البرجماتية التركية والثورات العربية (2002-2016)

الأحد 29/يوليه/2018 - 05:21 م
طباعة البرجماتية التركية
 
منال البطران-عرض: آية عبدالعزيز

انتهجت القيادة السياسة التركية سياسة خارجية قائمة على تصفير المشاكل وذلك مع صعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في 2002، وعليه فقد بدأت أنقرة بإعادة النظر في توجهاتها نحو المنطقة العربية؛ حيث سعت إلى التفاعل النشط مع أزمات المنطقة بما يمنحها موطئ قدم يعزز من تواجدها تمثلت في مواقفها المتباينة من الثورات العربية ومآلاتها التي أثرت بشكل عميق على دول المنطقة.

وفي هذا السياق قدمت الباحثة المتخصصة في الشئون الشرق الأوسط "منال فهمي البطران" كتابها المُعنون؛ "البرجماتية التركية والثورات العربية"  في محاولة لتحليل السياسة الخارجية التركية تجاه دول المنطقة العربية وخاصة منذ 2011 تجلت في التعاطي مع الثورات وحقوق الشعوب بما يتوافق مع مصالحها الوطنية.

يهدف الكتاب إلى تحليل السياسة الخارجية تركية تجاه دول الثورات العربية وتحديدًا مصر، مع تتبع مراحل تتطور هذه السياسة وفقًا للمتغيرات الإقليمية الدولية التي أثرت على نسق العلاقات وساهمت في تغير واضح في التوجهات التركية تجاه القيادة السياسية بعد ثورة 30 يونيو.

محورية "العدالة والتنمية" في توجهات السياسة الخارجية

                مر النظام السياسي التركي بعدد من المتغيرات التي أثر على توجهات السياسة الخارجية فضلًا عن  التحول من العثمانية إلى الجمهورية الكمالية، ومن الحزب الواحد إلى التعددية الحزبية، ومن العلمانية المتشددة إلى التصالح الديني، ومن سيطرة الدولة إلى الانفتاح وعليه فقد انعكست مآلات المتغيرات المتلاحقة على تفاعلات السياسة الخارجية، بجانب تأثير نسق البنيان العالمي على الدور الخارجي التركي.

وفي هذا السياق؛ توضح الكاتبة أن المرحلة التي جسدت الدور البارز للأحزاب ظهرت في عهد "أزوال"، لذا فقد نجحت تجربة حزب "العدالة والتنمية" رغم خلفيته الأيديولوجية في لعب دورًا حاسمًا في بلورة السياسات الداخلية والخارجية لتركيا؛ حيث تراجعت فكرة هامشية الدولة التركية في سياق تفاعلاتها مقابل تنامي مركزية العمق الاستراتيجي لتحركاتها باعتبارها نموذج للدولة الفاعلة في إدارة الأزمات الإقليمية والدولية.  

فخلال الفترة السابقة لتولي حزب "العدالة والتنمية" السلطة لم يكن لأنقرة سياسة خاصة تجاه المنطقة، ولكنها كانت مقتصرة في سياق الكتلة الإسلامية كون تركيا عضوًا في منظمة المؤتمر الإسلامي، لذا كان من الصعب الحديث عن وجود رؤية عربية واضحة تجاه تركيا، إلا في نطاق العلاقات الثنائية.

 كانت ملامح "عدم الاهتمام" هي السائدة إلى قرب نهاية التسعينيات، تمثلت في تراجع الاتفاقيات ذات أهمية استراتيجية بين أنقرة ودول المنطقة، علاوة على أن الزيارات الرسمية من العواصم العربية إلى أنقرة وبالعكس كانت نادرة، وفي كل الأحوال كانت السياسة الخارجية التركية متوجهة نحو العالم العربي في إطار ما تفرضه التوجهات الغربية.

لذلك يمكن القول أن حزب العدالة والتنمية منذ تسلمه السلطة في تركيا أواخر عام2002، وفوزه بدورتين انتخابيتين متتاليتين عام 2007 ، و 2011 م، تمكن من إحداث نقلة نوعية أدخلت تركيا مرحلة أنقرة مرحلة جديدة في تاريخها المعاصر، فإذا كان "مصطفى كمال أتاتورك" هو مؤسس تركيا الحديثة، فإن "أردوغان" هو قائد العثمانية الجديدة، التي أحدثت تغيرات جذرية في البلاد دون أن يعطي الفرصة للمؤسسة العلمانية في البلاد وعلى رأسها القوات المسلحة التركية للانقضاض عليه.

تركيا والتحول نحو الجنوب

مثل التحول التركي نحو المنطقة العربية مرحلة من الانفتاح الشامل، وذلك بدافع تحقيق المصالح التركية في المنطقة في "المقام الأول"، لبناء علاقات أوثق  مع النخب العربية، وقد أدى ذلك إلى نشوء مناظرة في الفكر الاستراتيجي العربي حول الدور التركي في الشرق الأوسط والمنطقة العربية، وقد أسفر هذا عن انقسام ثلاثة تيارات تحاول كل منهم تفسير السياسة التركية الجديدة تجاه المنطقة على النحو التالي:

1- التيار الأول؛ ذهب فريقًا من المثقفين العرب إلى أن تركيا ليست بديلاً استراتيجيًا للوطن العربي، لإنها تمارس عملية خداع استراتيجي واستغلال لدول المنطقة بهدف الضغط على إسرائيل وتقديم المزيد لخدمة المصالح التركية، سواء في ملف الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أو ملف الأكراد، بينما أضاف آخرون إن التحركات التركية في الشرق الأوسط تهدف إرسال إشارة إلى الاتحاد الأوربي بأن أنقرة تمتلك  خيارات أوسع وبديلة يمكن ان تتحرك في إطارها.

2- التيار الثاني؛ جاء التيار الثاني موضحًا أن أنقرة تتجه نحو الانفتاح بما يرسخ من مكانتها الإقليمية والدولية باتخاذ المنطقة العربية شريكًا استراتيجيًا في سياق التحولات الداخلية والصعود الاقتصادي المتنامي. 

3- التيار الثالث؛ فإنه يسلم بأن هناك تحركًا تركياً مكثفًا في المنطقة، وأن هذا التحرك هو في اتجاه "امتلاك أوراق إضافية للحركة"، ليس فقط للتأثير ودعم النفوذ السياسي والاقتصادي، ولكن لمواجهة تأثير ونفوذ القوى المنافسة، خاصة إيران.

المنطقة العربية في الاستراتيجية التركية

سعت القيادة السياسية التركية إلى انتهاج سياسة الانفتاح في تفاعلاتها الخارجية، وخاصة تجاه المنطقة العربية مستغلة التحولات التي شهدها النسق العالمي وانهيار الاتحاد السوفيتي، وتدمير القوة العسكرية العراقية، في سياق انحسار الحركة القومية العربية.

كما بدأت أنقرة استراتيجيتها تجاه المنطقة بعد فشلها في الاندماج الأوروبي. مستندة على مرتكزات برجماتية لتوسيع نفوذها، كما حاولت إحياء "الخلافة الإسلامية" في المنطقة، أو ما عُرف "بالعثمانية الجديدة" من خلال إضعاف الدول العربية الكبرى، حتى تتمكن من قيادة المنطقة العربية.

 وعليه، فقد تجسدت الاستمرارية والتغيير في السياسة التركية تجاه المنطقة العربية على رؤية ثابته وواضحة للمصالح القومية التركية وضرورة تأمينها وتحقيقها بصرف النظر عن أي تغيرات في أشخاص القادة أو صانعي القرار، ويتمثل عنصر التغير في ترتيب الأولويات والمصالح أو آليات ووسائل تحقيقها دون تغير جوهري في تقدير هذه المصالح.

مركزية "العثمانية الجديدة"

أوضحت الكاتبة مدى تأثير التحولات العالمية المتلاحقة على إنتاج نخب سياسية ذات توجهات أيديولوجية مغايرة عن السياسات القائمة والسائد، وفي هذا الإطار  لم يكن المجتمع التركي بمنأى عن هذا التأثير فقد شهد مطلع التسعينيات نخبة جديدة مسلمة مثقفة تمكنت بفضل استقلاليتها المتنامية عن الدولة ومرونتها الثقافية واعتدالها السياسي من اختراق نخبة الحاكم والنظام السياسي، لتطرح خطابها الجديد من داخل الفضاء السياسي وليس المجتمعي فقط.

 وفيما يخص العالم العربي فقد قدمت النخب السياسية وفقًا لـ"العثمانية الجديدة" رؤية متوازنة للعلاقة بين الشرق والغرب محدداتها التوازن بين العلاقات مع الغرب بالتزامن مع التوجه نحو العالم العربي والإسلامي كفاعل دولي مؤثر  وخاصة في إدارة ملفاته الداخلية. 

ختامًا؛ انتقلت تركيا من دور القوى التي على مسافة واحدة من الجميع إلى الفاعلين الدوليين إلى التدخل بشكل مباشر في الشئون الداخلية لهم تجلت في موقفها المتباين من الثورات العربية وحلفاءها من التنظيمات الإسلام الحركي مثل تدعيم جماعة "الإخوان" لتكون داعمًا لها في تحركاتها الخارجية واستكمالاً لطموحاتها العثمانية الساعية لاستعادة المكانة والسيطرة على دول المنطقة بما يتوافق مع مصالحها وأطماعها التوسعية.

لذا فلم تعد مهمة أنقرة إقامة علاقات دبلوماسية مع الدول المجاورة والجوار الجغرافي في نطاق تكاملي، ولكن أصبحت المهمة الأولى لها تغيير الأنظمة الحاكة واختراق الشعوب ثقافيًا بما يعزز من إعادة تمركزها وانتشارها على نطاق أوسع. 

 

منال فهمي البطران، البرجماتية التركية والثورات العربية "2002-2016" (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة الأولى 2018) ص1-128.

شارك