مسلمي الروهينجا: بين الإدانة الدولية والقمع المحلي

الأحد 02/سبتمبر/2018 - 01:12 ص
طباعة مسلمي الروهينجا:
 
مصطفى صلاح

شكل رفض المتحدث باسم حكومة ميانمار " زاو هتاي" في مقابلة نشرتها وسائل الإعلام الرسمية في جريدة (Global New Light of Myanmar)، الصادرة يوم الـــ 29 أغسطس 2018، للتقرير الذي أصدره محققون من الأمم المتحدة الذي يطالب بمحاكمة كبار القادة العسكريين بتهمة الإبادة الجماعية، قائلًا أن المجتمع الدولي ينشر "مزاعم كاذبة"، وهو ما يؤكد من جديد على استمرار معاناة مسلمي الروهينجا على خلفية أحداث استهدافهم من قبل قوات الجيش والميليشات البوذية.

يأتي ذلك على خلفية إعلان الأمم المتحدة الصادر يوم 27 أغسطس 2018، وتعد هذه هي المرة الأولى التي تطالب فيها المنظمة الدولية صراحة بتوجيه اتهامات لمسؤولين في ميانمار بالإبادة الجماعية بسبب الحملة الوحشية على الروهينجا المسلمين العام الماضي، فيما صرح "هتاي"، بعد السماح بدخول ممثلي البعثة إلى ميانمار، لأننا لسنا موافقين على كل القرارات التي اتخذها مجلس حقوق الإنسان".

استهداف ممنهج

توصلت بعثة الأمم المتحدة للتحقيق في أحداث ميانمار في تقريرها الذي تم نشره ، إلى استنتاج حول ضرورة محاكمة كبار المسؤولين العسكريين في ميانمار بتهمة إبادة أقلية الروهينجا المسلمة في ولاية "راخين"، كما أوصت دائرة المفوض الأممي السامي لحقوق الإنسان بـ "فرض عقوبات فردية، بما فيها حظر السفر وتجميد الحسابات، على الأشخاص الأكثر مسؤولية عن الانتهاكات الجدية للقانون الدولي". وأشارت البعثة أيضا إلى ضرورة فرض حظر بيع الأسلحة إلى ميانمار.

ومن قبل صرحت الولايات المتحدة وقالت الولايات المتحدة إن المسؤولين الأمريكيين "فحصوا أدلة يعتد بها عن نشاط الميجر جنرال "ماونج ماونج"، سوي بما فيها اتهامات ضد قوات الأمن البورمية بتنفيذ عمليات  قتل خارج نطاق القانون وعنف جنسي واعتقالات تعسفية، وكذلك أعمال حرق واسعة النطاق في القرى"، وقامت  بفرض عقوبات على أحد قادة الجيش، وذلك بعد أن ربطت واشنطن بينه وبين انتهاكات بحق أقلية الروهينجا المسلمة؛ حيث أعلنت الإدارة الأمريكية في 21 ديسمبر 2017، فرض عقوبات على "ماونج ماونج" سوي الذي كان مسؤولًا عن حملة على الروهينجا في ولاية "راخين" الغربية وكاشين شان.

يذكر أن ميانمار رفضت السماح لمهمة تحقيق من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بدخول البلاد، على غرار ما فعلت مع المقررة الخاصة للأمم المتحدة حول ميانمار، "يانغي لي"، بل إنها أرسلت مبعوثة جديدة وهي "كريستين شرانر بورجينير" للتحقيق في تلك الانتهاكات.

يأتي ذلك بعد أن أشارت الأمم المتحدة أيضًا إلى احتمال إعادة نحو 700 ألف من مسلمي الروهينجا، الذين فروا من ولاية راخين غربي ميانمار إلى بنغلاديش، بعد حملة قمع تم شنها في أغسطس 2017، من قبل جيش ميانمار وميليشيات بوذية، ووصفتها الأمم المتحدة بأنها نموذج للتطهير العرقي. وقالت بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة إن ما حدث ما هو إلا نموذج للتطهير العرقي، إلا أن حكومة ميانمار تنفي ذلك، بل ونفت ميانمار معظم الاتهامات قائلة إن الجيش يتعامل مع تهديد يمثله المتشددون الروهينجا الذين هاجموا نقاطا للشرطة في ولاية راخين بغرب البلاد، وعليه قامت ميانمار عدم السماح لمحققي الأمم المتحدة بدخول البلاد لذا فإنها لا توافق ولا تقبل أي قرارات من مجلس حقوق الإنسان.

في حين طالبت ميانمار من بنجلاديش التوقف عن تقديم المساعدات لنحو 6000 من الروهينجا العالقين على الحدود بين البلدين، منذ حملة قمع عسكري دامية قادها الجيش البورمي وأدّت إلى نزوح واسع للأقلية المسلمة العام الماضي، بحسب وزارة الخارجية البنجلاديشية.

وفي هذا الإطار، تستمر الانتهاكات التي تتعرض إليها أقلية الروهينجا المسلمة في ولاية راخين غربي ميانمار، وأدت إلى فرار مئات الآلاف منهم إلى بنجلاديش. وطلب مجلس الأمن الدولي من الحكومة البورمية التعاون مع خبراء من الأمم المتحدة للتحقيق في الاتهامات بحصول فظائع استهدفت الأقلية التي حرمت من أبسط الحقوق المدنية وترفض حكومة ميانمار الاعتراف بها، وتتعرض ميانمار لضغوط دولية متزايدة. فقد فرضت الولايات المتحدة في منتصف أغسطس عقوبات على أربعة قادة ووحدتين عسكريتين اتهمتهم جميعًا بالتورط في التطهير العرقي.

مطالب مشروعة

نظم آلاف من اللاجئين من الأقلية المسلمة (الروهينجا)، في 25 أغسطس 2018، مظاهرات للمطالبة بـالعدالة في الذكرى الأولى لحملة التطهير العرقي التي تعرضوا لها من قبل جيش ميانمار والميليشيات البوذية، والتي أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 7 آلاف شخص وأجبرت أكثر من 700 ألف منهم الفرار من ولاية راخين في أغسطس من العام الماضي، واللجوء عبر الحدود إلى بنغلاديش.

كما دعت هيئات دولية وحقوقية أوائل أغسطس 2018، حكومة ميانمار إلى العمل على تسهيل عودة لاجئي الروهينجا إلى ديارهم بعد نحو عام من فرارهم  إلى بنجلاديش نتيجة حملة التطهير العرقي التي تعرضوا لها. وقالت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وبرنامج التنمية التابعان للأمم المتحدة في بيان مشترك إنهما يحتاجان لحرية الحركة والدخول كاملة لولاية راخين، وما زالا ينتظران الإذن لتمركز طاقم دولي في موانجدا وبعد طلبات تقدما بها يوم 14 يونيو الماضي.

ودعا البيان السلطات البورمية إلى ضمان حرية الحركة للجميع والتعامل مع السبب الأساسي لاندلاع الأزمة وكان من المفترض أن يسمح الاتفاق للأمم المتحدة بمساعدة ميانمار على خلق ظروف على الأرض تساعد على العودة الآمنة والطوعية للروهينجا المحرومين من الجنسية والذين يعيش كثير منهم حاليًا في مخيمات في جنوب شرقي بنجلاديش، ورفضوا حتى الآن العودة دون أي ضمان لأمنهم أو حقوقهم الأساسية كالجنسية، مطالبة السلطات في ميانمار بوجوب تحقيق تقدمًا ملموسًا، تماشيًا مع مذكرة تفاهم تم التوقيع عليها مع المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مايو الماضي.

على الجانب الآخر، دعت منظمة "هيومان رايتس ووتش"، بنجلاديش إلى تحسين ظروف معيشة الروهينجا الذين تستقبلهم في أكبر مخيم للاجئين في العالم، والتخلي عن خطة نقل أعداد كبيرة منهم إلى جزيرة معرضة للفيضانات، فيما شددت على أهمية دعم الجهود التي تبدلها بنجلاديش لاستضافة اللاجئين، عبر زيادة المساهمات لتحسين ظروف معيشتهم في جنوب البلاد، من خلال البنك الدولي الذي منح مساعدة قدرها نحو نصف مليار دولار لمساعدة بنجلاديش فيما يتعلق بمسلمي الروهينجا.

                بجانب ذلك، دعا التقرير الحكومات المانحة والوكالات والمنظمات غير الحكومية إلى زيادة مساهماتها للمساعدة في تحسين الظروف. وقالت إن نداء لجمع 136.6 مليون دولار لبناء مراكز إيواء وشراء مواد غير غذائية لم يحصل على تجاوب سوى بنسبة 14 في المائة منذ الشهر الماضي.

 إجمالًا: باتت قضية الاضطهاد والتعسف العرقي والديني لمسلمي الروهينجا أحد أهم القضايا التي شغلت مائدة المفاوضات الدولية والضمير الإنساني العالمي، لما كان لها من انعكاسات سلبية على مستقبل الأمن والسلم الدولي في تلك المنطقة، والتي من شأنها تأجيج الصراعات العرقية والدينية من جديد بسبب غياب حقوق المواطنة والديموقراطية، والرغبة في العيش المشترك.

ولعل الإجراءات الدولية الجديدة الصادرة من منظمات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ألقت الضوء من جديد على حجم المعاناة التي تعرضت لها أقلية الروهينجا المسلمة في محاولة من جانب المجتمع الدولي للتصدي لتلك الممارسات الغير أخلاقية من جانب حكومة ميانمار تجاههم، والرجوع عن تلك الممارسات وتوفير مناخ ديموقراطي أكثر قدرة على استيعاب هذه المأساة، خاصة بعد إعلان زعيمة ميانمار "أونج سان سو كي" في 21 أغسطس الجاري، إنه تم تخصيص مساحات لإعادة توطين الفارين إلى بنجلادش والذين يعيشون في مخيمات للاجئين. 

شارك