما أكثر من  640 ألف مهاجر معظمهم أفارقة خلال السنوات الخمس الماضية، في الوقت الذي تغافلت فيه بعض العواصم الأوروبية عن استقبالهم.

كما أصر "ماتيو سالفيني" وزير الداخلية الإيطالي على "أن الموقف الإيطالي في التعاطي مع حادث السفينة مؤكدًا أن روما لن تتراجع عن موقفها من السفن التابعة لمنظمات غير حكومية، ولا يمكن للسفن التابعة لمنظمات أجنبية وترفع أعلاما أجنبية أن تملي سياسات الهجرة الإيطالية".

وتعتبر "أكواريوس" من بين أهم السفن الإنسانية التي تبحر في البحر الأبيض المتوسط لإنقاذ كل من يمكن أن يتعرض للغرق وتبلغ الطاقة الاستيعابية للسفينة 600 شخصا.

وأسفر الحادث عن أزمة دبلوماسية بين روما وباريس؛ حيث شجب الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" القرار الإيطالي الخاصة بمنع استقبال سفينة "أكواريوس" التي تديرها منظمة (اس.أو.اس ميديتيران) الخيرية الفرنسية الألمانية، مشيرًا إلى أن "قواعد القانون الدولي تلزم روما باستقبال المهاجرين"،

جاء النهج الإيطالي المتشدد الذي تبنته الحكومة اليمينية الجديدة للضغط بشكل عملي على حكومات دول الاتحاد الأوروبي بضرورة إصلاح السياسات الخارجية الخاصة بالتعامل مع المهاجرين وسبل تقنين أوضاعهم، عبر  إقامة الاتحاد مراكز استقبال في دول المنشأ والعبور  للتعامل معهم وإقناعهم بعدم الهجرة نحو أوروبا.

انكشاف الأزمة ومواجهة الاتحاد الأوروبي

عجز الاتحاد الأوروبي عن تجاوز السياسات أحادية الجانب التي تنامت من قبل بعض الحكومات الأوروبية لمواجهة الأزمة عبر مراقبة الحدود وبناء الحواجز، وتوقيفهم في مخيمات على الحدود لحين تقنين أوضاعهم، لذا برزت قضية الهجرة بشدة على الأجندة السياسية الأوروبية خاصة مع اقتراب موعد القمة الأوروبية في 24 يونيو/ حزيران 2018.

تأتي القمة الأوروبية لمناقشة سبل إصلاح سياسات الاتحاد في مجال الهجرة، للتصدي لموجات الهجرة، واتخاذ قرارًا لمنع تنقل الأشخاص الذين قد حصلوا على حق اللجوء في إحدى دول الاتحاد، وعليه فقد اقترحت المفوضية الأوروبية تخصيص نحو 35 مليار يورو ضمن ميزانية الاتحاد الأوروبي للفترة 2021– 2027 لتطبيق السياسات في مجال الهجرة، بما يعني زيادة الميزانية لما يقرب من ثلاثة أضعاف المبلغ الخاص بالخطة الحالية للأعوام 2014 – 2020.

فيما عبر "ديمتريس أفراموبولوس" المفوض الأوروبي الخاص بشئون المواطنة والهجرة الداخلية، عن أهمية وجود سياسات متكاملة ومنسقة للأوروبيين لمواجهة تحدي الهجرة؛ حيث تنطلق قناعة المفوضية بأن ملف الهجرة سيرافق العواصم الأوروبية لسنوات مقبلة. وعليه فقد رفض إقامة مخيمات لاحتجازهم خارج الاتحاد لا تكون هناك نخة أخرى من "غوانتانامو"، ولكنه اقترح ما يعرف باسم "منصات إنزال آمنة" في دول المعبر في شمال أفريقيا بما يتوافق مع القيم الأوروبية وحقوق الإنسان والقانون الدولي.

التعاون الأوروبي المغربي نموذجًا "للمنصات الإنزال الآمن"

جاء التعاون الأوروبي مع المغرب لمنع استقبال المهاجرين، مع ترحيل الذين وصلوا إلى العواصم الأوروبية، من خلال توقيع إعلان مشترك مع المغرب في يونيو/ حزيران 2013 لتمهيد التعاون في مجال الهجرة، وتنسيق في التعامل مع نقل المهاجرين، لتكون أول دولة في شمال أفريقيا تنخرط مع الاتحاد في شراكة خاصة بالمهاجرين. في مقابل التزام الاتحاد بتقديم الدعم على كافة الأصعدة بما في ذلك تجنبًا الهجرة غير الشرعية، ومكافحة الاتجار بالبشر، والتصدي لشبكات التهريب عبر نظام وطني للجوء والحماية الدولية.

وعليه؛ فقد توج التعاون بإبرام اتفاقية للتعاون في 19 ديسمبر/ كانون الأول 2017، ضمن برنامج متكامل تكلفته 390 مليون درهم، على مدار 4 سنوات يساهم في جعل المغرب دولة مقر للمهاجرين بدلًا عن كونها معربًا لهم نحو أوروبا، وذلك من خلال  تعزيز الإطار التشريعي والمؤسسي لحماية المهاجرين، وتسهيل عملية الإدماج السوسيواقتصادي، علاوة على تسوية أوضاعهم في سوق العمل، وأخيرًا توسيع برامج العودة الطواعية للمهاجرين من المغرب إلى بلدانهم الأصلية.

مآلات صعود اليمين المتطرف على المهاجرين

دعم صعود اليمين المتطرف والقوى السياسة الشعبوية داخل العواصم الأوروبية واتخاذهم بعض السياسات أحادية الجانب من انخفاض عدد المهاجرين وطالبي اللجوء بشكل كبير مقارنته بالأعوام السابقة، مما أدى إلى انخفاض عدد الطلبات المُقدمة بنسبة 54 % في الربع الثاني من عام 2017 مقارنة مع الفترة نفسها من عام 2016، وذلك وفقًا لوكالة الإحصاءات الأوروبية "يوروستات".

كما كشف عن النهج البرجماتي الأوروبي في التعاطي مع الأزمات بشكل منفرد دون التنسيق مع الاتحاد؛ حيث اصبحت القيم الأوروبية والسياسات المشتركة عبئًا يقع على كاهل العواصم الأوروبية ومجتمعاتها التي أضحت تعاني من أزمات اجتماعية وأمنية علاوة على الضغوط الاقتصادية التي أثرت بشكل عميق على رفاهيتها التي باتت تضرب القارة منذ عام 2015، بعدما استطاع مليون مهاجر الدخول إليها عبر تركيا.

القوة المضادة (ألمانيا-فرنسا) للسياسات المتشددة للهجرة

تتقارب ردود الفعل الفرنسية والألمانية حول ملف الهجرة، رافضين تعنت بعض الحكومات الأوروبية في التعاطي مع ملف الهجرة جاء ذلك بشكل جلي بالتزامن مع الرفض الإيطالي لاستقبال المهاجرين في موانئهم. وفي أعقاب القمة الثنائية بين البلدين أعربت "ميركل" على أن ضرورة بحث أسباب الهجرة إلى القارة أولاً قبل التعاطي معها، وذلك مع تفعيل جهود السلام في مناطق النزاعات والحروب الأهلية.  كما أوضحت رغبتها في التنسيق مع باريس لمنع الانقسام داخل الاتحاد، مع أهمية خلق آليات جديدة للتوجه الخارجي يتماشى مع الأزمات والقضايا المتلاحقة بما يحقق حماية للحدود والأمن القومي الأوروبي.

ومن جانبه؛ أكد الرئيس الفرنسي رغبة بلاده في التصدي لهذه الأزمة بالتعاون مع برلين، مع تقدمه بمبادرة إنشاء وكالة أوروبية مشتركة خاصة بمسائل منح اللجوء مع تعديل القوانين الأوروبية في مجال الهجرة، موضحًا إن تفاقم أزمة الهجرة تقتضي ردًا أوروبيا مشتركًا. فضلًا عن قيامه بتعزيز التعاون مع دول المعبر مثل ليبيا لمواجهة الموجات المتدفقة من خلال دول أفريقيا جنوب الصحراء نحو أوروبا.

ويذكر؛ أن برلين سجلت أكبر عدد من طالبي اللجوء التي بلغت نسبة 28% من جميع الطلبات المقدمة في الاتحاد الأوروبي. بعد كل من فرنسا واليونان والمملكة المتحدة وإيطاليا وذلك خلال الربع الثاني من 2017.

ختامًا؛ باتت أزمة المهاجرين تؤرق العواصم الأوروبية نتيجة مآلاتها العكسية على المجتمع؛ لذا فقد تعالت الأصوات الرافضة والداعمة لوقف استقبال المهاجرين، مع اتخاذ بعض السياسات احادية الجانب لعرقلة عمليات النزوح. وذلك في سياق ما تشهده الحكومات الأوروبية من أزمات اقتصادية طاحنة تمهد من تنامي النزعة الانفصالية من الاتحاد الأوروبي للتخلص من السياسات الأوروبية الموحدة التي انعكست بشكل عميق على الداخل الأوروبي. ومن المتوقع أن يستمر هذا النهج في مقابل الدعوة الفرنسية الألمانية بتبني سياسات موحدة للتصدي لهذه الملف دون الانخراط بعيدًا عن سياسات الاتحاد.

المراجع:

1-       مصطفى صلاح، " الهجرة غير الشرعية ومستقبل التعاون الأورومغربى"، المركز الأوروبي لدراسات شمال أفريقيا، 30/4/2018. الرابط

2-        "أيام سوداء تتربص باللاجئين في أوروبا"، روسيا اليوم، 19/6/2018. الرابط

3-       "زحف الشعبويين ـ أزمة الهجرة تغير أوروبا"، دويتشه فيله. الرابط

4-       " إيطاليا: قرار منع سفينة المهاجرين لا رجعة فيه"، روسيا اليوم، 13/6/2018. الرابط

5-       "مفوض أوروبي: لا نريد غوانتانامو للمهاجرين"، وكالة (آكي) الإيطالية للأنباء، 21 يونيو 2018. الرابط

6-       " إيطاليا: على أوروبا أن تغير موقفها من الهجرة"، روسيا اليوم، 17/6/2018. الرابط

7-       " الهجرة إلى أوروبا .. أرقام وإحصاءات"، دويتشه فيله. الرابط

8-       " إيطاليا تريد من فرونتكس الانتقال إلى دول العبور وليس إنقاذ المهاجرين"، Euro news، 19/6/2018. الرابط

9-       " أزمة " أكواريوس" تكشف الخلاف الأوروبي في قضايا الهجرة"، سكاي نيوز عربي، 17 يونيو 2018. الرابط

" ميركل وماكرون: تحدي الهجرة يتطلب ردا أوروبيا مشتركا"، روسيا اليوم، 19/6/2018. الرابط

شارك