التوقيت والدوافع: التجنيد الإجباري في المغرب

الأحد 02/سبتمبر/2018 - 01:35 ص
طباعة التوقيت والدوافع:
 
محمود جمال عبد العال

أعلن المجلس الوزاري المغربي برئاسة الملك محمد السادس القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية المغربية قرارًا بإعادة التجنيد الإجباري للشباب من الذكور والإناث لأول مرة، وذلك منذ إلغائه عام 2007 في عهد الوزير الأول "إدريس جطو". واعتبر المتحدث الرسمي باسم القصر الملكي أن هذه الخطوة تأتي في إطار تعزيز الوطنية والانتماء لدى الشباب المغربي، وكذلك في سياق ضمان توازن العلاقة بين حقوق المواطنة ومسؤولياتها. جدير بالذكر أن أول مرسوم ملكي خاص بالخدمة العسكرية قد صدر عام 1966؛ حيث فُرِضت الخدمة العسكرية على موظفي الحكومة، وكانت تستغرق 18 شهرًا. سنتناول في هذا التقرير التداعيات سواءً كانت داخلية أو خارجية التي أدت إلى لجوء الحكومة المغربية إلى إعادة العمل بهذا القانون، وعلاقة ذلك بالتوقيت.

التجنيد الإجباري

هو طريقة لاختيار العناصر اللازمة للعمل في المعسكرات من الرجال وأحيانًا من النساء لأداء الخدمة الوطنية بشكل غير طوعي (إلزامي). وتلجأ الدول للتجنيد الإجباري لأسباب مختلفة سواءً كانت سياسية أو اجتماعية أو عسكرية، وتعتبر بعض التحليلات أن اتجاه الحكومة المغربية لإعادة العمل بهذا القانون يرجع لهذه الأسباب مجتمعة. وتُعَد الدول الأكثر عُرضة لأخطار سواءً لأسباب داخلية (احتمالات نزاعات أهلية قد تهدد سلامة واستقرار الدولة) أو خارجية (وهي تعني بالأساس تورط الدولة في نزاعات خارجية أو حتى اعتمادها على القوة العسكرية في تحقيق أهداف سياساتها الخارجية). ويعتبر العديد من الفلاسفة أن التجنيد الإجباري من أسباب قوة الدولة؛ حيث دعا ميكافيللي إلى تمثيل المواطنين بصورة منتظمة في الجيش للتمكن من استعادة وحدة إيطاليا(1).

على صعيدٍ آخر، تميل الدول إلى إلغاء التجنيد الإجباري لأسباب تتعلق باستقرار حدودها ومتانة تحالفاتها الخارجية مثل الدول الأوربية الأعضاء في حلف الناتو. وعلى الرغم من الإيجابيات التي يتم يسوقها المتابعون لإبراز إيجابيات التجنيد الإجباري تبرز نقطة الكُلفة الاقتصادية الناتجة عنه فضلًا عن اتهام المعارضين في المغرب القصر الملكي "المخزن" بالسعي لبناء الولاءات لا سيما في ضوء ارتفاع نسب البطالة في المغرب.

 الدوافع والأسباب

سنوجز فيما يلي أسباب اتجاه الحكومة المغربية لتفعيل العمل بقوانين التجنيد الإجباري خاصة في ظل النقاشات التي تدور حول المعاناة الاقتصادية وتصاعد التهديدات الأمنية في منطقة الصحراء الغربية.

1-     تشجيع الولاء: يعتبر البعض أن اتجاه الحكومة المغربية لإعادة تفعيل قانون التجنيد الإجباري خطوة لتشجيع الولاء للدولة بين فئات الشباب خاصة وأنهم يواجهون مشكلات اقتصادية واجتماعية، بل ويتجه البعض إلى اعتباره محطة تربوية سوف تنعكس على شخصية الشباب. من الناحية الأخرى، يعتبر البعض أن هذه الخطوة وسيلة لتدجين الشباب ليكون أكثر التزامًا بالفكر الحكومي "المخزن"، وذلك بما يضمن ولاؤه للحكومة والملك(2).

2-     الحفاظ على قيم المجتمع: يعتبر الرأي العام المغربي أن خطوة فرض التجنيد الإجباري جاءت نتيجة لتخوفات من انهيار القيم لدى الشباب المغربي، وبروز مظاهر دخيلة على المجتمع نتيجة لتراجع دور المؤسسات التعليمية في التربية وتفشّي البطالة في أوساط الشباب.

3-     الحرب على البوليساريو في الصحراء الغربية: يعتبر المتابعين لملف الصحراء الغربية وتطوراتها أنه من الأهمية العسكرية والاستراتيجية تجهيز القوات الاحتياطية لتقوية المؤسسة العسكرية، لمواجهة أي خطر يُمكِن أن يُهدِد الصحراء الغربية، تجدر الإشارة إلى أن قضية الصحراء تمثل أهمية كبيرة في الاستراتيجية المغربية؛ إذ يعتبرها المغاربة قضية وجود، وليست قضية حدود. يتضح من ذلك أن رغبة الرباط بإعادة التجنيد الإجباري في صفوف الشباب المغاربة يتصل اتصالًا وثيقًا بتقوية الجبهة الداخلية وتعزيز المؤسسة العسكرية بقيادات شبابية متعلمة ومثقفة للاستعداد لأي خيار يمكن أن يطرأ على قضية الصحراء خاصة بعد ارتفاع حدة التصريحات التي تطلقها جماعة البوليساريو للتهديد بالحرب، ويعتبر المحللون الامنيون ان فرض التجنيد الإجباري سيعزز الجيش المغربي بقوات الاحتياط التي يمكن إعادة إدماجها بسهولة في حال احتدم الأمر مع حركة البوليساريو. يتسق ذلك مع ما ينص عليه الدستور المغربي في المادة (38) عن دور المواطنين والمواطنات في الدفاع عن الدولة ووحدتها الترابية.

4-     مواجهة الأزمات الاقتصادية لدى الشباب: في سياق آخر، تتجه التحليلات إلى اعتبار أن اتجاه المغرب للتجنيد الإجباري يتصل مباشرة بما شهده الريف المغربي في أكتوبر/تشرين الأول 2016 من حراك؛ حيث نظَّم الشباب العديد من المسيرات والمظاهرات للاحتجاج على سوء أوضاع التنمية بمناطق الشمال الذي يعاني من نقص حاد في الخدمات الاقتصادية والاجتماعية والصحية والثقافية. يتصل هذا الدافع بفكرة ضمان الولاء لدى من سيلتحق بالخدمة من خلال البرامج التربوية والتوعوية التي يخضعون لها طوال فترة الخدمة.

5-     الوضع الإقليمي: مثَّل سوء الأوضاع الأمنية بمنطقة شمال أفريقيا ومناطق المشرق العربي خاصة في سوريا، وليبيا ما بعد القذافي عامل عدم استقرار على المنطقة كلها، وانعكس ذلك بشكل مباشر على أمن البحر المتوسط، وما يشهده من موجات هجرة غير شرعية تجاه أروبا، لذا يعتبر بعض المحللين أن إقدام المغرب على هذه الخطوة جاء كردة فعل متأخرة لتطورات الأوضاع الإقليمية خاصة عند النظر للترتيبات الداخلية التي تنتظرها الجزائر في رئاسيات 2019 (ما بعد بوتفليقة).

ما ينص عليه مشروع القانون

ينص مشروع القانون في مادته الأولى على أن هناك إعفاءات سواءً مؤقتة او نهائية وخاصة في حالات الدراسة والعجز الجزئي أو الكلي المؤكدة بتقارير طبية صادرة عن المستشفيات والمراكز الصحية العمومية، ويُستثنى كذلك من حُكم عليه بتهمة جنائية بمدة تتجاوز 6 أشهر دون حصوله على إعادة اعتبار. ويظل الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين 19-25 سنة على قوة الجيش حتى سن 40 سنة، ويتحول منّ خدموا في الجيش إلى قوة الاحتياط، وهو ما يتسق مع ما يعتبره البعض أنه محاولة لمراكمة قوات الاحتياط في الجيش المغربي للاستعداد لأي طارئ في مناطق الصحراء.

ويُرجِع البعض توجيه الملك "محمد السادس" بإلغاء التجنيد الإجباري في 2006 لتخوفاته من اختراق الحركات والتيارات الإسلامية المتشددة للجيش من خلال منتسبيها من أبناء الشعب الذين يلتحقون بالخدمة العسكرية الإجبارية خاصة وان هذه الفترة تزامنت مع تصاعد الحرب الأمريكية على الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001.

معوقات أمام تفعيل القانون

                تبقى التكلفة المالية اهم التحديات التي يُمكن أن تحول دون تطبيق القانون؛ حيث يُرتب الأمر بناء الثكنات العسكرية الإضافية لاستيعاب الملتحقين بالتجنيد بالإضافة إلى تكاليف التدريب والتسليح والمستلزمات العسكرية وما يتصل بتوفير متطلبات الإعاشة الاخرى من خدمات غذائية وصحية(3).

وعلى الرغم من هذه التكلفة الكبيرة إلا أنه يُمكن التغلب عليها من خلال إلحاق عددٍ من هذه القوة البشرية الكبيرة في المشروعات المنتجة كما هو معمول به في العديد من جيوش المنطقة. وفي هذا السياق، يبرز نموذج الجيش التنموي الذي يلتحق به الشباب لتعلم مهنة أو حرفة يتعايشون منها في مرحلة ما بعد أداء الخدمة. وتعمل جمهورية الصين الشعبية بهذا النموذج(4).

موقف جبهة البوليساريو من إقرار مشروع القانون

على الرغم من استبعاد المسؤولون المغاربة الربط بين قانون التجنيد الإجباري وتسارع الأحداث في منطقة الصحراء الغربية، إلا ان الجبهة اعتبرتها خطوة موجهة لها بالأساس؛ حيث اعتبرت الجبهة ان هذه الخطوة تتناقض مع الجهود التي يقوم بها المبعوث الأممي "هورست كولر" لإحلال السلام وخفض التوتر في منطقة الصحراء. واعتبرت الجبهة في بيانها إلى أن "إعلان قانون الخدمة العسكرية الإجبارية في المغرب يعد إشارة واضحة إلى أن الرباط غير جادة في التوصل إلى أي حل سلمي لقضية الصحراء". وترى الحركة ان ما أقدمت عليه الحكومة المغربية يُعد إجراء كاشف لفشلها الاقتصادي؛ حيث تسعى للزج بشبابها العاطل عن العمل إلى الحرب.

ختامًا؛ سيكشف مشروع القانون في صورته النهائية بعد عرضه على البرلمان في أكتوبر/تشرين الأول القادم كافة التساؤلات المتعلقة بتنظيم الخدمة خاصة في ظل حالة الجدل التي تسود المجتمع المغربي خاصة المحافظين حول التحاق الفتيات بالخدمة الإجبارية، وهل ما إذا كانت خدمة الفتيات يُمكن استبدالها بالأماكن والمؤسسات المدنية أم أنها ستكون حصرًا في معسكرات التدريب إلى جانب الرجال على الجبهات والحدود.   

الهوامش:

1-      لماذا التجنيد الإجباري؟ (26/11/2016)، الوطن، على الرابط: https://goo.gl/EFGFW4

2-      انظر: التجنيد الإجباري يعود إلى المغرب ويشمل الإناث (21/8/2018)، BBC عربي، على الرابط:

 https://goo.gl/scC1DY

3-      لن يقتصر على الشباب فقط بل أيضاً الفتيات.. تفاصيل ورسالة مهمة في قانون التجنيد الإجباري المغربي الجديد! (22/8/2018)، عربي بوست، على الرابط: https://goo.gl/ms33LX

4-      لماذا التجنيد الإجباري؟، مرجع سابق.

شارك