من عبد الناصر إلى السيسي: ملتقيات شباب الجامعات تحت قبة جامعة القاهرة

الجمعة 27/يوليه/2018 - 02:11 ص
طباعة من عبد الناصر إلى
 
د. شريف درويش اللبان

تعود فكرة لقاء الشباب في مصر إلى ما يزيد عن 60 عامًا؛ فقد بدأت فكرة هذا اللقاء بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952. وقد كان الزعيم الراحل جمال عبد الناصر من أوائل المشجعين للقاء الشباب على مستوى الجمهورية نظرًا لإدراك القيادة السياسية في ذلك الوقت لأهمية تجميع الشباب المصري في مناسبة عامة أشبه ما تكون باللقاء القومي تؤدي في نهايتها إلى زيادة أواصر الارتباط والاندماج بين هؤلاء الشباب بما فيه صالح الوطن.

في جامعة القاهرة –الأم الرؤوم للجامعات المصرية والعربية- كانت البداية؛ فقد تم تنظيم اللقاء الأول لشباب الجامعات المصرية في عام 1954بمبنى المدينة الجامعية بجامعة القاهرة، وكان هذا المبنى قد تم افتتاحه في العام نفسه.

عبد الناصر يحضر اللقاء الأول بجامعة القاهرة

وقد افتتح الرئيس جمال عبد الناصر المهرجان الكبير، وأشرف عليه السيد كمال الدين حسين عضو مجلس قيادة الثورة، وشارك فيه ما يزيد عن 800 طالبًا وطالبة.

وقد بدأ هذا المهرجان بطابور عرض للطلاب المشتركين في الحرس الوطني، وفي إطار النشاط الفني تم تقديم مسرحية قام ببطولتها الفنان فؤاد المهندس الذي كان طالبًا بمرحلة الدراسات العليا بكلية التجارة جامعة القاهرة في ذلك الوقت.

وشارك في هذا المهرجان أيضًا الفنان الخالد محمد عبد الوهاب الذي قام بتلحين أغنية شدت بها الطالبة ليلى سعودي بكلية البنات والتي كانت شغلت بعد هذا اللقاء بسنوات منصب مدير إدارة العلاقات العامة والإعلام بمكتب وزير التعليم.

وقد شارك في اللقاء الأول للشباب جامعات القاهرة والإسكندرية وعين شمس وبعض المعاهد، كما حضر الملك حسين بن طلال عاهل المملكة الأردنية الهاشمية جانبًا من المهرجان بأنشطته المختلفة، والتي شهدت إقبالاً شديدًا ومشاركة فعالة من جانب الطلاب وخاصةً في المجال الفني؛ حيث قدم طلبة معهد التربية الموسيقية وطلبة معهد الفنون المسرحية عروضًا مميزة.

وقد جاء اللقاء الثاني لشباب الجامعات في عام 1956، عام تأميم قناة السويس، وقد كان هذا اللقاء برهانًا واضحًا على قدرة الشباب وحيويته حتى في أوقات الشدائد والأزمات التي تواجه الوطن على يد أعتى أعدائه.

إلغاء لقاءات الشباب لتحرير الأرض واسترداد الكرامة

وقد نظمت جامعة عين شمس خلال فترة الستينيات اللقاء الثالث لشباب الجامعات، وشارك في هذا اللقاء مجموعة كبيرة من الطلاب وعدد كبير من الشخصيات المهمة، وقد أصبح عديدٌ من الطلاب الذين شاركوا في هذا اللقاء أصحاب مراكز ومناصب متميزة بعد مرور سنوات على هذا اللقاء.

وفي أعقاب هذا اللقاء وقعت نكسة يونيو عام 1967، واتُخذ قرار بإلغاء هذة اللقاءات حتى تُجند طاقات الشباب المصري لاسترداد الآراضي المصري التي احتلتها إسرائيل واسترداد الكرامة المصرية، واستمر هذا الإلغاء حتى عام 1973 عام العبور العظيم من الهزيمة إلى النصر واسترداد الأرض السليبة والثأر لدماء الشهداء الذين تخضبت رمال سيناء بدمائهم الطاهرة.

 

نظام مبارك فشل في التواصل مع الشباب

لم يحضر الرئيس الأسبق حسني مبارك سوى لقاء واحد للشباب، وهو اللقاء الذي أُقيم في أغسطس من العام 1987 بمدينة الإسماعيلية، ولم يكرر مبارك هذه التجربة في التواصل مع الشباب مرة أخرى، فرغم إقامة لقاء شباب الجامعات التالي في رحاب جامعة القاهرة في يناير من العام 1991، والترويج إعلاميًا في وسائل الإعلام وعلى غلاف "المجلة الإخبارية والثقافية" التي تصدرها جامعة القاهرة بأن الرئيس مبارك سيعطي إشارة البدء لأضخم لقاء لشباب الجامعات، إلا أن الرئيس لم يحضر..!. والأغرب أن أسبوع شباب الجامعات عُقد بشكل شبه منتظم في الفترة من 1991 وحتى 2010، ولم يحضر الرئيس افتتاح فعاليات أي من هذه اللقاءات الشبابية، وكأن ثمة حاجز كان يحول بين الرئيس الأسبق مبارك والشباب.

 لقد فشل نظام مبارك فى تلبية إحتياجات الجيل الأصغر سنًا، وخلال السنوات العشرة الأخيرة من حكمه على وجه الخصوص إزدادت الفجوة باضطراد بين الواقع الفعلى والخطاب السياسى بشأن تمكين الشباب والسماح لهم بتحسين أوضاع حياتهم، كما فشل النظام فى تبنى سياسات خاصة بالشباب تكون ملزمة لجميع مؤسسات الدولة، كما لم يتمكن من التوصل إلى حلول واضحة فى مجالات التعليم والعمالة والتمكين السياسى، وركز النظام على الأنشطة الرامية إلى ملء وقت الشباب بدلاً من التركيز على إتاحة الأنشطة السياسية المختلفة لهم بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية والفكرية.

وكنتيجة لتلك الأوضاع جاء الشباب ليفجر الثورة المصرية 25 يناير 2011 التى انضمت إليها أغلب القوى السياسية بعد ذلك، مما أكسب الثورة البعد الشعبى لاحقًا وذلك فى محاولة منه لأن يتمتع بالمكانة التى يستحقها بعيدًا عن محاولات الحجر الذهنى أو الكبت الفكرى أو الوصاية المفروضة.

الشباب على رأس أجندة الرئيس السيسي

إن الأشكال التقليدية للمشاركة السياسية والمجتمعية للشباب آخذة فى الانخفاض فى البلدان المتقدمة والنامية التى تحاول أن تصنع مستقبلاً ومسارًا جديدًا للديمقراطية فيها، وتتمثل تلك المشاركات فى الاهتمام بتأمين معلوماتهم السياسية التى يحتاجونها لاتخاذ قراراتهم السياسية المستنيرة وحتى جميع السلوكيات الأخرى فى الأنشطة السياسية المختلفة، فكثيرةٌ هى الندوات والمؤتمرات التى تناولت قضايا الشباب بالمناقشة والبحث والتحليل والتعليق.

عديدةٌ هى الدراسات والمقالات التى حاولت البحث عن إجابات مقنعة لعديد من التساؤلات التى اهتمت بمشاكل الشباب، وقد توصلت تلك الفعاليات إلى مايمكن أن يكون جزءًا مما سعت إليه، وهو الذى يتمحور حول فهم أفضل لما يطرحه الشباب من أفكار لصالح المجتمع وإدراك أوضح لإحتياجاتهم الحقيقية، وإتقان الإستماع إليهم والتحدث بلغتهم وتلمس همومهم فى إطار محدد الأبعاد، ولذلك جاء التفكير فى إنعقاد مؤتمرات وطنية للشباب كخطوة فريدة من نوعها للتواصل والتحاور بين الشباب من جهة، والمسئولين فى الدولة وكبار المثقفين والمتخصصين والأكاديميين من جهة أخرى، وجاء ذلك فى إطار الإهتمام بالشباب ووضعهم فى أولويات أجندة النظام السياسى الحالى فى مصر وعلى رأسه مؤسسة الرئاسة والقيادة السياسية ممثلة في الرئيس عبد الفتاح السيسي.

إن حرص الرئيس السيسي على النقاش المشترك مع الشباب حول القضايا التى تشغلهم يُعد تجربةً غير مسبوقة لم تشهدها مصر من قبل، حيث تم الاهتمام بمختلف قطاعات الشباب من خلال ظهور شكل وطنى جامع لا يقتصر على تيار سياسى معين، وبالتالى صارت تلك المؤتمرات بمثابة حلقة وصل مع الشباب المصرى بدون حواجز، وكمنصة فعالة للحوار المباشر بين الدولة المصرية بمؤسساتها المختلفة والشباب المصرى، ونتيجة لأهمية تلك المؤتمرات، كانت تغطية فعالياتها المختلفة من أولويات الإعلام وقت انعقادها حتى يُنقل للجماهير حالة التواصل بين طرفى المعادلة (الشباب والدولة)، فالشباب يطرح آراءه والدولة بمؤسساتها تقوم بالرد والشرح والتعليق والتنفيذ أيضًا.

ستة مؤتمرات للشباب في عهد السيسي

وتمثل مؤتمرات الشباب ملتقيات دورية للحوار المباشر بين الشباب المصرى من جهة وممثلين عن الحكومة المصرية ومؤسساتها المختلفة والمتخصصين وقادة الفكر والثقافة فى المجالات المتنوعة من جهة أخرى تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسى، وهى تلك المؤتمرات التى عُقدت على نطاق محلى فقط فى الفترة ما بين 2016-2018، وهى: المؤتمر الوطنى الأول بشرم الشيخ والمنعقد فى أكتوبر2016، والمؤتمر الوطنى الثانى بأسوان والمنعقد فى يناير2017، والمؤتمر الوطنى الثالث بالإسماعيلية فى أبريل 2017، والمؤتمر الوطنى الرابع فى الإسكندرية يوليو2017، والمؤتمر الوطني الخامس للشباب في القاهرة مايو 2018، والمؤتمر الوطني السادس للشباب والذي يُعقد في رحاب جامعة القاهرة العريقة خلال الأيام القليلة القادمة، والذي تُبذل كل الجهود لخروجه في صورة مشرفة تليق بجامعة القاهرة التي شهدت تنظيم اللقاء الأول للشباب في عهد الزعيم جمال عبد الناصر، وكأن القدر يرسل الإشارات نفسها كل فترة بأن ثمة قواسم مشتركة بين عبد الناصر والسيسي، وهو مايجب أن يجعل الشباب يتحلقون حول تجربة الرئيس السيسي لحمايتها من أعداء الوطن سواء في الداخل أو الخارج.

 وبالإضافة لهذه المؤتمرات الستة لا ننسَ المؤتمر الدورى الأول المنعقد فى القاهرة لعدم احتسابه من جانب الدولة والإعلام بأنه واحد من بين تلك المؤتمرات الرئيسة، بالإضافة إلى عدم تكراره بصورة شهرية مثلما كان مخططًا له، كما أطلق على هذه المؤتمرات مسميات أخرى مثل: المؤتمر القومى الأول، منتدى الحوار الوطنى للشباب، الحوار المجتمعى ... وغيرها، كما علاوة على "منتدى شباب العالم"، والذي اتخذ الصبغة العالمية وعدم اقتصاره على الجانب المحلي فقط.

اتجاهات الشباب نحو هذه المؤتمرات

وقد أجرت د. مي مصطفى عبد الرازق مدرس الصحافة بأكاديمية أخبار اليوم دراسة مهمة لاتجاهات الشباب المصرى نحو المعالجة الصحفية للمؤتمرات الوطنية للشباب، وذلك من خلال دراسة ميدانية على عينة من الشباب المصرى من سن 18-35 سنة قوامها 480 مبحوثًا، وكانت لدى النسبة الأكبر منهم درجة اهتمام متوسطة  لكلٍ من متابعة الأحداث المتعلقة بالشباب بشكلٍ عام، وفعاليات المؤتمرات الوطنية للشباب، وتمثلت أهم دوافع متابعة المبحوثين لتلك المؤتمرات في فهم واستيعاب ما يجرى حولهم من أحداث وتطورات مهمة وتبنى آراء أو اتجاهات نحوها، لأنها مؤتمرات للشباب تُعنى بمناقشة قضاياهم ومشاكلهم، لمراقبة أداء الحكومة ومتابعة أنشطتها الموجهة للشباب.

وقد أكدت النسبة الأكبر من المبحوثين أن الشباب المصرى يجمع بين امتلاكه لسماتٍ إيجابية وأخرى سلبية دون أن يطغى أحد الجانبين على الآخر، فكثيرا ما يُنْظَر للشباب باعتباره مشكلة بقصور رؤيتنا على ما يمثله من مخاطر وأوجه للفشل، إلا أن الشباب هو سلاح ذو حدين فهو بمثابة ثروة قومية حقيقية إذا ما أحسن استغلالها، كما أنه قد يتحول إلى أداة هدم وتخريب لذاته وللمجتمع، خاصةً أن كثيرًا من الشباب يشيرون إلى وجود انفصال بين الحياة الفعلية لهم، والانطباعات المستمدة عن حياتهم سواء من التغطيات الإعلامية أو الدراسات الأكاديمية التى تتناول قضاياهم المختلفة.

زيادة تأييد الشباب للنظام السياسي

نتجت عن متابعة المبحوثين للتغطية الصحفية للمؤتمرات الوطنية للشباب مجموعة من التأثيرات كان أهمها التأثيرات المعرفية ثم السلوكية، وأخيرًا العاطفية ، ويمكن القول إن تلك التأثيرات لم تكن ناتجة فقط من متابعة المبحوثين للصحافة المطبوعة خاصة أن نسبةً كبيرة منهم تتابع المنصات الإلكترونية لتلك الصحف بالإضافة إلى جمعهم فى المتابعة لأكثر من وسيلة، كما نجحت تلك المؤتمرات وبدرجة فوق المتوسطة فى تحسين صورة الدولة والنظام السياسى لديهم، وفى زيادة درجة تأييدهم للنظام السياسى القائم، وبإيمانهم بصدق نوايا الدولة وبصحة المسار الذى تسلكه لإصلاح علاقتها بالشباب وإزالة أسباب التوتر بين الطرفين، ومساهمتها فى زيادة قدرة المبحوثين على تقييمهم لأداء الحكومة وبأن تناول المشاكل والقضايا المختلفة بتلك المؤتمرات يحدث ضغطًا على المسئولين لحلها ومتابعتها.

كما أدت المؤتمرات الوطنية للشباب إلى الخروج بحلول وتوصيات ومبادرات للتعامل مع بعض الأزمات والمشاكل  وتحول الكثير من الأهداف إلى نتائج ملموسة فى مجالات عدة منها الاستثمار والنمو الإقتصادى بإصدار قرارات تتعلق بإنشاء جهاز لتنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر...إلخ.

وتوصلت الدراسة إلى جملة من التوصيات والمقترحات نجملها فيما يأتي:

§     لتعزيز المعرفة بقضايا الشباب ينبغى تشجيع إنشاء مراكز بحثية خاصة بدراسة وتحليل تلك القضايا، كما يجب تعاون جميع الجهات ذات الصلة بقضايا الشباب لمواجهة المشاكل المتعلقة بهم، حيث تتسم سياسة الشباب بأنها عبر قطاعية أى تتقاطع مع الكثير من السياسات الأخرى، مما يتطلب وجود تعاون بين عديدٍ من الوزارات والأجهزة الحكومية.

§     الحاجة إلى تقديم مزيدٍ من النماذج الشبابية الناجحة فى مختلف المجالات، بالإضافة إلى احتواء تلك المؤتمرات لقطاعات أخرى من الشباب مثل الفلاحين والعاطلين والمهاجرين والفنيين والمنضمين لمنظمات المجتمع المدنى وغيرهم، خاصةً أنه على صعيد الرأى العالمى فى تلك المؤتمرات الوطنية.

§     تحديد مواعيد ثابتة لتلك المؤتمرات خاصة أن النسبة الأكبر من المبحوثين قد أشارت إلى احتمالية تنظيم تلك المؤتمرات مرة أخرى دون تأكيد ذلك.

§     من الضرورى الاهتمام بقضية الوعى لدى الشباب، ورصد كل المنافذ التى يتسلل منها الفكر الهدام والمتطرف للشباب، ومحاربته بقوة وبطرق غير تقليدية.

§     التوسع فى إجراء مزيدٍ من الزيارات الميدانية والرحلات للمشروعات القومية العملاقة؛ فمن الملاحظ أن اتجاهات كثير من الشباب تتغير إيجابيًا نحو أمور وموضوعات متعددة بعد زيارة هذه المشروعات.

§     تشهد تلك المؤتمرات تناولاً لكثيرٍ من القضايا والمحاور، إلا أنه يُفضل أن يتم طرح قضيتين من قضايا الشباب على الأكثر فى كل مؤتمر من المؤتمرات المقبلة للتركيز عليهما بصورة أكبر وإمكانية الخروج بخطة واقعية للحل والمواجهة على أن يحدد ما على الشباب والدولة من مسئوليات وواجبات ينبغى القيام بها.

§     تخصيص برامج ومساحات محددة لمناقشة قضايا الشباب بشكلٍ بمستمر وعدم الاعتماد على موسمية التغطية للفعاليات والأحداث الشبابية فقط.

§     ضرورة الاهتمام بإجراء دراسات ممتدة أو تتبعية لقياس تأثيرات تلك المؤتمرات على الشباب المستهدف منها لإجراء تقييم مستمر لها حتى يتم التوسع فى إجرائها وتكرارها بشكلٍ متطور ومتنوع.

خلاصة القول، إن فكرة إقامة مثل تلك المؤتمرات يعد اتجاهًا محمودًا من جانب الدولة بشكلٍ عام ومن جانب الرئيس بشكلٍ خاص، مما يعكس اهتمامًا بالشباب وتنمية قدراتهم والرغبة فى إشراكهم بالعمل الوطنى واستثمار طاقاتهم بصورة إيجابية والحرص على إدراكهم لأمور وشئون المجتمع ووعيهم بها، ويجب الحفاظ على تلك التجربة الفريدة من نوعها بالعمل على تطوير فعالياتها على الدوام، والحرص على تناولها إعلاميًا بصورة إبداعية ومبتكرة وبشكلٍ يتواكب مع أهميتها وما تتضمنه من تجديد وتميز، وما تتيحه من فرص ومكاسب للشباب والدولة.

شارك