بين واشنطن وطهران: هل يحدد الخارج مستقبل الحكومة العراقية؟

الأحد 26/أغسطس/2018 - 02:53 م
طباعة بين واشنطن وطهران:
 
وفاء الريحان

أظهرت نتائج الانتخابات العراقية التي عُقدت في 12 مايو 2018 حالة من الجدال في الأوساط الداخلية والخارجية، أسفر عنها ما حدث من إعلان إعادة الفرز اليدوي لنحو 10% من أصوات الناخبين، وذلك بعد قبول المحكمة الاتحادية التعديل الثالث لقانون الانتخابات الذي أقره البرلمان العراقي، كنتيجة لطعن عدد من النواب على الانتخابات.

    وفي هذا الإطار، أعلن مجلس المفوضين المنتدب في البلاد يوم الخميس الموافق 10 أغسطس 2018 قيامه بإرسال النتائج النهائية إلى المحكمة الاتحادية للمصادقة عليه بعد الانتهاء من النظر في الطعون المقدمة، وجاءت نتائج إعادة الفرز في 13 محافظة متطابقة مع مثيلاتها الإلكترونية، ولم يحدث تغيير سوى بحق 3 من المرشحين داخل جهة سياسية واحدة، إلى جانب تغيير واحد في مقاعد بغداد، انتقل على إثره مُرشح من تحالف بغداد إلى تحالف الفتح.

   ويعني ما سبق أن الكتل السياسية الفائزة احتفظت بمقاعدها، فتحالف سائرون بقيادة مقتدى الصدر لايزال مُتصدر المشهد بنحو 54 من المقاعد، ثم ائتلاف الفتح بقيادة هادي العامري في المرتبة الثانية بحوالي 48 مقعداً، تلاه كتلة النصر بزعامة حيدر العبادي بنحو 42 مقعداً، ثم تيار الحكمة بحوالي 20 مقعداً.(1)

   ووفقاً لدستور البلاد، يقوم رئيس الجمهورية بالمصادقة على النتائج ثم يدعو مجلس النواب الجديد للانعقاد برئاسة أكبر الأعضاء سناً خلال خمسة عشر يوماً، ويتم انتخاب رئيس المجلس ونائبيه، ثم يُفتح باب الترشح لمنصب رئيس الجمهورية، الذي يتم انتخابه خلال 30 يوماً من فتح الترشح، وبعدها يُكلف رئيس الجمهورية الجديد مرشح الكتلة النيابية ذات الأغلبية بتشكيل الحكومة خلال 15 يوماً من انتخابه. ويقوم رئيس الوزراء الجديد باختيار أعضاء حكومته ووضع برنامج الحكومة وعرضهما على البرلمان في مدة شهر من تكليفه.(2)

ردود الأفعال

    فور إعلان النتائج أعلن مجلس المفوضين أن عملية استقبال الطعون فيما يتعلق بنتائج إعادة الفرز ستبدأ من يوم الأحد الموافق 12 أغسطس 2018 ولمدة ثلاثة أيام(3)، وتباينت مواقف الكتل المختلفة من نتائج مرحلة الإعادة، فعلى سبيل المثال، وجه المكتب الإعلامي لرئيس ائتلاف الوطنية إياد علاوي انتقاداته على النتائج المُعلنة، التي اعتبرها "تكريس للتزوير وانعدام النزاهة ومصادرة لإرادة الشعب".(4)

   وفي ذات السياق، رفضت أربعة أحزاب كردية وهي حركة التغيير وتحالف الديمقراطية والجماعة الإسلامية والاتحاد الإسلامي نتائج جولة الإعادة، ونفس الأمر بالنسبة للجبهة التركمانية، التي أعلنت أنها ستُقدم طعناً للهيئة القضائية على عمل المفوضية؛ حيث عبروا عن خيبة أملهم من قيام المجلس بإعلان نتائج كركوك قبل العد اليدوي لنحو 1140 محطة.(5)

   فيما أعرب البعض عن شكوكه في جدوى عملية إعادة الفرز، واعتبر أن ثمة اتفاق بين التكتلات السياسية الكبرى على تمرير الاتفاق والتغاضي عن التزوير، بهدف التعجيل بتكوين الحكومة.(6) 

مساعي تشكيل الحكومة

   تتسارع المفاوضات لتشكيل الحكومة الجديدة بالنظر إلى قيام المحكمة الاتحادية بالتصديق على نتائج الانتخابات في 19 أغسطس 2018، ويؤكد تحالف "سائرون" - الحاصل على أكبر عدد من المقاعد وإن لم تكن أغلبية – أنه متمسك بالنقاط الأربعين التي وردت في بيان مقتدى الصدر، والمتعلقة بطبيعة عمل برنامج الحكومة، منها أن يكون رئيس الوزراء المُكلف مستقل في قرارته، وتتكون الحكومة من وزراء تكنوقراط، ولا يتم تحديد المناصب الحكومية على أساس المحاصصة، ومحاربة الفاسد القابع في كل أرجاء الدولة.

   على صعيد أخر، تتزايد التفاهمات بين "سائرون" وتيار "الحكمة" والوطنية" و"النصر"، في ضوء تقارب وجهات النظر بينهم، وهو ما تأكد في تصريحات عدد من قيادات تلك الأطراف أن تشكيل الكتلة الأكبر سيكون من بينهم، بشرط الالتزام بالنقاط التي وضعها الصدر، وإلا ستتحول سائرون صوب المعارضة.(7)

    بالإضافة إلى ذلك، نجد أن زعيم ائتلاف "دولة القانون" نوري المالكي عقد اجتماع مع زعيمي "القرار العراقي" أسامة النجيفي ثم تحالف "الفتح" هادي العامري للتشاور حول تشكيل الكتلة الكبرى، إلى جانب التقارب الملحوظ بين المالكي وفالح الفياض عضو ائتلاف "النصر"، بما يُشير إلى حدوث انقسامات داخل "النصر".

  ما سبق يُشير إلى وجود معسكرين كبيرين داخل البيت الشيعي العراقي يتنافسان على تكوين الكتلة الكبرى داخل البرلمان للظفر بمقعد رئيس الحكومة، أحدهما يتزعمه المالكي والعامري، والأخر مقتدى الصدر والعبادي وعمار الحكيم، ويتوقف مستقبل كلا التحالفين على قدرتهم لجذب أكبر عدد من الكتل الأخرى كالأحزاب السنية والكردية، فضلاً عن قدرتهم لمنع حدوث انشقاقات داخلهم، في ضوء تصاعد الحديث عن حدوث صفقة بين معسكر المالكي والفياض، تقتضي انسحاب الفياض من ائتلاف العبادي وانضمامه لتكتل المالكي، في مقابل حصوله على منصب رئيس الوزراء وبدعم إيراني.(8)

   ويتزامن ذلك المخاض العسر للحكومة الجديدة مع أجواء مضطربة تعيشها العراق داخلياً وخارجياً، فلاتزال تظاهرات الجنوب العراقي التي اندلعت في البصرة يوليو الماضي للمطالبة بتحسين الخدمات والمرافق مستمرة، وبالرغم من تعهد الحكومة بالقيام بمجموعة من الاصلاحات لحل الأزمة، فإن أي منها لم يحدث. وهو ما دفع زعيم سائرون مقتدى الصدر للتهديد باللجوء للمعارضة في حال لم تتحقق مطالب المتظاهرين.(9)

تدخلات خارجية 

   ليس خفياٌ عن الأنظار أن العامل الخارجي يلعب دوراً هاماً في السياسة العراقية، وأزمة تشكيل الحكومة العراقية الحالية ليست إلا نقطة كاشفة عن عمق التدخلات الأجنبية في هذا البلد، أو بمعني أدق أن الساحة العراقية ما هي إلا مجال للصراع بين القوى الاقليمية والدولية وعلى رأسها طهران وواشنطن.

   وتتزايد احتمالات صحة الأنباء التي ترددت حول ترشح فالح الفياض لمنصب رئاسة الوزراء اعتماداً على تفاهمات بين ائتلاف دولة القانون والفتح وبناء على أوامر إيرانية، خاصة أن إيران ترفض ترشح العبادي لولاية ثانية بعد موقفه من الالتزام بالعقوبات الأمريكية عليها، وتشترط بعض الأطراف السنية والكردية للموافقة على ذلك ضمان حصول مرشحيهما على منصبي رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان، مع توزيع الحقائب الوزارية فيما بينهم.

   وجاءت زيارة قائد فيلق القدس "قاسم سليماني" إلى بغداد لتؤكد تلك المزاعم؛ حيث يتنافس كلا من الجنرال الإيراني ومبعوث الرئيس الأمريكي للتحالف الدولي "بريت ماكغورك" للضغط على مختلف الفاعلين من أجل تكوين حكومة شراكة وطنية في أسرع وقت. وهذا التنافس بين المبعوثين غير جديد، وإنما يعيد إلى الذاكرة ما حدث بينهما أثناء الحرب على داعش، التي روج كلا منهما لنفسه حينئذ بأنهما يتزعمان الحرب على التنظيم.(10)

   وكان ماكغورك التقى مع قياديين في تحالف "المشروع العربي" ذي المكون السني، أولهما أسامة النجيفي الذي أعلن أنه ناقش خلال اجتماعه مع المبعوث الأمريكي ملف تشكيل الحكومة العراقية، وثانيهما سليم الجبوري رئيس البرلمان السابق وناقش معه ذات الموضوع.(11) يرجع اهتمام ماكغورك بالكتل السنية والكردية لكون مثل هذه الكتل ذات الوزن الأقل هي التي ستُرجح كفة أي من المعسكرين الشيعيين الكبيرين في حالة انضمت إلى واحد منهما.

وفي الختام، يمكن القول بأن أزمة تشكيل الحكومة العراقية هي أزمة الكتل الشيعية بالأساس، فالكتل السنية والكردية قادرة على تحقيق التوازن داخلها، ووجود معسكران كبيران داخل المكون الشيعي وسعي كلاً منهما للتنافس على تكوين الكتلة الكبرى داخل البرلمان ومن ثم السيطرة على السلطتين التشريعية والتنفيذية هو المغذي الرئيسي للأزمة الحالية.

   وتتوقف قدرة أياً من المعسكرين على حسم الأمر باعتماده على التكتلات الصغرى، بالنظر لكون الفواعل السنية والكردية قادرة على ترجيح كفة أي طرف حال انضمت إليه، وعدم حدوث تشظي داخل تيار ما لصالح أخر كما تتوارد الأنباء عن جبهة العبادي، كما تتوقف من ناحية أخرى على قوة الدعم الخارجي سواء الأمريكي أو الإيراني لأي من الطرفين، إلى جانب قوة نفوذ الطرف الأجنبي ذاته (واشنطن وطهران) داخل العراق في ضوء الصراع بينهما. وهو ما يتضح بشكل جلي في التنافس بين المبعوثين الأمريكي والإيراني على حث القوى لتشكيل الحكومة.

المراجع

1 - مفوضية الانتخابات في العراق ترسل النتائج إلى المحكمة الاتحادية، سبوتنيك عربي، 16 أغسطس 2018، على الرابط: arabic.sputniknews.com/arab_world/201808161034660865-العراق-الانتخابات-المحكمة-الاتحادية/

2 -  المحكمة الاتحادية توضح مراحل تشكيل الحكومة بعد إعلان النتائج النهائية للانتخابات، بغداد بوست، 10 أغسطس 2018، على الرابط: thebaghdadpost.com/ar/Story/116878/المحكمة-الاتحادية-توضح-مراحل-تشكيل-الحكومة-بعد-إعلان-النتائج-النهائية-للانتخابات

3 -  غدًا: بدء استقبال الطعون في النتائج النهائية للانتخابات، بغداد بوست، 11 أغسطس 2018، على الرابط: https://s.thebaghdadpost.com/ar/117016

4 -  مكتب علاوي: نتائج الانتخابات تكريس للتزوير ومصادرة لإرادة الشعب، بغداد بوست، 12 أغسطس 2018، على الرابط: https://s.thebaghdadpost.com/ar/117091

5 - الجبهة التركمانية تعلق على قرار مجلس المفوضين بمطابقة نتائج العد والفرز في كركوك، بغداد بوست، 10 أغسطس 2018، على الرابط:

 https://s.thebaghdadpost.com/ar/116784

6 -  نائب سابق يتهم الكتل السياسية بالاتفاق على تمرير نتائج الانتخابات رغم تزويرها، بغداد بوست، 11 أغسطس 2018، على الرابط:

 https://s.thebaghdadpost.com/ar/116953

 7 - قيادي في سائرون: قرب اعلان تحالفنا مع الحكمة والوطنية والنصر لتشكيل الكتلة الاكبر، موقع أخبار العراق، 18 أغسطس 2018، على الرابط:

 https://www.iraqakhbar.com/1334766

8 - تقارب المالكي والنجيفي والعامري لتشكيل «الكتلة الأكبر»، موقع جريدة الحياة، 18 أغسطس 2018، على الرابط:

alhayat.com/article/4598685/سياسة/الخليج/تقارب-المالكي-والنجيفي-والعامري-لتشكيل-الكتلة-الأكبر

9 -  استمرار الاحتجاجات الشعبية وسط فشل الحكومة في تنفيذ الإصلاحات، بغداد بوست، 11 أغسطس 2018، على الرابط:

 https://s.thebaghdadpost.com/ar/116904

10 - مبعوث ترامب وسليماني يحثان الخطى نحو بغداد، روسيا اليوم، 16 أغسطس 2018، على الرابط:

arabic.rt.com/middle_east/963863-ماكغورك-سليماني-يحثان-الخطى-بغداد/

11 - العراق.. مبعوث ترامب يبحث مع تحالف سُني تشكيل الحكومة المقبلة، يني شفق، 17 أغسطس 2018، على الرابط:

 https://www.yenisafak.com/ar/world/3383659

شارك