تراجع عكسي: الاستراتيجية الأمريكية في مكافحة الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر

الثلاثاء 18/سبتمبر/2018 - 12:54 ص
طباعة تراجع عكسي: الاستراتيجية
 
محمود جمال عبد العال

مع مرور 17 عامًا على أحداث 11سبتمبر، تبرز أهمية تقييم مآلات الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب خاصة أن هذه الاستراتيجية أبرزت فشلًا كبيرًا؛ حيث وُضِعت للقضاء على خطر الإرهاب، ولكن بعد 17 عامًا نجد ان هذا الخطر ازدادت فعاليته وتنوعت أنماطه وأدواته؛ إذ زادت فاعلية التنظيمات الإرهابية القديمة وبرزت تنظيمات جديدة أشد خطورة لتبادل الأدوار. فعلى الرغم من الدعم الذي تلقته طالبان من الجانب الأمريكي لمواجهة الاتحاد السوفيتي، انقلبت عليها هذه السياسة، وتشكل تنظيم القاعدة الذي لم تستطع واشنطن وحلفاؤها القضاء عليه منذ 2001.  سنرصد فيما يلي تقييمًا شاملًا للاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب، وكيف أدى فشلها إلى بروز تنظيمات عنفوية باتت عابرة للحدود، وظهور المظلوميات التي نتج عنها نموذج الذئاب المنفردة التي مارست عنفًا وإرهابًا في قلب أروبا خلال الأعوام الماضية.

أولاً- أسس الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب بعد 2001

يرى المحللون والمتابعون أن استراتيجية الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب بعد 2001 عدوانية(1)؛ حيث قامت على نموذج الحروب الاستباقية ضد الأهداف التي تراها تدعم الإرهاب أو تموله، وهو ما بدا في قرار الحرب على العراق في 2003.  ومثَّل الانسحاب غير المخطط له من العراق فرصة لنشاط تنظيمات ما بعد القاعدة مثل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش". أدى ذلك إلى اتهام واشنطن بنجاحها في التدمير وفتح جبهات للحروب، وفشلها في تحديد نهاياتها، ورسم سيناريوهات الانسحاب؛ إذ يقوم انسحابها على العشوائية وترك الجبهات مفتوحة وهو ما حدث فعليًا في حالات العراق، وأفغانستان إلى حدٍ ما.  واعتمدت الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب على عدة مبادئ، نذكر منها:

1-     سياسة دعم تغيير الأنظمة السياسية

 اعتبرت الولايات المتحدة أن دعمها للأنظمة الاستبدادية غير الناجحة اقتصاديًا أدى إلى ظهور المتطرفين باعتبار أن الفقر والتهميش من أبرز ما يتغذى عليه الفكر المتطرف. لذا اتجهت إدارة "بوش" الابن إلى تنفيذ أجندة إصلاح سياسي في الدول الحليفة لها، ونتج عن ذلك دفعها للإصلاحات السياسية في الدول العربية مثل الضغط على مصر لإجراء أول انتخابات رئاسية تعددية بعد التعديلات الدستورية في مايو/أيار 2005، وتم الضغط كذلك على دول لإصدار قوانين ودساتير جديدة تعزز من مسألة الحقوق السياسية والاجتماعية مثل الضغوطات التي تم ممارستها على سوريا، وقطر، والبحرين، والسعودية.

نتج عن هذه السياسة نشأة الحركات الاجتماعية والشبابية التي قادت التغيير في المنطقة بعد 2011، وتلازم مع ذلك توفير المؤسسات الأمريكية لبرامج تدريبية لمساعدة الشباب من الدول العربية للتغيير بالطرق السلمية. ظهرت نتائج هذه السياسات في 2011 فيما سُمي وقتها بـ "الربيع العربي" الذي انقلب حاله إلى تدهور اقتصادي وتصاعد لموجات العنف والإرهاب ونشأة التنظيمات الإرهابية المحلية في ظل الحروب الأهلية التي نشبت في المنطقة كما الحال في سوريا وليبيا واليمن.

 من ناحية أخرى، لم تتوانَ السياسة الأمريكية في العمل على تغيير الأنظمة السياسية بالقوة بعيدًا عن مبادئ التقييم الاستراتيجي لمآلات هذا التغيير ونتائجه، ولكنها عملت على تطبيق سياساتها بكافة الأدوات التي تراها ملائمة دون النظر إلى البديل، ونتج عن هذه السياسة اسقاط العراق في دوامة من الحروب الأهلية والصراعات الطائفية، وفشل ترتيبات الأوضاع الأمنية والسياسية في مرحلة ما بعد الخروج الأمريكي غير المخطط في 2012. وتم توجيه الانتقادات لهذه السياسة خاصة بعد ما برز في سياسة "بوش" التي اعتمدت على استغلال الأحداث السياسية لدعم الهيمنة الأمريكية على النظام العالمي وترتيبه وفقًا للمصالح الأمريكية.

2-     توحيد الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب

عملت الإدارة الأمريكية على استخدام أدوات الضغط السياسية والاقتصادية على الدول للدخول في ركبها لمكافحة الإرهاب والتطرف. وفي هذا السياق، استطاعت الدبلوماسية الأمريكية تمرير القرار رقم  (1373) في مجلس الأمن الدولي، وأنشأ هذا القرار لأول مرة لجنة أممية لمكافحة، وفي عام 2006 وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على الإطار الاستراتيجي المشترك لمكافحة الإرهاب، وتقوم هذه الاستراتيجية على 4 دعائم أساسية هي؛ معالجة الاوضاع التي تحفز على الإرهاب مثل الفقر والحرمان الاقتصادي، ودعم الدول وتمكينها من مجابهة العمليات الإرهابية، وضمان احترام حقوق الإنسان  والتمكين السياسي للجميع باعتبارهم أهم مقومات مجابهة الإرهاب(2).

استخدمت إدارتي "بوش الابن"، و"باراك أوباما" هذه الاستراتيجية؛ حيث قام بوش بتشكيل قوة دولية مكونة من 40 دولة لإسقاط نظام الرئيس العراقي "صدام حسين". وتبنت واشنطن السياسة نفسها في حربها على القاعدة في أفغانستان، وكذلك الحرب على تنظيم الدولة في العراق. وتحاول واشنطن أن تستفيد من هذه الاستراتيجية في توفير الدعم الدولي لسياساتها.

ثانياً- واشنطن، وسياسة خلق الأعداء!

برعت السياسة الأمريكية فيما يمكن وصفه مجازًا "تحضير الجن دون القدرة على صرفه"؛ إذ تشير نتائج الحرب الأمريكية على الإرهاب إلى فشل الاستراتيجية الأمريكية في التعاطي مع التنظيمات العسكرية؛ إذ نتج عن الدعم الأمريكي لحالة العنف الشعبي ضد الاتحاد السوفيتي إلى نمو تنظيم القاعدة وتصاعد أنشطته ضد المصالح الأمريكية، وكذلك تأسيس حركة طالبان التي تحولت بعد ذلك إلى حركة مقاومة ضد الولايات المتحدة، ومن والاها في الداخل الأفغاني، فلم تكن واشنطن على دراية بأن ما ستقوم به من سياسات لدعم المجاهدين الأفغان قد ينقلب عليها؛ حيث أمدتهم بالسلاح، ووفرت لهم البرامج التدريبية لتعطيل النفوذ السوفيتي في منطقة بحر قزوين.

يرى البعض أن هناك حالة من التشابه بين ما حدث في أفغانستان في السابق، وما حدث مؤخرًا من تأسيس تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في العراق والشام؛ حيث أدى فتح الحدود السورية أمام المقاتلين الأجانب من الخارج لتغيير النظام السياسي بالقوة فرصة لظهور تنظيم "داعش" وتمدده في المناطق المجاورة مثل ليبيا والعراق. ويرتبط عدم تهديد "داعش" للمصالح الأمريكية حتى الآن بعاملين أولهما أنه لم يتمكن تمامًا من السيطرة على الأراضي التي احتلها؛ إذ أعلن التحالف الدولي الحرب عليه دون تأخير  بما أسهم في التقليل من خطورته الخارجية، أما العامل الآخر فهو يرتبط بنظرية العدو القريب والعدو البعيد في استراتيجية التنظيم؛ إذ يعتبر إسقاط الأنظمة السياسية وتأسيس دولة الخلافة مرحلة ذات أولوية عن ضرب المصالح الأمريكية، وهو بذلك عكس تنظيم القاعدة الذي هدف منذ تأسيسه إلى محاربة المصالح الأمريكية.

الهوامش

1.       سيف الهرمزي، إطالة الحرب؟ إخفاقات الاستراتيجية الأمريكية في محاربة داعش (23/1/2015)، مركز المستقبل للدراسات المتقدمة، على الرابط: https://goo.gl/urwuxY

2.      انظر قرار مجلس الأمن رقم  (1373)، على الرابط:https://goo.gl/ddtWCN

شارك