كيف فقد العالم الإسلامي حرية الاختيار؟

الجمعة 27/يوليه/2018 - 01:12 ص
طباعة كيف فقد العالم الإسلامي
 
مرفت زكريا

كانت كابول مُنفتحة للغاية في السبعينات، علي عكس ما أصبح عليه الوضع حالياً. لذلك، عندما يحتاج مستشار الأمن القومي "هربرت ماكماستر" لإقناع الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" بأن هناك أمل في أن تعود  باكستان لما كانت عليه سابقاً، يذكره بصورة الفتيات اللاتي كانوا يرتدين تنورات قصيرة في الماضي. علي أن يعد الهدف من ذلك هو اظهار أن هذا البلد كان يتبني القيم الديمقراطية الغربية في يوم من الأيام، ويمكن أن يحدث ذلك مرة أخري إذا قدمت له واشنطن يد  العون و المساعدة، ولكن انعكس الأمر لدي "ترامب" وقرر زيادة حجم القوات العسكرية. فصورة القيم الغربية التي كانت موجودة في باكستان بالماضي، كانت تمثل النخبة الحضرية التي تعتبر غير ممثلة للمجتمع ككل، قبل أن تفرض "طالبان" ارتداء البرقع.

                لكن هذه الصورة التي تؤكد علي تبني القيم الغربية لم تُفقد في أفغانستان فقط، لاسيما منذ صعود حركة "طالبان"، ولكن في معظم دول العالم الإسلامي، وأبرز ما فيها هي فقدان القدرة علي حرية الاختيار.

فلم تكن كل امرأة باكستانية ترتدي تنورة قصيرة في السبعينات من القرن الماضي، لكنها كانت يمكن أن تفعل ذلك دون خوف من نقد أو جلد، كما توجد صور أخري من هذه الحقبة توضح الفرص التعليمية التي كانت متاحة للمرأة في تلك الفترة، لكن دائماً ما تحظى الأزياء بقدر من الاهتمام. و تظهر  صور من الشرق الأوسط، لاسيما في المملكة العربية السعودية منذ الستينات و السبعينات تُظهر النساء والرجال في ملابس السباحة علي رصيف الشاطئ، حيث تبدو هذه الصور وكأنها لأجانب، و لكن المغزى أنه كان  هناك خيار الذهاب الي الشاطئ دون خوف.

فبعيداً عن التنانير والشواطئ، حظيت فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي بنقاش فكرى حاد حول دور الدين في المجتمع. و اندلعت المظاهرات بين اليساريين، العلمانيين، الرأسماليين، الماركسيين، الإسلاميين في جميع أنحاء المنطقة، من مصر الي باكستان.  لكن الإسلاميين المتشددين يرفضون تلك العقود الأكثر تقدمية من الفكر والثقافة، بل يعتبرونها انعكاس للضعف والإنحلال الأخلاقي الغربي، و أن الثقافة الغربية الموجودة في الدول العربية هي ناتج للتأثير الاستعماري. فعلي الرغم من أن اللبنانية "نظيرة زين الدين" كانت من بين النساء الأكثر شهرة في العالم العربي خلال القرن العشرين، إلا أنه لم يكن لها صلة بالحركة النسائية الغربية في ذلك الوقت.

لكن علي مدار العقود القليلة الماضية، أصبح مجال النقاش وحرية الاختيار ضيقاً بشكل كبير. تقدم باكستان حكاية صارخة وتحذيراً لبلدان أخري حول كيفية اضفاء الشرعية على التعصب، وما حدث ليس فقط بسبب قيام طالبان بالاستيلاء علي السلطة بالعنف، مما أدي لفقدان الدولة ماضيها الأكثر تنوعاً وحيوية، بل لأن التأكل للمعايير التقدمية، فضلاً عن التحول البطيء في المعتقدات قد يكون مدمراً.

استحدثت بريطانيا عام 1927 قوانين التكفير ، وحتي عام 1985 تم الاستماع الي 10 قضايا متعلقة بهذا الموضوع في باكستان، كما تم التعامل مع  حوالي 400 قضية من هذا النوع بحلول عام 2011، لكن الأسوء، أن التكفير الحقيقي المزعوم يمكن أن يقتلك في باكستان اليوم. ففي يناير /كانون الثاني لعام 2011 قتل حاكم البنجاب "سلمان تيسير" علي يد حارسه الشخصي بسبب دفاعه عن امرأة مسيحية شابة اتهمت بالكُفر.  

حُكم علي قاتل "تيسير" بالإعدام ولكن تم الاحتفاء به كبطل من قبل عشرات الألاف اللذين حضروا جنازته، فضلاً عن بناء مسجد بأسمه في "إسلام أباد". و أدي اغتيال تيسير  وكذلك أول وزير فيدرالي في باكستان "شهباز بهاتي" بعد شهرين فقط لترويع "فرحناز أسبهاني" وهي صديقة لكلا الرجلين. كانت أسبهاني صحفية سابقة، و في ذلك الوقت كانت عضوة في البرلمان الباكستاني، تعمل في لجنة حقوق الإنسان. والتي حاولت مع هذه المجموعة إثارة مسألة حقوق الأقليات مراراً وتكراراً، حيث حصلت داخل البرلمان علي معلومات أكثر عن العنف اليومي  الذي تتعرض له الأقليات، في الوقت الذي لم يكن أي من أصدقائها علي إستعداد لمناقشة القضية.

 

ودفع اغتيال "سلمان تيسير " و " شهباز بهاتي" أسبهاني  لاصدار كتابها " تنقية أرض النقاء". نُشر  هذا الكتاب العام الماضي، الذى رسم بريق الموت البطيء لحقوق الأقليات والتعددية في باكستان، وما يعنيه ذلك لمستقبل الديمقراطية. النتيجة كانت مؤلمة وموجزة، وتدل علي كيفية تفكيك الأشياء. كانت "أسبهاني" جزء من الأقلية الشيعية في باكستان، ولكنها كانت حريصة علي تجنب الجدل في هذا الموضوع  من خلال تقديم عمل بحثي شامل ومدروس بطريقة منهجية صحيحة تطالب بحقوقها من خلاله. في السياق ذاته، تعرضت هي وزوجها السفير الباكستاني السابق لدي الأمم المتحدة "حسين حقاني" لتهديدات بالقتل بسبب عملها، واضطُرت في النهاية للعيش بمنفي اختياري في واشنطن.

تتبعت "أسبهاني" في كتابها انهيار باكستان في غضون بضعة سنوات من استقلالها، حيث كان مؤسسها " محمد علي جناح" - شيعي علماني- وكان تصوره عن الدولة والفرد داخل المجتمع ( أنت حر، أنت حر  في الذهاب الي معابدك، أنت حر  في الذهاب الي مساجدك، أو أي مكان أخر للعبادة)، وقالت أسبهاني في ذلك " أن رغبتها في أن تعود التعددية الدينية المفعمة بالأمل لم تتحقق بعد".

فبدء الإتجاه نحو جعل الإسلام ركيزة أساسية للحياة في باكستان لاسيما بعد الاستقلال بوقت قصير في عام 1947، كنتيجة لمشاعر المسلمين بأنهم ضحية الهندوس و الاستعمار البريطاني في الهند. و بحلول عام 1973 ، تم إعلان الإسلام كدين رسمي للدولة في باكستان. وفي عام 1974 ، أعلن البرلمان الباكستاني في ظل حكم رئيس الوزراء " ذو الفقار بوتو" أن "الأحمديين" غير مسلمين؛ هي حركة إسلامية، بدأت في أواخر القرن التاسع عشر، تتبع تعاليم القرأن الكريم، ولكن تَعتبر مؤسسها نبياً، وهو ما يزعج المسلمين المتشددين الذين يعتقدون أن محمد (ص) هو النبي الأخير.

كما وجدت "بَينظير بوتو"  رئيس وزراء باكستان الأسبق و أبنه "ذو الفقار علي بوتو" صعوبة كبيرة  في تعريف القومية الباكستانية بعيداً عن الأيديولوجية الإسلامية، وقالت أسبهاني في ذلك " كانت غير قادرة علي إعادة التوازن الدقيق بشأن التوازن بين الأفكار الليبرالية و استرضاء المشاعر الإسلامية ".

و بحلول منتصف الثمانينات، استشري الأدب الذي يهدف لفكرة كُره الشيعة، وانتشرت رواية أنهم غير مسلمين، وهي تهمة خطيرة في بلد ذات أغلبية سُنية، حيث يُشكل الشيعة حوالي 15% من السكان. فقد قُوبل الرئيس السادس لباكستان للأعوام من( 1978-1988) "محمد ضياء الحق" بهجمات من المسلحين السنة علي الشيعة، الأمر الذي مهد الطريق لحملة منظمة للقضاء علي الأطباء، المهندسين و المعلمين من الشيعة في كراتشي وأماكن أخري. فاليوم، أصبحت الشيعة ومساجدهم أهدافاً حية للهجمات المميتة، و منذ عام 2003 قُتل ما يقدر بحوالي 2558 شيعي كنتيجة للعنف الطائفي.

كما حددت "أسبهاني" أربعة مراحل فيما يتعلق بفقدان الأقليات لحقوقهم وزيادة التعصب الديني تجهاهم. حيث كانت المرحلة الأولي تتمحور حول إضفاء الطابع الإسلامي علي المجتمع، مع نقل غير  المسلمين لخارج باكستان خلال فترة الاستقلال، تتبعتها صعود الهوية الإسلامية بالتوازي مع فقدان شرق باكستان. ثم جاءت مرحلة أسلمة القوانين في ظل حكم ضياء الحق في الثمانينات، وأخيراً مرحلة صعود العنف المنظم.

لم يكن التحول مفاجئاً أو بين عشية وضحاها، ولكن ركزت "أسبهاني" علي فترة حكم "ضياء الحق" باعتبارها نقطة اللاعودة. حيث حرص ضياء الحق علي  إدخال فكرة المحاكم الشرعية والقوانين الإسلامية الجديدة المعروفة باسم "قوانين الحدود"، التي تُطبق عقوبات شرعية صارمة في جرائم مُحددة. وخلال فترة وجوده تم تعزيز قوانين التكفير، وإضافة أحكام أخري؛ مثل السجن المؤبد و الإعدام كعقوبة.

فلم يسلم أي جانب من جوانب الثقافة من حملة إضفاء الطابع الإسلامي الممنهج، فتم إغلاق دور السينما من كراتشي لبيشاور. كما تم طرد الفنانين و إعادة تصميم المناهج الدراسية لخلق صورة متجانسة لباكستان كدولة إسلامية، ومن هنا سينظر الطلاب للمسلمين فقط على أنهم المواطنين.

ومازال تراث "ضياء الحق" متجذراً في النظام و حياة الناس اليومية. فلم يعيش المواطنين الذين لم يبلغوا سن الأربعين أي نمط أخر للحياة، في حين أن الأجيال الأكبر سناً ستتذكر  الماضي الأكثر تنوعاً، حتي و أن كانت ستتغاضي عن بعض أوجه القصور. لكن علي الرغم من ذلك، فأن التعصب المتنامي في باكستان قد ترك أثره على التنوع، فبين عام 1947 و اليوم، تقلصت نسبة الأقليات من 25 % الي 3%.

ختاماً: كانت الصورة التي أظهرها "مكماستر " لترامب بمثابة تذكيراً جيداً لما كانت عليه باكستان في الماضي ، لكنه لا يوفر إستراتيجية لاستعادة التعددية التي كانت في يوم من الأيام جزءاً مقبولاً من الحياة في باكستان أو دول أخري مثل أفغانستان، العراق أو مصر. كان كتاب "أسبهاني" بمثابة تذكير  بأنه تم فقدان شيء أكثر عمقاً من التنانير القصيرة في هذه البلدان. كانت سياسات واشنطن لمكافحة الإرهاب التي ساعدت علي الحد من وجود جماعات إرهابية كثيرة مثل "طالبان" بداية جيدة، لكنها غالباً ما فشلت في المضي قدماً نحو إعادة القواعد الأساسية مثل احترام التنوع، كما يعتمد ذلك بالأساس في نهاية المطاف علي جهود السكان المحليين أنفسهم.

المقال متاح باللغة الإنجليزية علي الرابط التالي:

 https://foreignpolicy.com/2017/10/20/how-the-muslim-world-lost-the-freedom-to-choose/.


شارك