استراتيجية فرض العقوبات: كيف سيتعامل النظام الإيراني؟

الخميس 09/أغسطس/2018 - 04:29 م
طباعة استراتيجية فرض العقوبات:
 
عمر رأفت

عادت الولايات المتحدة الأمريكية لتفرض عقوباتها على إيران مرة أخرى، بعد أن قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض حزمة جديدة على طهران، بعد الخروج الأمريكي من الصفقة النووية الإيرانية في مايو 2018. وكان ترامب ومنذ الوهلة الأولى غير موافق على الصفقة النووية الإيرانية، والتي تمت في مايو 2015، وصرح بهذا الأمر في أكثر من مناسبة، وكان الرئيس الأمريكي يريد أن يفُسد تلك الصفقة بأي شكل من الأشكال، لأنه كان يرى أنها الأفشل على الاطلاق.

ومنذ انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق في مايو ، انسحبت الشركات من إيران إلى حد كبير ، خوفا من عدم الاستقرار وانقطاع النظام المالي في الولايات المتحدة. وردت إيران بأنها سوف تنسحب من الاتفاقية وستبدأ في تخصيب اليورانيوم من جديد ما لم تتمكن أوروبا من أن تضمن له الفوائد التي كانت قد وعدت بها بموجب الاتفاق النووي.

تاريخ العقوبات الأمريكية على إيران

بدأت الولايات المتحدة في فرض قيودًا على إيران منذ أن احتجزت الرهائن الأمريكيين عام 1979، مما أدى إلى حظر تجاري كامل على طهران عام 1995. وفي 31 يوليو 2006 أصدر مجلس الأمن الدولي قراراً ينص على حظر كافة أنشطة تخصيب اليورانيوم، كما أصدر مجلس الأمن الدولي قراراً يجبر إيران على تعليق عمليات تخصيب اليورانيوم، كما تضمن القرار عقوبات على الأفراد والشركات المرتبطين بالمشروع النووي الإيراني.

 

وفي الأعوام التالية توالت العقوبات على إيران حيث فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على المستشارين الإيرانيين وعلى الأصول المالية الإيرانية في البنوك الأمريكية، وصولًا لعام 2015.

وبعد عودة العقوبات هذا العام وتحديدًا في 6 اغسطس 2018، سيتم حظر إيران من استخدام الدولار الأمريكي، وهو العملة الأساسية المستخدمة في المعاملات المالية الدولية وشراء النفط، وسيتم حظر التجارة في المعادن، ومبيعات السيارات الإيرانية الصنع.

كما سيتم إلغاء التصاريح التي تسمح باستيراد السجاد الإيراني والطعام، مثل الفستق، وكذلك التراخيص التي تسمح لطهران بشراء طائرات وأجزاء من الولايات المتحدة وأوروبا، وهو تقييد يأتي بعد أيام فقط من إتمام إيران صفقة لاقتناء 5 طائرات تجارية جديدة من أوروبا

وتلجأ الولايات المتحدة للعقوبات على إيران لأنها ترى أن الجانب الإيراني يخرق القوانين والأعراف الدولية، وحقوق الشعوب.

العقوبات الأمريكية على إيران .. أسباب ودوافع

من الواضح أن الأسباب الحقيقية لفرض عقوبات من قبل الولايات المتحدة ضد إيران، هو العلاقات الامريكية الايرانية من جهة، والعلاقات الايرانية الاسرائيلية، فاسرائيل تريد كبح جماح إيران في الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي يمكن ان تساعدها فيه الأمم المتحدة عن طريق فرض العقوبات.

السبب الثاني لفرض العقوبات، وهو دور وموقف الحلفاء للولايات المتحدة في الخليج، وهم السعودية والامارات، والذي أظهرا انه لا بد من فرض تلك العقوبات أيضا، وهذا نظرا للدور الإيراني في سوريا واليمن والعراق، حيث تعمل على اثارة القلاقل هناك، وزعزعة الاستقرار في تلك البلاد.

حزمة عقوبات جديدة تلوح في الأفق

بعد عودة العقوبات، من المتوقع أن تلك العقوبات لن تكون الأخيرة، فحسبما ذكرت التقارير الصحفية الأمريكية، فإن هناك حزمة تنتظر إيران، وتلك المرة سوف تستهدف هذه العقوبات صناعة النفط في إيران ، والتي يعتمد عليها اقتصاد إيران بشكل كبير.

وقال بعض المحللون إن تلك العقوبات لن تكون الاخيرة طالما أن إيران تستمر في سياستها في الشرق الأوسط، وفي الوقت الذي لا يمكن التوصل فيه إلى اتفاق جديد، كما قالوا إن تلك العقوبات ستساهم في القضاء على سوق تصدير النفط الإيراني.

ما بين التكيف والتأثر: إيران والتعاطي مع العقوبات

ستتأثر إيران بالعقوبات الأمريكية بشكل كبير، فمن ناحية، تعرضت إيران البلاد لضغوط اقتصادية حادة حتى بدون فرض العقوبات، وبعد فرض العقوبات التي من المؤكد أنها ستجعل الأمور أسوأ. ويمر الاقتصاد الايراني بدوامة هبوطية قبل أن يتخذ ترامب قراره وهذا نتيجة السياسات التي تبنتها ايران، حسبما أبرزت مجلة "ذا اتلانتك الأمريكية"

وبعيداً عن ذلك، تضاعفت مشكلات إيران بسبب العملة، فقد سعر الدولار في إيران إلى 110،000 ريال في السوق غير الرسمية .وعلى جانب أخر، فأن الولايات المتحدة تلجأ لمثل هذه العقوبات من أجل استدراج الشعب الإيراني لإحداث انتفاضة يمكن من خلالها إحداث ثورة ضد النظام الإيراني وامكانية اسقاطه، لكنها لا تدرك أن النظام الإيراني نظام متماسك بالأساس والشعب ملتف حول النظام، لأن أي عدوان خارجي ستؤدي لالتفاف الشعب حول النظام ويوحد الصفوف ضد التدخلات الأمريكية السافرة بشؤونهم الداخلية، وكل الدول الصديقة لإيران باستطاعتها أن تقف ضد هذه العقوبات، لأنه بالتأكيد سيكون لدول مثل روسيا دورًا كبيرًا في مساندة إيران ضد العقوبات الأمريكية.

ووفقًا لصحيفة وول ستريت جورنال ، قد تفقد إيران إمكانية الحصول على 400 مليون دولار من أموالها في حساب ألماني إذا ما واصلت برلين قاعدة مالية جديدة من شأنها أن تمنع المعاملات التي تؤثر سلبًا على علاقتها مع البنوك المركزية والمؤسسات المركزية - على وجه الخصوص ، الفيدرالية الاحتياط ووزارة الخزانة، وهذا استجابة للعقوبات الأمريكية الجديدة.

وقد استلمت إيران خمس طائرات مروحية فرنسية الصنع خلال عطلة نهاية الأسبوع لأسطولها التجاري المحلي ، مما يشير إلى ما إلى ان تلك الطائرات ستكون الفائدة الأخيرة من الاتفاق النووي.

ويبدو أن إيران كان مستعدة لتلك العقوبات، حيث أن بنوك البلاد قد خلقت بالفعل آلية لواردات السلع الأساسية من روسيا، وأعلن بنك صادرات إيران (BSI) أنه أبرم اتفاقًا مع فرع بنك ملي الإيراني في موسكو حول خطة إعادة التمويل التي تنص على توفير 10 ملايين يورو لتمويل واردات السلع الأساسية والأدوية المعدات الطبية والمواد الخام للوحدات الصناعية.

وحسبما ذكرت قناة برس تي في، فإن معدل الأموال التي يقدمها بنك مير بيزنس بنك لمؤشر BMI سوف يوفر نسبة 2.5٪ مع فترتي عودة مدتها 6 أشهر وسنة. وذكرت وكالة الانباء الايرانية الرسمية إيرنا أن الاتفاق بين البنكين سيغطي الواردات فقط من روسيا أو كومنولث الدول المستقلة، وأضاف بيان BSI أن الواردات الخاضعة للاتفاق مع BMI بحاجة إلى موافقة الوزارة المعنية في طهران.

هل يحدث حوار إيراني أمريكي؟

في تحول مفاجئ، صرح الرئيس الأمريكي ترامب أنه مستعد من أجل أجراء حوار مع الجانب الأمريكي، وهو الأمر الذي وضعت له طهران بعض الشروط ؛ حيث قال الرئيس الإيراني حسن روحاني إن إيران سترحب بالمحادثات مع الولايات المتحدة "في الوقت الحالي، وإن ايران ليس لديها شروط مسبقة للتحاور، واذا كانت الحكومة الامريكية راغبة في هذا، فيمكن التحاور معها.

ومن هنا، يمكن القول إنه يمكن رؤية اجتماع بين الجانب الإيراني والأمريكي، فإيران تسعى إلى تجنب العقوبات الأمريكية، وترامب يسعى إلى اتفاق جديد يمحو به اتفاق سلفه باراك اوباما.

وستكون إيران حريصة على عقد اجتماع مع الجانب الأمريكي في أقرب وقت خلال الأيام القادمة لتجنب العقوبات المنتظرة في نوفمبر المقبل.

ماذا عن موقف الدول الأوروبية؟

أظهرت الدول الأوروبية رفضها لخروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني، حيث قالت إن هذا الأمر سيضر بمصالحها في إيران، ولكن وفي نفس الوقت تعلم الدول الأوروبية أنها يجب أن تحذو حذو الولايات المتحدة. ,تعلم الدول الأوروبية التأثير السلبي للعقوبات الأميريكية على الشركات الأوروبية التجارية مع إيران، والتي يستهدفها ترامب بالتحديد. وبعد عودة العقوبات، فإن الدول الأوروبية لن تكون قادرة على التمسك بالتزاماتها في الاتفاق، مهما كانت رغبتها في ذلك.

وقد عبر الاتحاد الأوروبي، عن أسفه الشديد لإعادة فرض العقوبات الأمريكية على إيران، وقال إنه والأطراف الأخرى الموقعة على الاتفاق النووي مع طهران سيعملون على إبقاء القنوات المالية مفتوحة معها، وأن الأطراف الأخرى في الاتفاق النووي التزمت بالعمل للحفاظ على قنوات مالية فعالة مع إيران واستمرار تصدير إيران للنفط والغاز، كما أظهر تصميمه على حماية الشركات الاقتصادية الأوروبية التي تعمل مع إيران، وأن الحفاظ على الصفقة النووية مع إيران هو مسألة تتعلق باحترام للاتفاقيات الدولية والأمن الدولي.

ولكن يبدو ان الاتحاد الاوروبي سيلجأ في نهاية الأمر للرضوخ للقرارات الأمريكية، وهذا خوفا من رد الفعل الأمريكي حال الوقوف بجانب إيران. وستكون تلك العقوبات في نهاية الأمر ما هي الا وسيلة للضغط على إيران من أجل التفاوض ليس فقط على برنامجها النووي وإنما على دورها السياسي والعسكري ومن ضمنها صناعة الصواريخ البالستية في المنطقة العربية وإسرائيل.

شارك