كيف دعمت كوريا الشمالية النزاعات في الشرق الأوسط؟

الخميس 09/أغسطس/2018 - 05:11 م
طباعة كيف دعمت كوريا الشمالية
 
محمد عمر

كشف تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة، أن النظام في كوريا الشمالية لم يوقف برامجه النووية والصاروخية حتى الآن، ومارس العديد من الطرق للتحايل على العقوبات المفروضة عليه من قبل المجتمع الدولي. من بين الآليات التي استخدمها النظام وكشف عنها التقرير الجديد، إرسال وبيع الأسلحة لعدد من الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط، مثل جماعة الحوثي في اليمن وبعض الجماعات المسلحة في ليبيا وسوريا والسودان. لم يقتصر الأمر  على بيع الأسلحة الخفيفة والصغيرة بل تم الكشف عن تسلم الجماعات المسلحة أسلحة ثقيلة، وهو ما ساهم في تعقيد الصراعات بالمنطقة.

كيف كشفت الأمم المتحدة الدعم الكوري للجماعات المسلحة  

اجتمع رئيس كوريا الشمالية كيم يونج أون بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في لقاء تاريخي استضافته سنغافورة. تبادل الطرفان الوعود المطمئنة، فكوريا الشمالية أبدت استعدادها لوقف برنامجها النووي، فيما رحب ترامب بهذا الأمر واعدا برفع العقوبات الأمريكية، وكذلك الدولية عن كوريا الشمالية وتقديم المساعدات لها، إلا أن كوريا الشمالية لا زالت تواصل برنامجها، وتم الكشف عن تجارب سرية بعد لقاء ترامب بما يثبت أنها لن تتنازل بسهولة أو لن تفرط من الأساس في برنامجها النووي، وإزاء هذا الأمر  ستستمر العقوبات عليها وسيتم التشدد في تطبيقها.

واعتاد النظام الكوري الشمالي الالتفاف على العقوبات من أجل الحفاظ على بقائه ودعم مشاريعه النووية، ولجأ في ذلك إلى تهريب النفط وبيع الأسلحة والتعاون مع بعض الدول في تكنولوجيا الصواريخ والطاقة النووية من بينها إيران وسوريا، من أجل الحصول على مزيد من الأموال، إلا أنه مع التشدد الدولي تجاه النظام الكوري، استغل الاضطرابات التي عصفت بمنطقة الشرق الأوسط ليصدر الأسلحة إلى الجماعات المتمردة عبر وسطاء ورجال أعمال.

وأكد ذلك ما كشفه التقرير الأممي، الصادر في أول أغسطس الجاري، من تحايل بيونج يانج على العقوبات المفروضة عليها بطرق مختلفة من بينها إرسال أسلحة تقليدية وصواريخ باليستية إلى اليمن وليبيا والسودان، عبر رجل أعمال سوري يدعى حسين العلي، الذي نجح في التفاوض على صفقات أسلحة مع مسؤولين من كوريا الشمالية التقى بهم في العاصمة السورية دمشق، في عام 2016، وتوسط في توقيع بروتوكول بين جماعة الحوثي في اليمن وكوريا الشمالية، ونص الاتفاق على تأمين مجموعة واسعة من المعدات العسكرية(1).

وإلى جانب لك أكد التقرير أن التعاون العسكري المحظور مع سوريا استمر دون انقطاع، من قبل بيونج يانج، مشيرا إلى أن خبراء فنيين من كوريا الشمالية يعملون في مجال صناعة الصواريخ الباليستية وغيرها لدى سوريا، وهو الأمر المحظور على سوريا بسبب الصراع القائم هناك، كما أكدت الأمم المتحدة، اعتراض شحنتين انطلقتا من بيونج يانج إلى جهة تابعة للحكومة السورية مسئولة عن برنامج الأسلحة الكيماوية، رغم الاتفاق الموقع في عام 2013 لنزع الأسلحة الكيماوية من سوريا(2).

وسبق أن تم الكشف في أكتوبر 2017، عن ضبط السلطات المصرية سفينة تابعة لكوريا الشمالية كانت تمر عبر قناة السويس، محملة بأسلحة متجهة إلى ليبيا، وعثر بداخلها على أكثر من 24 ألف قذيفة صواريخ كورية شمالية مضادة للدبابات، وأعلنت وزارة الخارجية المصرية وقتها، مصادرة السلطات المصرية للشحنة وتدميرها في حضور فريق من الخبراء الدوليين التابعين للجنة 1718 التي تشرف على العقوبات التي فرضها مجلس الأمن الدولي على كوريا الشمالية(3).

مخاطر دعم كوريا الشمالية للجماعات المسلحة

نتج عن موجة ثورات الربيع العربي في 2011، تنامي قوة الجماعات المسلحة، التي هددت سيطرة الدولة، وبالفعل نجحت في إدخال بعض الدول العربية في مرحلة الفشل والتفكك، وإثارة النعرات الطائفية والعرقية، ولا زالت فكرة الدولة الوطنية تقاوم هذه الأفكار إلا أنها لم تنتصر عليها بعد، لعدة أسباب من بينها انتشار الأسلحة وسهولة الحصول عليها وتهريبها، للكثير من الجماعات المسلحة بما عزز من تفاقم الصراع واستمراريتها.

ففي اليمن ما زالت الحرب القائمة منذ انقلاب جماعة الحوثي على شرعية الرئيس منصور هادي،  في سبتمبر 2014، وحاولت الأطراف الدولية والإقليمية التوصل لحل سلمي للأزمة، ومع احتكام الجماعة للسلاح المتقدم بدرجة كبيرة الذي لا تمتلكه أي جهة سوى الجيوش النظامية، تدخل التحالف العربي في اليمن لإعادة الشرعية في مارس 2015، وما زالت الحرب مستمرة حتى اليوم، بسبب الدعم  المستمر لجماعة الحوثي بالأسلحة، خاصة المتقدمة منها، سواء عبر دعم إيران لها بالخبراء والأسلحة، بجانب الحصول عليها من مصادر أخرى من بينها كوريا الشمالية، التي تحاول الحصول على أي مورد مالي بغض النظر عن عواقب هذا الدعم.

ونتيجة لهذا الأمر اتخذت الدول العربية خاصة الخليجية موقفا قويا من كوريا الشمالية، بعد انكشاف دورها في إدامة الصراعات عبر تصديرها للسلاح، فمثلا منعت دول الخليج عمالة كوريا الشمالية من العمل لديها لحرمان نظام بيونج يانج من أي مورد مالي، بجانب دعمها للعقوبات الأمريكية ضد بيونج يانج التي تتعاون بشدة مع إيران المعادية لدول المنطقة، بخلاف قطر حيث كشفت صحيفة "ذا هيل" التابعة للكونجرس الأمريكي، عن إقامة قطر علاقات قوية مع كوريا الشمالية، عبر توظيفها لعمال كوريا الشمالية للمساعدة في بناء مرافق كأس العالم لكرة القدم المقرر إقامته بقطر عام 2022(4).

ولا تقف مخاطر دعم كوريا الشمالية للجماعات المسلحة بالسلاح، وإنما دعم الدول المتسببة في زعزعة الاستقرار الإقليمي والدولي، مثل إيران، حيث كشفت تقارير دولية عن الدعم والتعاون المتبادل بين البلدين في مجال صناعة الصواريخ الباليستية والبرامج النووية، فمثلا كشفت وزارة الدفاع الأميركية عن دعم كوريا الشمالية لإيران في تنفيذ أو تجربة لإطلاق صاروخ باليستي من غواصة تحت الماء، من نوع "جاسك 2 كروز" في مايو 2017، وهي صواريخ  من نفس النوعية التي تمتلكها كوريا الشمالية وسبق أن استخدمتها عام 2010 لإغراق سفينة كورية جنوبية(5).

ومن خلال التعاون بين كوريا الشمالية وإيران في مجال الصواريخ، استفادت طهران منها أيضا في تدريب جماعة الحوثي على استخدام الصواريخ الباليستية التي تستهدف السعودية من وقت لآخر، واستخدامها أيضا في تهديد الملاحة الدولية خاصة صادرات النفط، بتوجيه من إيران التي عاقبتها الولايات المتحدة في هذا القطاع خصيصا، لدوره في تمويل أنشطتها الخبيثة في المنطقة.

وإلى جانب الأنظمة التي دعمتها كوريا الشمالية، وتسببت في انتهاكات دولية، نظام ميانمار، فقد كشف تقرير سري أعدته الأمم المتحدة أن كوريا الشمالية في فبراير 2018، عن أن بيونج يانج جنت 200 مليون دولار في 2017، من صادرات سلع محظورة، مؤكدا إرسالها أسلحة إلى ميانمار، التي كانت تشهد قيودا دولية على عقد صفقات عسكرية معها بسبب الانتهاكات التي تقوم بها ضد أقلية الروهينجا(6).

الخاتمة

يمكن القول إن نظام كوريا الشمالية ونتيجة للعقوبات الدولية الصارمة المفروضة بحقه منذ فترة طويلة، دفعته، إلى البحث عن أي مورد مالي بغض النظر عن مشروعية هذا النشاط، وأثره في تهديد السلم والأمن الدوليين، ومن بين هذه الأنشطة بيع الأسلحة أيا كان نوعها إلى الأنظمة المتشددة، والجماعات المتمردة والمسلحة، من أجل الحصول على أي مورد مالي، مستغلة في ذلك رغبة هذه الأطراف في الحصول على صفقات عسكرية، بعيدا عن الرقابة الدولية، وكذلك تستغل هذه الدولة والجماعات المسلحة حاجة بيونج يانج إلى الأموال، بالتالي تحصل منها بسهولة على أسلحة لا تمنح إلا للجيوش النظامية ووفق ترتيبات وقوانين دولية.

ومن الضروري للدول العربية، التوصل إلى تفاهمات وترتيبات سياسية خاصة مع الدول الداعمة لكوريا الشمالية، مثل الصين، لحثها على وقف صادرات الأسلحة للجماعات المتمردة لما يمثله من خطر إستراتيجي على أمن المنطقة التي لا زالت الصراعات تعصف بوحدتها وأمنها.

المصادر:

1- الأمم المتحدة: كوريا الشمالية استعانت بوسيط سوري لبيع أسلحة إلى اليمن وليبيا، فرانس24، 4/8/2018، الرابط.

2- جاي سولومون، تحالف كوريا الشمالية وسوريا يكشف عن خطر أكبر لانتشار الأسلحة النووية، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، 2/11/2017، الرابط.

3- حقيقة سفينة الأسلحة القادمة من كوريا الشمالية إلى مصر، وكالة سبوتنيك الروسية، 2/10/2018، الرابط.

4- سر الدور "الغريب" الذي تلعبه كوريا الشمالية في أزمة قطر، وكالة سبوتنيك الروسية، 28/7/2017، الرابط.

5- أسرار التعاون الصاروخي بين إيران وكوريا الشمالية، العربية نت، 7/5/2017، الرابط.

6- تقرير سري: كوريا الشمالية أرسلت أسلحة لسوريا وميانمار، العربية نت،3/2/2018، الرابط.

شارك