بين المنافسة والحفاظ على البقاء: المساعي الروسية لتحديث القدرات البحرية

الثلاثاء 04/سبتمبر/2018 - 01:52 ص
طباعة بين المنافسة والحفاظ
 
محمد عمر

في احتفال البحرية السنوي، لروسيا وبحضور الرئيس فلاديمير بوتين، في الـ29 من يوليو 2018 انضمت إلى البحرية الروسية 26 قطعة بحرية جديدة منها سفن حربية مزودة بصواريخ "كاليبر"، المتقدمة التي اختبرتها موسكو بنجاح في سوريا، من أجل توجيه رسالة إلى خصومها الغربيين، وقبلها بأيام أقر بوتين الاستراتيجية البحرية الحربية لروسيا حتى عام 2030، وتسمح للأسطول الروسي باستخدام الأسلحة النووية، حيث اعتبرت الاستراتيجية أن الولايات المتحدة تسعى للهيمنة على مياه العالم، وهو ما يمثل خطراً مباشراً على أمن روسيا، التي اعتبرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أهم أعداء بلاده في استراتيجية الأمن القومي وكذلك استراتيجية الدفاع.

سياسات بوتين لتحديث القوة البحرية

أقر الرئيس بوتين في 21 يوليو2018، الاستراتيجية البحرية الحربية لروسيا حتى عام 2030، في ظل المنافسة والمواجهة مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلنطي "ناتو"، بعد التدخل الروسي في الأزمة الأوكرانية منذ عام 2014، وضم جزيرة القرم، بخلاف التواجد في مياه البحر المتوسط من خلال قواعدها في سوريا، وتسمح الاستراتيجية الجديدة لأسطول البحرية الروسية باستخدام الأسلحة النووية ضد أعدائها، بجانب التأكيد على أهمية تطوير الأسطول الروسي ودعمه بأحدث السفن والمنظومات(1).

واعتبرت الاستراتيجية أن واشطن تحاول الهيمنة على مياه العالم، مما يمثل خطراً مباشراً على أمن روسيا، وهذا يأتي ردا على استراتيجية الأمن القومي واستراتيجية الدفاع التي أقرتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ضد روسيا فقد اعتبرت روسيا والصين أكبر خطر يهدد الأمني القومي الأمريكي، بل اعتبرت أن خطيرهما بجانب قوى إقليمية مثل إيران وكوريا الشمالية، أقوى من الإرهاب وجماعات التطرف ومواجهة هذين البلدين يمثلان أولوية لدى إدارة ترامب.

كما حددت استراتيجية بوتين أهم المناطق التي ستواجه فيها روسيا تحديات كبيرة من قبل الولايات المتحدة والناتو، وهي محيطات العالم، التي تعتبر  مفتوحة للجميع رغم سيطرة واشنطن على المحيط الأطلنطي والهادي استراتيجيا وعسكريا، إلا أنها تحاول السيطرة أيضا على القطب الشمالي، ليس فقط عسكريا وإنما تنمية ودعم، المطالب الحدودية لبعض دول الجوار الروسي للاستحواذ على أراض ساحلية وأحواض بحرية روسية، بخلاف تقديم الدعم العسكري، فمثلا قرر الكونجرس الأمريكي تقديم 350 مليون دولار دعما عسكريا لأوكرانيا في نوفمبر عام 2017، لكن خفضه هذا العام إلى 250 مليون دولار وذلك بخلاف الدعم الأوروبي في السنوات السابقة منذ أزمة القرم.

وتسيطر الولايات المتحدة واسع على المحيطين الأطلنطي والهادي من خلالها أسطولها الذي أصبح الآن 40 % متواجد في الأطلنطي و60% في الهادي، بعد أن كانت الأولوية للمحيط الأطلنطي، إلا أن الرئيس السابق باراك أوباما أقر استراتيجية "التوجه شرقا" وذلك لمواجهة النفوذ الصيني المتصاعد، وقضت بتوزيع الأسطول الأمريكي بين المحيطين بما يتناسب مع التهديدات الجديدة(2).

 وانتبهت روسيا لهذا التضيق المتزايد، لذا اعتبرت وثيقة بوتين الجديدة أن طموح بعض الدول يسعى إلى الحد من قدرة روسيا على استغلال المحيطات، وحرمان أساطيلها سواء التجارية او العسكرية من ممرات الملاحة البحرية الحيوية، بجانب ممارسة ضغوط متنوعة على موسكو للحد من نشاطها في مياه المحيطات، وتقييد نفوذها البحري.

ولأن الخلافات بدأت تأخذ أشكالا من الصدام العسكري الغير مباشر وحروب الوكالة سواء في سوريا أو أوكرانيا بين روسيا والولايات المتحدة وحلفائها الأوربيين من جهة، بدأت جميع الأطراف في استعراض قوتها العسكرية وتجريبها عمليا وعدم الاكتفاء بالإعلان عنها كما كان في السابق، فمثلا روسيا اختبرت صواريخ كاليبر المجنحة عبر إطلاقها من على متن السفن الحربية من بحر قزوين، تجاه أهداف في سوريا قيل إنها تابعة لتنظيم داعش الإرهابي، وفعلت الولايات المتحدة الأمر ذاته عبر استهداف سفنها من البحر المتوسط قواعد عسكرية للجيش السوري بصواريخ كروز تعادل كاليبر ، وذلك في استعراض قوى أيضا ورسالة لموسكو.

ورغم اتفاقيات خفض الترسانات النووية ودعوات خفض سبق التسلح النووي، إلا أن استراتيجية البحرية الروسية الجديدة، دعت لتطوير القدرات النووية البحرية، فقد أشادت بجدوى تطوير الأسطول الروسي، وأن قوته ماثلة في قدرته على استخدام القوات النووية الاستراتيجية البحرية في جميع الظروف والأوضاع.

القدرات العسكرية للبحرية الروسية

في تصنيف لموقع "جلوبال فير بور" الأمريكي، رصد أقوى 10 أساطيل بحرية في العالم، وجاءت روسيا في المرتبة الخامسة بينما حلت الولايات المتحدة في المرتبة الثانية، بينما جاءت كوريا الشمالية في المرتبة الأولى، ورغم دقة هذا التصنيف لأنه يعتمد بشكل كبير  على عدد القطع البحرية، إلا أن البحرية الروسية تتمتع بقدرات متقدمة ومتطورة وليس مجرد عدد فقد كبيونج يانج وإيران التي جاءت في المرتبة الخامسة(3).

وتركز روسيا بشكل كبير على سلاح الغواصات خاصة النووية، لأن جزءا كبيرا من سواحلها متجمد ولا تملك الكثير من المياه الدافئة مقارنة بخصومها الغربين، وكشف جيمس فوغو الأميرال بالبحرية الأمريكي عن هذا الأمر، مؤكدا أن موسكو تصنع حاليا غواصات ديزل كهربائية لا تقدر أجهزة الرصد البحري على تتبعها وكشفها، وسيتم نشر هذا النوع وغيره في محيط مسرح العمليات الأوروبي، ومن بين الغواصات الروسية "ياسن"، المزودة بصواريخ مجنحة قادرة على حمل رؤوس نووية، وغواصة "سيفيرودفينسك" متعددة الأغراض التي دخلت بالفعل الخدمة في أسطول الشمال الروسي، فهي مدعمة بـ24 صاروخا مجنحا طراز "جرانات" بعيد المدى، قادر على حمل رأس نووية، بخلاف أنه من الصعب لأجهزة الرادار  المعادية كشفها وهو ما يزيد من خطورتها.

وتعاني روسيا نقصا في حاملات الطائرات، فبعد أن كانت متفقة مع فرنسا للحصول على حاملتي مروحيات طراز "ميسترال"، بمقابل 1.2 مليار دولار، إلا أن باريس نقضت الاتفاق بعد أزمة أوكرانيا والقرم، وبدلا من ذلك باعتهم إلى مصر التي تعتبر أحد أهم شركاء فرنسا والاتحاد الأوروبي في الوقت الراهن(4).

من جانبها اتجهت روسيا إلى بناء حاملة طائرة لنفسها، وستكون قادرة على استقبال الطائرات الدورية البعيدة المدى، وكذلك مقاتلات "سو-57" من الجيل الخامس، وستكون قادرة أيضا على حمل حوالي 90 طائرة ومروحية، وتشكل حمولة السفينة  بالمجمل 100 ألف طن، وبخلاف ذلك ستجهز بمحطة للطاقة النووية من أجل توفير قدرات الدفع اللازمة لها والبقاء لأطول مدة ممكنة في البحار(5)، فالولايات المتحدة وحلفائها يركزون بشكل أساسي الآن على سلاح حاملات الطائرات، فبريطانيا تعمل على بناء حاملة طائرات جديدة باسم "الملكة إليزابيث"، وتبلغ تكلفتها حوالي 4 مليار دولار، لأنها تعاني نقصا شديدا في هذا الأمر، كذلك أنتجت واشنطن حاملات طائرات جديدة من نوع "جيرالد فورد"، بدأ تصنيعها في عام 2009 وسلمت إلى الأسطول في عام 2017، وبلغت تكلفة الواحدة منها حوالي 13 مليار دولار، ويخطط الجيش الأمريكي لاقتناء 10 قطع منها على الأقل.

التنافس الأمريكي الروسي على المياه الدافئة

رغم حالة الود التي أبداها دونالد ترامب تجاه روسيا منذ مجيئه إلى البيت الأبيض، إلا أن الاستراتيجيات التي أقرتها إدارته اعتبرتها من أكبر التهديدات التي تواجه الولايات المتحدة وحلفائها، ففي يناير 2018، أعلن وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس، عن "الاستراتيجية الدفاعية الجديدة" لبلاده، وحملت في بنودها الأساسية نزعة هجومية تنافسية مع القوى الدولية الصاعدة، خاصة روسيا والصين، بجانب فاعلين إقليميين مثل إيران وكوريا الشمالية، معتبرة أن الخطر الروسي والصيني أشد ضررا من الإرهاب على الولايات المتحدة(6).

وقبل هذه الاستراتيجية، أعلن ترامب في ديسمبر 2017، "استراتيجية الأمن القومي"، أكد فيها أن واشنطن تدخل "عصرا جديدا من التنافس" تواجه فيه موسكو وبكين، ورأت هذه الاستراتيجية أن تطوير روسيا لقدراتها العسكرية، يمثل خطرا كبيرا على الأمن القومي الأمريكي. ومن ضمن المجالات التي تشهد تنافسا محموما بين البلدين المياه الدافئة، فالولايات المتحدة تريد حصر النفوذ الروسي في الجليد فقط الذي يحاصر روسيا، ومنعه من بسط نفوذه في المياه الدافئة، خاصة في المناطق الاستراتيجية من العالم التي تمثل مصالح مباشرة للولايات المتحدة.

وإلى جانب خطط الولايات المتحدة الخاصة بها ضد روسيا، أيضا لدى الناتو سياسات عدائية ضد روسيا سواء بتعزيز  تواجده في دول الجوار الروسي، أو من خلال العمل على زيادة الميزانية العسكرية لأعضائه والضغط من أجل تنفيذها وتصل إلى 2 % من الدخل القومي للدولة العضو  لمواجهة التدخلات الروسية، فقد كشف الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتينبيرغ عن أنشطة غير مسبوقة للغواصات الروسية، بجانب عمليات التطوير التي تتم عليها كما وكيفا، مؤكد أن أداء الغواصات الروسية في الوقت الراهن أصبح  على أرفع مستوى له منذ الحرب الباردة، مقارن بالناتو الذي قلص قدراته البحرية كثيرا بعد انتهاء الحرب الباردة، خاصة في مجال مكافحة مما أفقد الحلف مهارة القتال البحري(7).

ختاماً، يمكن القول إن روسيا لا تسعى من وراء تطوير قدراتها العسكرية، وخاصة العسكرية للحفاظ على البقاء فقط ومواجهة التهديدات، وإنما تحمل سياساتها الجديدة، قدرا كبيرا من المنافسة، للولايات المتحدة وحلف الناتو، على الأقل حماية نفوذها في مناطق الجوار الروسي، ومنع منافسيها من قطع أوصالها عبر العالم وحصرها فقط داخل  حدودها، فسياسة بوتين الجديدة أصبح بها قدرا كبيرا من الهجوم وعدم الاكتفاء بالدفاع ورد الفعل، بل وضع خصومه في الكثير من الأزمات والقضايا في هذا الموقف، والتحسينات التي يجريها على البحرية إحدى آليات سياسته الهجومية الجديدة، التي أكد عليها ألفريد ماهان وهي أن القوة البحرية هي أساس قوة الدولة وأي دولة تريد السيطرة على العالم عليها أن تمتلك قوة بحرية كبيرة، وهذا به قدر كبير من المقبولية رغم الاعتماد السائد على التفوق الجوي، واستمرار تطوير  صناعة الفضاء وعسكرته.

المصادر:

1- روسيا تخوّل أسطولها البحري استخدام السلاح النووي، الخليج أونلاين، 21/7/2017، الرابط.

2- سمية متولي السيد، كتاب للمناقشة: تقييم التوجهات الخارجية الأمريكية تجاه آسيا، السياسة الدولية، 6-8-2017، الرابط.

3- أضخم 10 أساطيل حربية في العالم بينها دولة عربية، وكالة سبوتنيك، 2/11/2017، الرابط.

4- فرنسا وروسيا تتوصلان إلى اتفاق يقضي بإلغاء صفقة بيع بارجتي "ميسترال"، فرانس 24، 5/8/2015، الرابط.

5- الكشف عن حاملة الطائرات الروسية الجديدة، وكالة سبوتنيك الروسية، 26/2/2018، الرابط.

6- ماتيس يعلن «استراتيجية أميركا الدفاعية»… أولويتها «الحرب»،الشرق الأوسط، 20/1/2018، الرابط.

7- الناتو يقرّ بفقدان قواته مهارات القتال البحري ويشيد بالقدرات الروسية، روسيا اليوم، 24/12/2017، الرابط

شارك