فرص جديدة: توافقات وتشابكات ملف سد النهضة

الخميس 30/أغسطس/2018 - 02:41 م
طباعة فرص جديدة: توافقات
 
نهال أحمد

اختتم وزير الخارجية المصري "سامح شكري"، ورئيس جهاز الاستخبارات العامة اللواء "عباس كامل"، زيارة رسمية إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا كان قد سبق الإعداد لها منذ فترة، في سياق استكمال المفاوضات الجارية بشأن سد النهضة الإثيوبي، إلى جانب بحث عدد من القضايا الثنائية المشتركة. وتصادف توقيت الزيارة مع المؤتمر الذي عقده رئيس الوزراء الإثيوبي "آبي أحمد"، حيث كشف خلاله عن صعوبات تواجه إتمام بناء السد، ما أثار تكهنات حول ثمة علاقة بين زيارة المسؤولين المصريين وتصريحات "آبي أحمد"، وهو ما نفته الخارجية المصرية في بيان لها أوضحت خلاله أن زيارة "شكري" و"عباس" تستهدف نقل رسالة شفاهية من الرئيس "عبد الفتاح السيسي"، تعكس توجه ورغبة مصرية نحو حلحلة المفاوضات بين الجانبين، لاسيما بعد أن شابها قدر من الجمود خلال الفترة الماضية، نتيجة لتعنت الموقف الإثيوبي ورفضه أي ملاحظات يبديها الجانب المصري في هذا الصدد. 

معوقات اتمام بناء سد النهضة

انعقد يوم السبت الموافق 25 أغسطس 2018، مؤتمرًا صحفي لرئيس الوزراء الإثيوبي "آبي أحمد" بالعاصمة أديس أبابا، وارتكز المؤتمر بالأساس على نقطة رئيسية تتعلق بتطورات الوضع بشأن سد النهضة، وكشف "آبي أحمد" خلاله عن معوقات عدة تسببت في عرقلة اتمام بناء السد، بينما تجسدت أبرز المعوقات في الشركة المسؤولة عن المشروع، حيث أستهجن رئيس الوزراء فشل  شركة "ميتيك" التابعة لقوة الدفاع الإثيوبية في إتمام المشروع الذي كان من المقرر الانتهاء منه خلال عام 2018، وجاءت انتقادات "آبي أحمد " للشركة نتيجة عدم امتلاكها الخبرة الكافية التي تؤهلها للعمل في المشاريع الكبيرة، فيما اتهم "آبي أحمد" الشركة بعدم الامتثال إلى الخطة التي وضعها عقب توليه منصبه مباشرة، والتي تضمنت توجيهات وتوصيات تتعلق بسير العمل في السد، بينما لم تنفذ الشركة أي منها، ما دفعه لإصدار قرار بإنهاء عقد الشركة(1)، معلنًا في الوقت ذاته عن مشكلات فنية في تصميم السد، تسببت بشكل كبير في عرقلة اتمام بناءه وتسليمه في الوقت المحدد. وقد أدى التراجع في أداء الشركة الإثيوبية إلى دفع شركة "ساليني الإيطالية" لسؤال الحكومة الإثيوبية بشأن حجم التعويضات المالية التي ترتضيها. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن  شركة "ساليني إمبريغيلو" الإيطالية هي المقاول الرئيسي في مشروع بناء السد البالغة تكلفته خمسة مليارات دولار، بينما كانت "ميتيك" متعاقدة على القطاعات المعدنية الخاصة بالمكونات الكهروميكانيكية والهيدروليكية في المشروع(2) .

وفي سياق الحديث عن المعوقات التي تواجه إتمام سد النهضة؛ نكون بصدد الحديث عن مجموعة من العيوب الفنية التي سبق وأشارت إليها الحكومة المصرية في بداية المفاوضات التي أعقبت الإعلان الإثيوبي عن المشروع، لعل أبرزها الموقع الجغرافي غير المناسب الذي تم اختياره لإنشاء السد. فالسد تم بناؤه على بعد خمسة كيلو مترات من الحدود الإثيوبية السودانية، فيما لا تسمح الطبيعة الجغرافية لتلك المنطقة من تحقيق المنافع التي أدعتها الحكومة الإثيوبية لنيل الترحيب السوداني بالمشروع، حيث كشف عدد من الجيولوجيين عن صعوبة استمرار سد مائي بتلك المنطقة نظرًا لهشاشتها؛ ومن ثم انهياره على المدى القريب، يضاف إلى ذلك أن طبيعة البلاد الجبلية يصعب في ظلها انشاء شبكة كهرباء نظرًا لارتفاع التكلفة في ظل الوعورة الجبلية التي تعانيها المنطقة، وفيما يتعلق بفكرة تصدير الكهرباء إلى الأراضي السودانية؛ فهو أيضا أمر لا قيمة له لاسيما في ظل افتقار السودان لقاعدة صناعية تتطلب هذه الكهرباء، يضاف إلى ذلك صعوبة مد شبكة مياه مما سيتم تخزينه خلف السد إلى داخل الأراضي الإثيوبية نظرًا لانحدار  الأراضي باتجاه السودان.

ردود فعل متضاربة على خلفية تصريحات "آبي أحمد"

أثارت تصريحات "آبي أحمد" ردود فعل متضاربة ما بين الجانبين الإثيوبي والمصري، حيث سادت حالة من اليأس بين صفوف الشعب الإثيوبي عقب اعتراف الحكومة الوطنية عدم إمكانية إكمال مشروع السد على المدى القريب، والذي كان الشعب يرتئيه حلمًا قوميًا له، فيما كانت ردود الفعل المصرية أكثر تفاؤلًا وحذرًا من تصريحات "آبي أحمد"، والتي تبلورت أبرزها فيما ورد على لسان وزير الري المصري السابق "حسام المغازي" الذي أوضح أن تصريحات "آبي أحمد" جريئة وتأتي في إطار حسن النوايا والمكاشفة بين إثيوبيا ودول حوض النيل، مضيفًا أن مصر تقدر هذه الخطوة، ومشددًا في الوقت ذاته على ضرورة استمرار التواصل والتباحث ما بين القاهرة وأديس أبابا للوصول إلى نقطة توافق تضمن مصالح الطرفين.

وتعتبر تلك التطورات بمثابة فرصة لمصر، للحصول على أكبر قدر من المكاسب التفاوضية، لاسيما في ظل امتلاكها خبرات متراكمة فيما يخص الأمور الفنية والإنشائية؛ حال تقدمت إثيوبيا للجانب المصري بطلب رسمي للمساعدة، وهو ما يمكن الاستدلال عليه من تجارب مصر الناجحة  في انجاز مشروعات كبرى كالسد العالي وبناء قناطر جديدة تنتج طاقة كهربائية نظيفة، إلى جانب امتلاكها خبراء مخضرمين في مجال الري وما ينبثق عنها من تخصصات فرعية كحركة المياه والجيولوجيا، حيث يمكن أن تخلق تلك المقومات حالة تعاون ثنائي يمكن ان يتطور ليصل إلى مستوى أكثر تقدمًا في العلاقة بين الجانبين يمكن أن تتبلور في مشروع إقليمي يربط مصر كهربائيًا بإثيوبيا، وعلى الجانب الآخر يرى سياسيون أن اعتراف أديس أبابا بوجود مشكلات في تنفيذ مشروع السد كان أمرًا متوقعًا بل نوهت إليه السلطات المصرية منذ عدة سنوات لاسيما في ظل عجلة الجانب الإثيوبي في انجاز المشروع في اقرب وقت .

وفيما يتعلق بتصريحات "آبي أحمد" الأخيرة؛ فلابد من الإشارة إلى أنه سيكون لها انعكاسات إيجابية للقاهرة؛ من حيث  إتاحة الفرصة لمزيد من المرونة وكسب مساحة أكبر فيما يتعلق بالتفاوض بشأن هذا الملف، ومع ذلك فعلى الجانب المصري تحري أكبر قدر من الموضوعية في التعامل مع التصريحات، إلى جانب ضرورة الابتعاد عن الخضوع العاطفي لتصريحات "آبي أحمد"، والتمسك بالدبلوماسية البحتة والاستمرار في المطالبة بالحفاظ على حصة مصر بمياه نهر النيل بما يحقق مصلحة الأمن القومي المصري. بينما يرى سياسيون أن تصريحات "آبي أحمد" تعكس في مضمونها فشل المشروع نهائيًا على خلفية المشاكل المادية  والخدمية التي تعرض لها.

الأسباب الحقيقية وراء زيارة "شكري" لأديس أبابا

أثارت زيارة وزير الخارجية المصري "سامح شكري"، ومدير الاستخبارات العامة المصرية اللواء "عباس كامل"، يوم الاثنين الموافق 26 أغسطس عام 2018، إلى أديس أبابا، تكهنات عدة بشأن محاولة ربطها بتصريحات "آبي أحمد"، وهو ما دحضته الخارجية المصرية في بيان لها أكدت خلاله أن زيارة  وزير الخارجية "سامح شكري" ورئيس المخابرات العامة اللواء "عباس كامل" إلى إثيوبيا، تستهدف استمرار حلقة المفاوضات للتوصل الى اتفاق شامل بشأن أزمة السد، وكذلك الحرص على استمرار التواصل بين القيادتين السياسيتين لبحث القضايا الثنائية المشتركة، نافية في الوقت ذاته أي صلة بين الزيارة وتصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي الأخيرة، مشددة على أن الزيارة كان قد تم الإعداد لها منذ فترة، وتزامنها مع المؤتمر الصحفي "لآبي أحمد" كان بمحض المصادفة. فيما لم تقتصر الزيارة على المفاوضات بشأن ملف سد النهضة، لكنها تضمنت برامج عديدة للتعاون بين الدول الثلاث، كبحث إمكانية تطوير الصندوق الثلاثي الخاص بإقامة مشروعات تنموية تخدم المصالح التنموية لمصر وإثيوبيا والسودان، إلى جانب بحث المشروعات الثنائية بين مصر وإثيوبيا التي تحتاج إلى متابعة، فضلًا عن الأوضاع الإقليمية والتطورات في منطقة القرن الأفريقي(3).

ومن جهة أخرى فإن التحليلات المتوالية بشأن وجود علاقة بين زيارة "شكري"، وتصريحات "آبي أحمد" غير  منطقي فقد انصبت تصريحات "آبي أحمد" على الجوانب والمشكلات الفنية التي  عرقلت اتمام بناء مشروع السد، بينما  لا يتصور أن تكون  مناقشة الأمور الفنية من اختصاص وزير الخارجية أو مدير المخابرات، فيما تأتي هذه الزيارة في سياق حرص السلطات المصرية على متابعة مسار العملية التفاوضية التي لازالت مستمرة حتى الآن. وبذلك فقد أغلق بيان الخارجية المصرية الأبواب أمام أي تكهنات يمكن أن تضع الزيارة في مسار  بخلاف ما هو عليه. فالقاهرة تسعى باستمرار  للبحث عن حلول مرضية للأطراف كافة للخروج من هذا المأزق، وهناك تطلع حقيقي نحو تعجيل التوصل لاتفاق بين الأطراف المعنية (مصر واثيوبيا والسودان) بشأن السد، والدفع نحو تفعيل الاتفاقيات المائية الموقعة ما بين الدول الثلاثة لاسيما مخرجات الاجتماع التساعي المنعقد في مايو الماضي بأديس أبابا بمشاركة وزراء الخارجية والموارد المائية والري، ورؤساء أجهزة المخابرات، والذي أسفر عن الخروج بتكليفات محددة تتعلق بتعجيل مسار الدراسات المشتركة، الذي يتضمن خطوات إكمال دراسة الآثار الاجتماعية والاقتصادية والبيئية للسد على مصر والسودان، ومحاولة الوصول إلى رؤية مشتركة تحقق مصالح الدول الثلاث وتكون داعمة للمسار الرسمي القائم.

مستقبل التفاوض الإثيوبي المصري

ورغم ما سبق الا ان القاهرة تعلن مرارًا وتكرارًا استعدادها للتعامل مع كل السيناريوهات سواء في حالة الانتهاء من إنشاء السد أو في حالة ايقاف العمل بالمشروع. وستشهد الفترة المقبلة استمرار للمفاوضات، حيث أفادت مصادر بأن الاجتماع المقبل سينعقد في القاهرة، وسيتم خلاله مناقشة نتائج التقرير الذي سيودعه المكتب الفني للرد على التساؤلات والملاحظات الخاصة بالتقرير الاستهلالي، وهو ما سيتزامن مع استمرار المباحثات مع "المجموعة الوطنية المستقلة للدراسات العلمية" المختصة بتقديم توصيات يمكن من خلالها ازالة الخلافات وتقريب وجهات النظر ما بين الدول الثلاثة بشأن خلافاتهم حول الانعكاسات السلبية لبناء السد على الأمن المائي لكل منهم(4).

وختامًا؛ يعاني مشروع سد النهضة أزمات عدة منذ تدشينه عام 2011، وقد تبلورت أخطر تلك العقبات عام 2017 حينما تم الكشف عن تأخر وصول أجزاء كهروميكانيكية رئيسية في المشروع، يضاف إلى ذلك وجود شبهات فساد تتعلق بجودة الأسمنت والخرسانة التي تم توريدها للسدّ، في حين جاءت واقعة اغتيال مدير المشروع السابق "سيميجينو بيكيلي" وتعيين "أفريم ولد كيران" بدلاً منه لتضفي مزيد من الغموض حول مصير المشروع المائي، بينما جاءت تصريحات "آبي أحمد" الأخيرة لتؤكد أن السد  لن يشهد النور على الأقل على المدى القريب. كل ما سبق يفرض على القاهرة العمل على استثمار الأوضاع الداخلية الإثيوبية والتطورات الأخيرة، لكسب مساحة تفاوضية أكبر للبت في معالجة  تلك الأخطاء الفنية في السياق الذي يحقق مصلحة كافة الأطرف.

المصادر:

(1)   رئيس وزراء إثيوبيا ينهي عقد شركة تابعة للجيش كانت تساعد في بناء سد النهضة، هيئة الإذاعة البريطانية، بتاريخ 27/8/2018، متاح على الرابط: http://www.bbc.com/arabic/middleeast-45320715

(2)   أبي أحمد يكشف سر تأخر بناء سد النهضة.. وسبب "ضغط" بلاده على السعودية، سي ان ان بالعربية، بتاريخ 25/8/2018، متاح على الرابط:

https://arabic.cnn.com/world/article/2018/08/25/ethiopian-prime-minister-abi-ahmed-renaissance-dam-saudi

(3)   "رسالة شفهية" من السيسي إلى إثيوبيا بشأن سد النهضة، سكاي نيوز، بتاريخ 26/8/2018، متاح على الرابط:

https://www.skynewsarabia.com/middle-east/1176660-%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%B4%D9%81%D9%87%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%B3%D9%8A-%D8%A7%D9%95%D8%AB%D9%8A%D9%88%D8%A8%D9%8A%D8%A7-%D8%A8%D8%B4%D8%A7%D9%94%D9%86-%D8%B3%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9

(4)   "مشاكل سد النهضة" بين مصر والسودان، سكاي نيوز، بتاريخ  28/8/2018، متاح على الرابط:

https://www.skynewsarabia.com/middle-east/1177198-%D9%85%D8%B4%D8%A7%D9%83%D9%84-%D8%B3%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9-%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86

شارك