هل ستقوض الصين وروسيا وأوروبا استراتيجية الولايات المتحدة تجاه إيران؟

الأحد 05/أغسطس/2018 - 05:29 م
طباعة هل ستقوض الصين وروسيا
 
مصطفى صلاح

بعد أن أعلن الرئيس "دونالد ترامب"، في 8 مايو 2018، انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية منفردة من الاتفاق النووي مع إيران والموقع بين دول (5+1) وإيران في عام 2015، بعدها بأسابيع أوضح وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو" سياسة الإدارة الجديدة تجاه السياسة الإيرانية، في حين تعمل إيران على الحفاظ على علاقاتها الدولية وعدم وجودها داخل عزلة بفعل العقوبات عليها.

هذه الاستراتيجية، كما تعتقد إدارة ترامب، ستجبر إيران على العودة إلى الطاولة وإبرام صفقة "أكبر وأفضل" تعالج مخاوف الرئيس بالاتفاق القائم؛ بالنسبة لطهران، يبدو الآن أن التعافي الاقتصادي الكامل والعلاقات المتجددة مع الدول الغربية أمر مستبعد. لكن هذا لا يعني أن خطط إدارة ترامب ستنجح بمرور الوقت.

حيث تعمل القيادة الإيرانية وفق استراتيجية تحول دون تعرضها للعزلة الدولية من خلال تطوير علاقات أعمق مع الصين وروسيا ودول الاتحاد الأوروبي، بينما تسعى واشنطن مرة أخرى إلى تشديد الخناق على طهران، ومن خلال هذه السياسة ترى طهران أن علاقتها ببكين وموسكو وأوروبا مدخل البقاء والاستمرارية في مواجهة واشنطن.

ولعل توسيع إيران لدوائر علاقاتها الخارجية قد يمكنها من مواجهة الضغوط المفروضة عليها من جانب الولايات المتحدة وفيما يلي عرض للرؤية الأمريكية ورؤية إيران في مواجهتها:

الرؤية الأمريكية

في رؤية ترامب ومجموعة من المراقبين والمسؤولين الآخرين في واشنطن والمنطقة، هناك متهم واحد وراء الفوضى، هي إيران. في إشارة  إلى أنها مولت الجماعات الإرهابية، ودعمت النظام السوري بقيادة بشار الأسد، وساعدت المتمردين الحوثيين المناهضين للسعودية في اليمن.

كما وصف ترامب إيران بأنها "الدولة الرائدة في العالم في رعاية الإرهاب"، مع "رؤية مستقبلية شريرة"، ورفض الاتفاق النووي الذي توصلت إليه، والولايات المتحدة وخمس قوى عالمية أخرى في عام 2015 بـ " صفقة أسوأ من أي وقت مضى (ورفضت المصادقة على أن إيران تمتثل لشروطها). كما وصف وزير الدفاع الأمريكي "جيمس ماتيس"، إيران بأنها "التهديد الدائم الوحيد للاستقرار والسلام في الشرق الأوسط".

يبدو أن واشنطن تعتقد أن تراجع النفوذ الإيراني من شأنه أن يعيد النظام إلى الشرق الأوسط. لكن هذا التوقع يعتمد على فهم خاطئ تجاه إيران؛ حيث تشير العديد من الدلالات أن ذلك لم تتسبب في الانهيار، وأن عملية احتواء إيران لن يعيد الاستقرار، هذا لا ينفي أن هناك العديد السياسات الإيرانية التي تشكل تحديات خطيرة للولايات المتحدة، وليس هناك أي شك في أن إيران قد استفادت من انهيار النظام القديم في العالم العربي، والذي اعتادت على احتواءه.

وعلى ذلك قامت الولايات المتحدة بفرض عقوبات جديدة على طهران عوضًا عن العقوبات التي كانت قد فرضتها عليها قبل إبرام الاتفاق النووي في عام 2015، وشملت العقوبات الأمريكية فرض العديد من القيود على التجارة في الذهب والعديد من المعادن، بجانب قيود على الطيران وصناعة السيارات، كما ستتضمن العقوبات إجراءات تتعلق بالمؤسسات المالية والنفطية الإيرانية، تُفعل العقوبات على الأفراد الذين كانوا على قائمة عقوبات الخزانة الأمريكية قبل الاتفاق النووي.(1)

التعاون الإيراني الصيني

بعد توقيع العقوبات الأمريكية على طهران،  أعلنت الصين أنها ستستمر في استيراد النفط من إيران، حتى بعد تحرك الولايات المتحدة لخفض مبيعات النفط الإيراني إلى الصفر بحلول نوفمبر 2018. وقد يمهد التفاعل الصيني مع إيران الطريق أمام الآخرين كي يحذو حذوهما، الأمر الذي من شأنه أن يقوض حملة الضغط الأمريكية.

كما أعلنت الصين مواصلتها العمل لحماية الاتفاق وتدعو كل الأطراف المعنية به إلى التحلي بالمسؤولية؛ حيث تعتبر بكين خطة العمل الشاملة المشتركة لتسوية قضية البرنامج النووي الإيراني صفقة مشروعة وضرورية للحفاظ على الاستقرار الإقليمي، بالإضافة إلى نظام عدم انتشار الأسلحة النووية، وأن بكين تنوي التمسك بشدة بتنفيذ ما عليها من التزامات في إطار هذا الاتفاق.

وأبلغ "وانغ يي" وزير الخارجية الصيني أبلغ نظيره الإيراني "محمد جواد ظريف" عبر الهاتف بأن تنفيذ الاتفاق لم يتعطل لكنه ربما يواجه بعض العوامل المعقدة الجديدة.(2)

في حين سعى المسؤولون الإيرانيون لتوسيع العلاقات مع بكين من أجل "تحييد الضغط الأمريكي وتقليص أثره"، على حد تعبير رئيس لجنة السياسة الخارجية في "مجلس الشورى" الإيراني في ذلك الوقت "علاء الدين بروجردي"، وعلى الرغم من علاقة الدولتين التاريخية التي تمتد منذ 20 قرنًا من التعاون، لم يكن دعم بكين لإيران مفيدًا كما كان يأمل، ويُعزى ذلك جزئيًا إلى أن الصين لها مصالح سياسية واقتصادية أوسع وأكثر أهمية.

ويمكن إرجاء غياب الدعم الصيني الكامل لإيران بسبب الحرب التجارية الشاملة بينها وبين الولايات المتحدة، بعد أن فرضت الأخيرة رسوم جمركية بنسبة 25 في المئة على سلع صينية بقيمة 50 مليار دولار، وذلك في ظل  تدخل بكين لإبقاء اليوان دون مستواه الحقيقي في التداول.

إن ضعف اليوان يعطي الصادرات الصينية أفضلية في الخارج ويخفف بعضا من الآثار السلبية للرسوم الأميركية على الاقتصاد الصيني، بالإضافة إلى ذلك تشهد منطقة بحر الصين الجنوبي صراعًا بين واشنطن وبكين على النفوذ هناك.

وعلى خلفية هذا التوتر  واستشعار واشنطن بالخطر الصيني المتصاعد كان لا بد أن يولد سياسات أمريكية معادية، تمثلت في محاولة غلق الممرات البرية والبحرية للتزود بالطاقة(البترول والغاز الطبيعي) في وجه الصين، مع دعم استقلال تايوان عن الصين ومحاولة إبرام اتفاقيات عسكرية معها والوقوف لجانب اليابان في الجزر المتنازع عليها مع بكين، علمًا أن واشنطن تتوفر في نفس المنطقة على عشرات القواعد العسكرية التي تهدد الأمن القومي الصيني وأبرزها قاعدة باغرام في أفغانستان، وفي خضم هذا المناخ من التوتر وانعدام الثقة في العلاقات الصينية ـ الأمريكية، تعمد الصين إلى عدم الانزلاق نحو المواجهة الفردية التي لن تصب في مصلحتها، خصوصا وأنها تتوفر على أكبر احتياطي من العملات الأجنبية، وترى أن خير وسيلة لمجابهة الولايات المتحدة هو الاندماج في منظمات تعاون إقليمية ودولية أبرزها منظمة شنغهاي ومجموعة بريكس.

إن إيران بالنسبة للصين حليف استراتيجي ولكن الصين توجه أولوياتها تجاه الولايات المتحدة في عمقها الاستراتيجي المجاور جغرافيًا لها، بيد أن إيران يمكن أن تكون مدخل هام في مواجهة بكين وواشنطن حال قدمت الصين مزيد من الدعم والمساندة لطهران في مواجهة العقوبات الأمريكية المفروضة على الاثنين.

التعاون الإيراني الأوروبي

لا شك أن أوروبا اليوم مضطرة للتعامل مع العقوبات الأمريكية، مما يجعلها في معضلة الاختيار بين ممارسة حقها السيادي، وعدم الإضرار بالتحالف عبر الأطلسي، وفي هذا الشأن فإن الاتحاد الأوروبي وإيران يعملان على خطة من تسع نقاط تهدف إلى مساعدة إيران على الحفاظ على قدرتها على بيع النفط والغاز، وحماية الشركات الأوروبية، وتطوير قنوات مالية خاصة. لكن تجاوز مثل هذه العقبات وإيجاد حلول عملية يتطلب إرادة سياسية من جانب الاتحاد الأوروبي.

وفي هذا الشأن، هناك مساران محتملان، أحد هذه المسارات أن أوروبا ستحقق انفصالًا وديًا مع خروج الولايات المتحدة من الاتفاق دون عرقلة الشركات الأوروبية بلا مبرر، وهذا يتطلب ضمانات ضد التنفيذ الصارم للعقوبات الثانوية الأمريكية وإنشاء إعفاءات قانونية واسعة النطاق تغطي شركات محددة أو قطاعات بأكملها؛ حيث يمكن السماح للشركات الأوروبية العاملة ضمن هذه الإعفاءات بالاستمرار في ممارسة الأعمال التجارية في إيران دون مواجهة عقوبات أمريكية، أو على الأقل يمكنها بناء عملياتها في إيران لتجنب أي اتصال مع الكيانات الأمريكية والأشخاص والمعاملات بالدولار الأمريكي.

كما قامت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بالإجماع بإدخال لائحة المجلس رقم 2271، في عام 1996، التي كان الهدف منها حماية الشركات من آثار تطبيق التشريع خارج حدود الدولة التي يعتمدها بلد ثالث. في الواقع، تعمل اللوائح التنظيمية على إجراء شيء غير عادي - فهي تحظر خضوع كيانات ومحاكم الاتحاد الأوروبي للامتثال لقوانين العقوبات الأجنبية الواردة في ملحقها وإنفاذها، مما يزيد من احتمال فرض عقوبات مالية على الشركات التي تتقيد به، وهذا ما يفرض على أوروبا أن تضيف مخالب إلى موقفها التفاوضي من أجل تخفيف الضرر الذي يلحق بالمصالح الأوروبية مع ضمان استمرار إيران في الالتزام بالاتفاق النووي. وهذا يعني وضع آليات قانونية يمكن أن تساعد في الحد من تأثير العقوبات الثانوية الأمريكية وتهدد بفرض تدابير مضادة تفرض تكلفة سياسية وقانونية واقتصادية على الولايات المتحدة.(3)

التعاون الإيراني الروسي

صرح الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين"، في 17 يوليو 2018،عقب لقاء القمة الروسية – الأمريكية في هلسنكي، "بأنه سيكون من المؤسف أن تتوقف خطة العمل المشتركة الشاملة حول البرنامج النووي الإيراني (الاتفاق النووي)، وأن الموقف الروسي سيبقى دون تغيير"، في حين أعلن الرئيس الأمريكي ترامب،  أنه من الضروري الضغط على إيران لوقف نشاطها النووي.(4)

وفي هذا الشأن حاولت الولايات المتحدة الضغط على روسيا فيما يتعلق بالتقارب الروسي – الإيراني، في قمة هلسنكي، في نفس الإطار قامت روسيا بتحقيق التقارب مع إسرائيل في مواجهة إيران في سوريا وخاصة فيما يتعلق بالوجود الإيراني بالقرب من الحدود السورية – الإسرائيلية، إلا أنه وعلى من تلك التفاهمات الأخيرة إلا أن روسيا ما تزال تحافظ بقدر كبير على علاقاتها السياسية والاقتصادية مع طهران.

بناءً على ذلك تبقى روسيا محتفظة بعلاقاتها مع طهران حتى وإن تباعدت بينهم وجهات النظر تجاه ملفات محددة، إلا أن هذا التباعد لا يعني تنافر العلاقات بينهم خاصة تجاه الاتفاق النووي التي تعتبر روسيا ركنًا أساسيًا فيه.

إجمالًا: يبقى التقارب الإيراني مع الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي وإن كان يتسم بشراكته القوية، إلا أنه حتى الآن لم يقدم ما تحتاجه إيران في مواجهة العقوبات الدولية المفروضة عليها من جانب الولايات المتحدة، وعلى عكس ذلك يمكن للثلاث شركاء  تقديم الدعم اللازم لمواجهة الولايات المتحدة ودعم إيران خاصة في ظل إعلان إيران التزامها ببنود الاتفاق النووي.

الهوامش:

(1) مصطفى صلاح، هل تستطيع إيران مواجهة العقوبات الأمريكية؟، المركز العربي للبحوث والدراسات، بتاريخ 3 يونيو 2018، على الرابط:

http://www.acrseg.org/40766

(2) تعهد جديد من الصين تجاه الاتفاق النووي، شبكة شبوتنك عربي، بتاريخ 13 يناير 2018، على الرابط:

https://arabic.sputniknews.com/world/201801131029155137-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%86%D8%A7%D9%85%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%88%D9%88%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86-%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7/

(3) مصطفى صلاح، على خلفية الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي: كيف يمكن لأوروبا مواجهة ترامب؟، المركز العربي للبحوث والدراسات، بتاريخ 21 مايو 2018، على الرابط: http://www.acrseg.org/40748

(4) بوتين حول الاتفاق النووي الإيراني: الموقف الروسي سيبقي دون تغيير، شبكة شبوتنك عربي، بتاريخ 16 يوليو 2018، على الرابط:

https://arabic.sputniknews.com/russia/201807161033854313-%D8%A8%D9%88%D8%AA%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%88%D9%88%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D9%82%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A/

شارك