عودة اللاجئين السوريين لبلادهم: تحدي روسي جديد لزيادة النفوذ بالمتوسط

الخميس 09/أغسطس/2018 - 05:03 م
طباعة عودة اللاجئين السوريين
 
هاني دانيال

جاءت الخطوة الروسية لفتح الطريق إلى عودة اللاجئين السوريين إلى ديارهم، بالتعاون مع الأمم المتحدة والرئيس السوري بشار الأسد، بمثابة الأمل الذى كان ينتظره ملايين السوريين الذين أجبرتهم الحرب والظروف المعيشية القاسية إلى مغادرة بلادهم عن غير رغبة، في الوقت الذى استقر فيه البعض الآخر في بعض الدول الأوروبية والعربية، وغير راغبين في العودة مرة آخري، ولكن الإشكالية هنا في كيفية تحويل الرغبة الروسية إلى واقع، ومدى تخطى العراقيل الموضوعة، خاصة وأن التنفيذ سيجد كثير من الصعوبات، ولن تحقق هذه الدعوة الصدى المنتظر.

إشكالية كبري

منذ اندلاع الأزمة السورية في مارس 2011، وتحولها إلى حرب بين الفصائل المسلحة والمعارضة والجيش السوري، والمنظمات الدولية إلى جانب التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب بقيادة واشنطن تسعي لحلها، سياسيا وعسكريا، وحسب الأرقام الرسمية هناك أكثر من 8 مليون لاجيء ونازح سوري، كما أن هناك حوالي 13.5 مليون شخص في سوريا حالياً ممن هم بحاجة للمساعدة الإنسانية، من بينهم حوالي ثلاثة ملايين شخص يعيشون في مواقع محاصرة ومناطق يصعب الوصول إليها، ورغم عودة حوالي 600,000 نازح داخلياً وأكثر من 30,000 لاجئ تلقائياً إلى منازلهم في النصف الأول من عام 2017، إلا أن ظروف العودة الآمنة والتي تضمن الكرامة ليست متوفرة بعد.

محاولة روسية

في إطار توهج الدور الروسي لتغيير قواعد اللعبة على الأراضي السورية منذ أكتوبر 2015، أصبحت موسكو هي المحرك الرئيسي لكل ما يتم داخل سوريا، ومنذ تدخلها جويا لملاحقة عناصر تنظيم داعش الارهابي، وأمسكت ببواطن الأمور، حتى أن حكومة دمشق بقيادة الرئيس السوري لا يمكنها اتخاذ أي قرارات دون التنسيق مع موسكو، وهو ما برز في كثير من الأحداث والقرارات التي انعكست في زيادة نفوذ دمشق على كافة الأراضي السورية، حيث ساهمت الضربات الروسية في هيمنة حكومة دمشق على أكثر من 80% من الأراضي السورية، بعد ان كانت 40% فقط قبل أكتوبر 2015، إلى جانب ساهمت موسكو في دعم حكومة دمشق دوليا، وبعد ان كانت الولايات المتحدة وعدد من الدول رافضة للتفاهم مع الرئيس السوري، والمطالبة بإيجاد بديل له، أصبح فاعلا وواقعا لا يمكن  استبعاده من أي تفاهمات بخصوص مستقبل سوريا، وهو ما بدا في كل المفاوضات التي دعت إليها الأمم المتحدة من أجل إيجاد بديل للأزمة السورية، وكذلك مفاوضات خروج المعارضة المسلحة إلى مناطق آمنة، وكلها تمت بالتنسيق مع الأسد وحكومته.

وفى قمة هلسنكي، والتي جمعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأمريكي دونالد ترامب في أول قمة رسمية بينهما، اهتم الطرفان بعودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، والبدء مع دول الجوار في مفاوضات لإنجاز هذه المهمة، والبدء في استعادة اللاجئين من الأردن ولبنان على أن يتم بحث عودة اللاجئين من تركيا أيضا خلال الفترة المقبلة.

وتراهن موسكو على الدعم الغربي لدعوتها، فى إطار البحث عن إعمار سوريا ما بعد الحرب، خاصة وأنه من مصلحة الدول الغربية والعربية عودة ملايين السوريين لبلادهم، وتخفيف الضغط على كاهل هذه الحكومات، ففي ألمانيا هناك محاولات جادة تتم منذ شهور لتحفيز اللاجئين السوريين الذين تم رفض طلبات اللجوء الخاصة بهم على الأراضي الألمانية فى العودة لبلادهم مع برنامج تحفيزي يشمل ألف يورو شهريا ولمدة عام، لضمان توفير حياة كريمة لهم ولآسرهم، ووفقا للأرقام الرسمية الألمانية يبلغ عدد المستفيدين من برنامج دعم عودة اللاجئين، بلغ 8639 شخصا فقط في الفترة بين فبراير و أكتوبر 2017، خاصة وأن هناك  115 ألف طالب لجوء تم رفض طلباتهم، يعيشون في ألمانيا حاليا، من بينهم نحو 80 ألف حصلوا على حق إقامة مؤقت لحين البت في طلباتهم مرة أخرى بالإضافة إلى 35 ألف قرار ترحيل، وتقوم السلطات الألمانية منذ سنوات بدعم من يقرر طواعية العودة لبلاده.

               كذلك يخوض حزب البديل من أجل ألمانيا- أحد أهم الأحزاب اليمنية والممثلة حاليا فى البرلمان الألماني – حربا شرسة من أجل ابعاد اللاجئين السوريين، باعتبارهم مصدر الخطر الأكبر على المواطنين الألمان نتيجة وجود عناصر من تنظيم داعش في صفوفهم، كذلك يمثل اللاجئين السوريين عبئا كبيرا على كل من الأردن ولبنان، وتسبب وجودهم في أزمات اقتصادية طاحنة لكلا البدلين، وجاءت الدعوة الروسية بمثابة قارب انقاذ لهما.

وتراهن موسكو على مشاركة المجتمع الدولي في إعمار سوريا، وعلاج ما خلفته الحرب هناك طيلة السنوات الماضية، وهو ما كان محل ترحيب من العواصم الغربية، ووعدت كل من ألمانيا وفرنسا بتقديم المساعدات للنازحين داخليا واللاجئين العائدين لمناطق إقامتهم الدائمة .

في الوقت الذى فضلت فيه عدد من الدول استمرار نهج الدمج الذى تتبعه على أراضيها في احتضان اللاجئين السوريين، وخاصة في السويد التي تعمل منذ سنوات على دمج السوريين في المجتمع السويدي، وهو النهج الذى تتبعه أيضا الحكومية النمساوية عقب الحصول على صفة لاجئ، حيث سيحصل اللاجئ على حق العمل والضمانات الاجتماعية. كما تواصل موسكو اتصالاتها بدول اللجوء الأوروبية الأخرى، حيث يقيم اللاجئون السوريون لبحث مسألة عودتهم الطوعية لبلادهم.، فى حين يظل موقف اليونان غير واضح، وكذلك موقف المجر، الذي تعانى من تنامى التيارات اليمنية التي تتخذ موقفا سلبيا  من اللاجئين والمهاجرين.

دول الجوار

وتماشياً مع هذه الخطوة الروسية توجه فريق عمل روسي إلى كل من لبنان والأردن وتركيا لبحث عودة النازحين إلى سوريا، وبحث كيفية إنشاء مراكز مشتركة لعودة النازحين السوريين، والتي ستعمل على مدار الساعة، واستهداف عودة 1.7 لاجئ خلال عامين، من خلال توفير ممرات آمنة سواء في لبنان أو الاردن تسمح بتسجيل اللاجئين قبل عودتهم، ومتابعة وجودهم في الأماكن المخصصة التي سيتم توفيرها، لضمان عدم معاناة هؤلاء من أي أزمات آخري تفشل هذه الخطوة، حتى يتم ضمان تحقيق ما ترجو إليه روسيا من جانب، ودعوة اللاجئين الذين اندمجوا في مجتمعات غربية للعود في حل ظهور بوادر استقرار داخل بلادهم، وسهولة عودة أقرانهم لقراهم.

قمة سبتمبر

وتتجه الأنظار إلى شهر سبتمبر المقبل من أجل انتظار ما ستسفر عنه قمة الدول الضامنة بمشاركة روسيا وتركيا وألمانيا وفرنسا بشأن عودة اللاجئين السوريين، خاصة وأن الحكومة السورية أعلنت استعدادها الكامل  لحل جميع المشاكل العالقة التي تعيق عودة اللاجئين إلى سوريا، وبالرغم من ظهور الفكرة منذ أيام قليلة، إلا ان موسكو نجحت حتى الآن في افتتاح عشرة مراكز جديدة لاستقبال اللاجئين العائدين إلى سوريا.

وبالرغم من عدم وضوح الموقف الأمريكي من عودة اللاجئين السوريين، ومدى مشاركتها في هذه القمة، إلا أن هناك تقارير اعلامية تشير إلى أن موسكو فتحت خط اتصال مع الجنرال جوزيف دنفورد رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة، لتقترح تعاون خصمي الحرب الباردة السابقين في إعادة إعمار سوريا وإعادة اللاجئين إلى البلاد، والتأكيد على أن واشنطن يمكن  بشرط التوصل إلى حل سياسي لإنهاء الحرب الأهلية السورية المستمرة منذ سبع سنوات بما في ذلك إجراء انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة.

ماذا بعد؟

الرهان الآن على كيفية استمرار الدعوات الروسية للدول الغربية بكيفية دعم برامج إعمار سوريا، ومساعدة اللاجئين الراغبين في العودة لبلادهم، واقناع اللاجئين أنفسهم بأن بلادهم على أهبة الاستعداد لاحتضانهم من جديد بعد زوال خطر داعش والجماعات المسلحة، وبدء بناء القري المتضررة، وتوفير فرص عمل لهم، ولم شمل مع أسرهم الذين يتواجدون داخل الأراضي السورية حتى الآن.

نجاح هذه الخطوة مرتبط بمدى تبنى الأمم المتحدة لها، وقيام واشنطن بدور إيجابي في هذا الشأن، حتى تنضم للمبادرة عدد من الدول الأجنبية إلى جانب المانيا وفرنسا ، وبالتالي توفير مزيد من المال لإعمار سوريا من جانب، ومساعدة الحكومة السورية فى بسط نفوذها، وأن تكون ممثلة في المرحلة المقبلة، وعدم استبعادها كما كان ترغب واشنطن وبعض الحكومات الغربية الأخرى، وهو ما يعني استمرار نفوذ الروسي في البحر المتوسط من خلال التواجد القوى داخل سوريا، والحفاظ على القاعدة البحرية في طرطوس، بل ووجود ظهير قوى داخل سوريا في المرحلة المقبلة أكبر مما كان قبل 2011، وهو ما يصب في الرؤية التي يتبناها الرئيس الرئيسي فلاديمير بوتين في استعادة البريق الذى كانت عليه بلاده قبل انهيار الاتحاد السوفيتي.

المراجع

1.       ألمانيا: مكافأة مالية سخية لدعم عودة اللاجئين لبلادهم، الرابط

2.       برا وبحرا وجوا.. روسيا تقيم 7 معابر جديدة لعودة اللاجئين إلى سوريا، الرابط

3.       "لم شمل السوريين" حلم يتبدد في برلين.. السلطات الألمانية تقرر الاكتفاء بدخول 1000 شخص فقط شهريًا إلى أراضيها، الرابط 

4.       موسكو: دول أوروبية مستعدة للمشاركة في مشاورات حول اللاجئين السوريين، الرابط

5.       روسيا تؤكد إرسال مقترحات إلى واشنطن حول عودة اللاجئين السوريين، الرابط

شارك