الأمن الأوروبي والتحديات الداخلية: أولويات الدبلوماسية الفرنسية في عهد "ماكرون"

الأحد 02/سبتمبر/2018 - 01:45 ص
طباعة الأمن الأوروبي والتحديات
 
آية عبد العزيز

يسعى "سيد الإليزيه" استعادة مكانة فرنسا الدولية من خلال تحديد أولويات السياسة الخارجية الفرنسية، وتوجهاتها وفقًا للمصلحة الوطنية لباريس التي تقتضي التحرك في كافة الاتجاهات والتنسيق والتعاون مع الحلفاء لإدارة الملفات الشائكة النابعة من المتغيرات الدولية والإقليمية المتلاحقة التي تكاد تعصف ببعض النظم السياسية.

 لذا يعد "ماكرون" من أهم القادة الأوروبيين المؤمنين بالوحدة الأوروبية، فبتوليه الرئاسة في مايو/ أيار 2017 مثل بداية جديدة لباريس، وباقي دول الجوار الجغرافي التي باتت تعاني من صعود القوى اليمينية المتطرفة، فضلاً عن تراجع بعض القوى الأوروبية عن المشهد السياسي مثل بريطانيا لانشغالها بالتفاوض على إجراءات الخروج من الاتحاد، وبرغم من دعم المستشارة الألمانية "إنجيلا ميركل" إلا إنها غارقة في أزماتها الداخلية.

وفي هذا السياق؛ ينطلق "أسبوع السفراء" بحضور 250 دبلوماسيًا وخبيرًا في العلاقات الدولية بقصر الإليزيه، الذي ينعقد للمرة ثانية؛ حيث يعد انعقد للمرة الأولى برئاسة "ماكرون" في 2017 تحت عنوان (تجديد عمل فرنسا في عالم متقلب) بحضور  نحو 200 سفير فرنسي لتقويم السياسية الخارجية وتحديد أهم أولوياتها خلال العام المقبل.

تحديات متزايدة

 يأتي هذا الحدث بالتزامن مع تراجع شعبية الرئيس الفرنسي إلى أدنى معدل لها؛ حيث وصلت إلى 34% خلال أغسطس/ آب 2018،  متراجعًا بنسبة 5 نقاط عن شهر يوليو/ تموز، و18 نقطة منذ يناير/ كانون الثاني 2018، وفقًا لاستطلاع المعهد الفرنسي للرأي العام(1). 

ومن المتوقع أن تستمر شعبيته في التدهور على غرار إصدار قانون العمل الجديد الذي اعتبره البعض انقلاب اجتماعي نابع من النهج الاقتصادي والاجتماعي الذي تمثله سياسات ماكرون. بالإضافة إلى حادثة "ألكسندر بينالا" المساعد والحارس الخاص لماكرون، الذى كان قام بالتعدي على المتظاهرين خلال تظاهرة للتنديد بقانون العمل في شهر مايو/ أيار 2018.

بجانب استقالة وزير البيئة "نيكولا أولو" خلال مقابلة إذاعية بشكل مفاجأ للرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء الذين لم يعلما مسبقًا بأمر الاستقالة. جاءت الاستقالة نتيجة عدد من الاحباطات المتتالية التي تعرض لها إبان محاولته المستمرة في التعاطي مع التغيرات المناخية والتهديدات البيئة، علاوة على تنامي قوة جماعات الضغط على قرارات الحكومة الخاصة بالتعامل مع التغير المناخي التي تجلت في إعلان الحكومة تخفيف القيود المفروضة على الصيد.

لذا تُشكل هذه الاستقالة ضربة موجعة للحكومة الفرنسية التي مازالت تواجه تحديات داخلية في وضع ميزانية لعام 2019 جراء تراجع النمو الاقتصادي التي تكاد تعصف بحكم "ماكرون"(2).

في المقابل؛ تعتزم المعارضة على تحويل الانتخابات الأوروبية في مايو/ أيار 2019 إلى استفتاء على استمرار "ماكرون"، كما أكد "جان لوك ميلانشوف" زعيم اليسار المتشدد الذي دعا سابقًا إلى الخروج في مسيرات ببعض المن الفرنسية داخل العاصمة باريس احتجاجًا على السياسات الداخلية التي ينتهجها، على أهمية أن يثبت الرئيس الفرنسي أن جهوده الخارجية  تتوافق مع المصلحة الوطنية للفرنسيين بشكل مباشر(3).

أبرز أولويات الدبلوماسية الفرنسية

ركز "ماكرون" على عدد من الملفات الدولية الشائكة التي أصبحت محل خلاف بين الفرقاء الدوليين وخاصة فيما يتعلق بالملف الإيراني والسوري والليبي إلى تحديات الأمن الأوروبي في أعقاب "أسبوع السفراء" على النحو التالي:

1-     الأزمة السورية؛ حذر  من الوضع المقلق في سوريا ومن استمرار بقاء النظام السوري لما له من تداعيات عميقة على الوضع الإنساني واعتبر تواجده في المستقبل بـ "خطأ فادح"،  كما أعرب عن مخاوفه من معركة إدلب المحتملة التي من الممكن أن تسبب في أزمة إنسانية جديدة خاصة وإنه لا يُبدي أي رغبة بشأن التفاوض لبحث سبل التسوية السلمية.

2-     الأزمة الليبية؛ أوضح الرئيس الفرنسي عن رغبته في الاستمرار المباحثات التسوية السلمية بين الفرقاء الليبيين، مؤكدًا على أن دور باريس يكمن في عودة الاستقرار إلى الأراضي الليبية من خلال تطبيق اتفاق باريس الذي تم توقيعه في مايو/ أيار 2018 لأنها أصبحت مسرحًا ومجالًا للتنافس بين القوى الخارجية(4).

3-     أمن أوروبا المشترك؛ يرغب "ماكرون" مواجهة التحديات والتهديدات التي تواجه الاتحاد الأوروبي وخاصة فيما يتعلق بتعزيز الأمن داخل القارة، مرتكزًا على المقدرات الأوروبية بدلًا من الاعتماد على الحلفاء الاستراتيجيين وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأميركية. موضحًا إنه سيعلن عن مقترحات خاصة بإعادة النظر في حماية أمننا، في وقت عادت فيه الحركات القومية والتطرف والعنف بشكل أقوى(5).

4-     التعاون مع روسيا؛ في سياق حديثه عن تعزيز الأمن داخل القارة أوضح أهمية التعاون مع موسكو لضمان الاستقرار بجانب الشركاء الأوروبيين، فـ "ماكرون" المعارض للنهج الروسي في توجهاته الخارجية تجاه دول القارة وخاصة "أوكرانيا" أدرك مدى أهمية الدور الروسي في المنطقة وخاصة مع استمرار العلاقات التصادمية بين واشنطن والاتحاد الأوروبي في إدارة الملفات العالقة بينهم.

5-     التعاطي مع البريكسيت؛ أكد على أهمية أن يتوافق الاتحاد الأوروبي مع بريطانيا حول شروط الخروج، موضحًا أولوية الوحدة الأوروبية بالنسبة له، أكد على أن فرنسا تود الاحتفاظ بعلاقاتها مع بريطانيا قوية برغم من أن البريكسيت اختيار مستقل يجب احترامه ولكن ليس على حساب الوحدة الأوروبية(6).

6-     انضمام تركيا للاتحاد؛ دعا إلى التعامل مع أنقرة بدون نفاق وخاصة فيما يتعلق بانضمامها إلى الاتحاد، كما اقترح التعامل معها في سياق "شراكة استراتيجية"، معتبرً أن المشروع الذي ينادي به الرئيس التركي، هو مشروع "إسلامي" حيث تتعارض إجراءاته مع المبادئ الأوروبية. في المقابل أوضح وزير الخارجية التركي "حامي أكسوي" أن "تصريحات ماكرون تكشف إنه بعيد عن فهم الحقائق المتعلقة بأنقرة"(7).

التحرك الخارجي لإصلاح المنظومة الأوروبية

يبدأ "ماكرون" جولته الأوروبية التي تستمر لمدة ثلاثة أيام تشمل لكل من الدنمارك التي تمثل الوجه الأولى له؛ حيث تعد الزيارة الأولى من نوعها يقوم بها رئيس فرنسي منذ 36 عامًا،  وفنلندا التي تعد أيضًا الزيارة الرسمية لرئيس فرنسي منذ 19 عامًا من أجل طرح مقترحات خاصة بتطوير وإصلاح المنظومة الأوروبية وخاصة في مجال الدفاع والأمن استنادًا للمقدرات الأوروبية.

تبرز أهمية الزيارة في رغبة "ماكرون" مناقشة المواقف والقرارات غير المتوافقة مع الفرقاء الأوروبيين مثل الدنمارك وفنلندا التي رفضتا المقترحات الفرنسية المتعلقة بإقامة موازنة موحدة لمنطقة اليورو، وتوحيد النظام الضريبي، مطالبين مع سبع دول أخرى في منطقة اليورو بإنشاء اتحاد مصرفي وضبط الموازنات العامة لباقي دول المنطقة.

بجانب محاولة تقارب وجهات النظر حول ملفات الهجرة على وجه التحديد ففي الوقت الذي تقيم فيه الدنمارك مراكز لإيواء اللاجئين الممنوعين من دخول أوروبا وتقدم لهم المساعدة وخاصة القادمين من أفريقيا، تنتهج فلندا سياسة أكثر حزمًا نتيجة صعود القوى الشعبوية التي ساهمت في مراجعة سياسات الهجرة بعد تنامي موجات الهجرة واللجوء بشكل غير نظامي(8).

ختامًا؛ يواجه الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" تحديات داخلية وخارجية تكاد تهدد مستقبله السياسي ولكنها مازال مستمر في الصمود من خلال استعادة شرعيته من توجهاته الخارجية والداعمة لاستقرار القارة بالتعاون مع الحلفاء والشركاء الاستراتيجيين لمواكبة التطورات المتلاحقة.

لذا فمن المتوقع استمر حالة الجدل الداخلي وخاصة من قبل اليسار المتشدد والقوى اليمينية التي تحاول الخروج على سياسات "ماكرون" بحجة إنها غير متوافقة مع مصلحة الفرنسيين، كما إنها ستستغل استقالة وزير البيئة للترويج لفشل حكومته في إدارة البلاد بكفاءة وفعالية.

المراجع:

1-    "العجرفة" تطيح بشعبية ماكرون"، روسيا اليوم، 26/8/2018. متاح على الرابط التالي: http://cutt.us/cS8DF

2-    " استقالة وزير البيئة الفرنسي نيكولا أولو بصورة مفاجئة أثناء مقابلة إذاعية على الهواء"، هيئة الإذاعة البريطانية، 28/8/2018. متاح على الرابط التالي: http://www.bbc.com/arabic/world-45333810

3-    "ماكرون يريد مراجعة شاملة للأمن الأوروبي تتضمن روسيا"، الشرق الأوسط، 27/8/2018. متاح على لرابط التالي: http://cutt.us/UM9fc

4-    "ماكرون يستعرض الخطوط العريضة للدبلوماسية الفرنسية أمام قمة السفراء بباريس"، فرانس 24، 27/8/2018. متاح على الرابط التالي: http://cutt.us/qdO3b

5-      ZACHARY YOUNG," Macron: Europe can’t depend on US for security", politico, 27/8/2018. https://www.politico.eu/article/europe-defense-macron-cant-depend-on-us-for-security/

6-    "ماكرون يرغب بالحفاظ على العلاقات الخاصة مع بريطانيا بعد بريكسيت"، روسيا اليوم، 27/8/2018. متاح على الرابط التالي: http://cutt.us/qamcX

7-    " أنقرة تعتبر أن ماكرون "بعيد عن فهم" تركيا"، فرانس 24، 28/8/2018. متاح على الرابط التالي: http://cutt.us/qDno8

8-    "جولة ماكرون الأوروبية .. خطوة في طريق مشروع إصلاح الاتحاد الأوروبي"، 28/8/2018. متاح على الرابط التالي: http://cutt.us/M6tWO

شارك