خطوات استباقية: السياسات الصينية تجاه الإيجور

الثلاثاء 02/أكتوبر/2018 - 04:33 م
طباعة خطوات استباقية: السياسات
 
محمود جمال عبد العال

صدر عن الأمم المتحدة خلال الآونة الأخيرة العديد من التقارير عن خطورة ما تتعرض له أقلية الإيجور المسلمة في إقليم شينجيانج غربي الصين؛ حيث رصدت تعرض الإيجور للاحتجاز الجماعي.

 ووصلت إحصاءات الأمم المتحدة لتقدير أعداد المحتجزين الذين وصلوا إلى مليون محتجز. من ناحيتها، نفت الصين صحة هذه التقارير، ولكنها اعترفت بإقامتها معسكرات لتثقيف من أطلقت عليهم "المتطرفين الدينيين" في معسكرات "إعادة التثقيف" المخصصة لهذه العملية. وتصف الصين هذه الأقلية بالمتشددين الإسلاميين المتمردين لذا تتبع إجراءات أمنية خاصة في المنطقة مثل زراعة كاميرات المراقبة، ونشر البوابات الأمنية للتدقيق وتفتيش الداخلين والخارجين من المنطقة. وقامت لجنة القضاء على التمييز التابعة للأمم المتحدة بإصدار تقريرها حول سياسة بكين لتحويل منطقة إقامة الإيجور إلى ما يشبه معسكرات اعتقال.

سنحاول في هذا التقرير تناول هذه الأزمة وذلك من خلال التعريف بهذه الأقلية، ومطالبها، وسياسات الحكومة الصينية تجاهها فضلًا عن التطرق للتقارير الصادرة عن الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية تجاه هذه الأزمة.

الإيجور: من هم؟!

تعود أصول الإيجور بالصين إلى أصولٍ تركية، ويعيش أغلبهم في إقليم شينجيانج الغني بالنفط الذي يقع على الحدود المشتركة بين الصين وأفغانستان. وأُطلِق على المنطقة التي يعيشون فيها تركمانستان الشرقية، وذلك قبل ضمها إلى الصين عام 1949. ويُشكِل سكان الإيجور نحو 45% من سكان الإقليم، وتبلغ نسبة الصينيين من عرقية الهان نحو 40%(1).

اتهمت الصين أقلية الإيجور بالسعي للانفصال عنها، وتم اتهامهم كذلك بالولاء لتنظيم القاعدة وتلقي التدريبات على يد التنظيم في أفغانستان، متهمة إياهم بتلقي تدريبات ومساعدات من الجماعات المسلحة في العاصمة كابول. ويتمتع الإقليم الذي يقيم فيه الإيجور بالحكم الذاتي داخل الصين.

سياسات الصين تجاه الإيجور

تتبع الصين سياسات تمييزية بحق الإيجور؛ وهو ما برز في الإجراءات المتبعة ضدهم، وتمارس بكين سياسات للتضييق على ممارسة شعائرهم الدينية، بما فيها منعهم من صيام شهر رمضان، وكذلك شن حملات على أنماط التدين الشكلي مثل ارتداء الحجاب وإطلاق اللحية.

واشتملت الإجراءات القمعية معاقبة منّ يرفضون إرسال أطفالهم إلى المدارس الحكومية، وكذلك من لا يمتثل لسياسات تنظيم الأسرة التي تقرها الحكومة المركزية في بكين، بالإضافة إلى قيام السلطات بجمع عينات من الحمض النووي، وبصمات الأصابع، وعينات صوتية، وأنواع دم من السكان المسلمين في منطقة شينجيانج(2).

إضافة إلى ما تقدم، تحظر الصين على مواطني الإيجور الزواج من خلال اتباع الإجراءات الدينية الإسلامية التقليدية، ونتيجة لهذه الإجراءات التعسفية، شهدت أنشطة طائفة الإيجور تراجعًا كبيرًا، وذلك على مستوى شعائرهم الدينية وأنشطتهم الثقافية والتجارية.

الإيجور في تقارير الأمم المتحدة

أبرزت لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة انتهاكات الحكومة الصينية لحقوق الإيجور؛ حيث أصدرت لجنة الخبراء تقريرها في نهاية شهر أغسطس/آب 2018 اشتمل على خروقات الجانب الصيني في القضية، وسنتناول فيما يلي أبرز هذه النتائج(3):

·       أبرز تقرير الأمم المتحدة قلقه عن وجود "معسكرات تلقين" سياسي أقامتها الحكومة الصينية لإعادة تشكيل فكر الإيجور بما يضمن طمس هويتهم. على الناحية الأخرى تنفي الصين ذلك، ولكنها اعتبرت أن ما تقيمه ليس معسكرات للتلقين ولكن للتثقيف السياسي خاصة في ضوء انتشار ما تصفه بالفكر الإرهابي المتطرف لدى كثير من عناصر هذه الأقلية.

·       انتقد التقرير التعريف الفضفاض الذي تتبعه الحكومة الصينية لمفهوم الإرهاب وكذلك الإشارات غير الواضحة للتطرف؛ إذ تمارس السلطات في بكين القمع ضد الإيجور بحجة مكافحة الإرهاب.

·       أشار الخبراء عن ورود معلومات موثوق في صحتها عن احتجاز ما يقرب من مليون فرد من عرقية الإيجور بمعسكرات احتجاز ضخمة محاطة بالسرية والتكتم.

·       وصفت "جاي مكدوجال" الخبيرة في اللجنة المعسكر بأنه منطقة منتزعة الحقوق.

·       أعرب التقرير عن قلقل الأمم المتحدة فيما يخص بالقضية خاصة في ضوء إنكار الجانب الصيني للأزمة؛ حيث لا توجد بيانات حكومية رسمية عن المحتجزين.

·       أعربت لجنة الخبراء عن قلقها من الرقابة الجماعية التي تمارسها السلطات الصينية بحق الإيجور مثل توقيفهم من قبل الشرطة دون إبداء الأسباب، ويتم فحص ما تحتويه هواتفهم المحمولة من قبل قوات الشرطة، وذلك للوقوف على ما إذا كانت تحتوي على أي مظاهر تدين.

·       أشار التقرير إلى خطورة السياسة التي تتبعها الحكومة الصينية لإعادة الإيجور إلى الصين وذلك بالتوافق مع الحكومات الخارجية لترحيلهم. وفي هذا السياق، طالب تقرير الأمم المتحدة الحكومة الصينية بالكشف عن مصير طالبي اللجوء الذين تم إعادتهم قسرًا إلى الصين.

إلى جانب هذه التقارير، قدمت منظمة العفو الدولية، ومنظمة هيومان رايتس ووتش تقارير إلى لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة توثق مزاعم معسكرات الاعتقال الجماعي التي تقيمه السلطات الصينية، وأشارت التقارير إلى إجبار المعتقلين من الإيجور على ترديد شعرات الحزب الشيوعي، كما أن مدد الاعتقال غير محددة، ويتم الاعتقال والحبس بدون أسباب. وأضاف التقرير أن المحتجزين يعانون من سوء التغذية، وضعف الاهتمام بحالاتهم الصحية(4).

ودعت الأمم المتحدة الحكومة الصينية إلى إطلاق سراح المعتقلين من الإيجور، والإفصاح عن أعداد المحتجزين، وإجراء "تحقيقات نزيهة في مزاعم التنميط العنصري والعرقي والديني.

في المقابل، نفت الصين صحة التقرير الصادر عن الأمم المتحدة بشأن الإيجور، مؤكدة في الوقت نفسه عن حقها في تطبيق سياساتها الأمنية بشأن مكافحة الإرهاب والتطرف، واعتبرت وزارة الخارجية الصينية أن قوى معادية للصين تقف وراء هذه التقارير.

إجراءات حكومية مستمرة ضد الإيجور(5)

أورد موقع The Atlantic أن الصين تستخدم أسرابًا من الطائرات المسيرة (بدون طيار) لمراقبة مواطنيها. والغريب في الأمر أن هذه الطائرات لا يُمكن اكتشافها؛ حيث تنتشر على شكل أسراب طيور ذات أجنحة تنحرف بشكل واقعي لدرجة يصعب تمييزها عن الطيور الفعلية. وتُستخدَم هذه التقنيات بدرجة أكبر في أماكن تجمعات المسلمين، وتعتبر مؤسسة (Freedom House) الأمريكية أن المراقبة المكثفة التي تقوم بها الأجهزة الامنية في الصين تؤدي إلى تصاعد معدلات القمع بحق الأقليات الدينية في الصين. ويرصد تقرير (The Atlantic) أن تقنية الطائرات المسيرة تستخدم بشكل مكثف ومبالغ فيه في منطقة شينجيانج التي يقطنها الإيجور. ويتفق في ذلك العديد من المحللين السياسيين؛ حيث يرون أن إجراءات المراقبة المتبعة في الصين متضاعفة في مناطق الإيجور، وذلك عند مقارنتهم بالمناطق الصينية الأخرى.

ويتم الاستشهاد بتضاعف سياسات المراقبة على أقليات الإيجور عند دراسة الإجراءات المتشددة التي تتبعها الحكومة الصينية للهيمنة على أنشطة الشركات الإسلامية المسئولة عن الحج؛ إذ تشير التحليلات الأمنية إلى قيام الحكومة في بكين في مواسم الحج بمنح الحجاج أجهزة إلكترونية لتحديد أماكن تجمعاتهم وأنشطتهم وبياناتهم الشخصية. وعلى الرغم من تبرير الحكومة الصينية لهذه الخطوات بفكرة المحافظة عليهم وسهولة تجميعهم إلا أن بعض المحللين يعتبرها محاولة لتحديد أنشطتهم في مكة لمنع ممارسة أي انشطة تعتبرها الحكومة وسيلة للتطرف.

ويتم الاستشهاد على تشديد إجراءات المراقبة بمن يرافق الحجاج الصينيين دائمًا؛ إذ يتبعهم مرشد رسمي من الحكومة الصينية، وهو يعتبر الممثل الرسمي للجمعيات الإسلامية الصينية التي تتبع الدولة.

ختامًا؛ رغم استهداف السلطات الصينية للإيجور باتهامهم بالسعي للانفصال عن الصين، يتم ممارسة القمع نفسه مع أقليات دينية أخرى؛ حيث يتعرض المسيحيون البروتستانت، والبوذيون في إقليم التبت لاضطهاد مماثل خلال السنوات الماضية. وعلى الرغم من ذلك، تبقى السياسات القمعية المتبعة بحق الإيجور في إقليم شينجيانج هي الأقصى على الإطلاق، وذلك عند النظر للتدخلات في أمورهم الشخصية مثل الزواج الديني، وإطلاق اللحية، والحجاب فضلًا عن معسكرات التثقيف الإجبارية التي يتم إلحاقهم بها لطمس هوياتهم، وهو ما تظهره السياسات الحكومية للتحكم في التكوين الديموغرافي للمنطقة من خلال إعادة توطين غير المسلمين في الإقليم حتى بات المسلمون أقلية هناك.

الهوامش:

1-      ما هي أقلية الإيغور المسلمة في الصين التي انزعجت الأمم المتحدة من أجلها؟ (31/8/2018)، BBC عربي، على الرابط:                                                                                        http://www.bbc.com/arabic/world-41453093

2-           SIGAL SAMUEL, China Is Going to Outrageous Lengths to Surveil Its Own Citizens (16/8/2018), The Atlantic, Available at:                                                                         https://goo.gl/pPC6aV

3-      قلق أممي بشأن تقارير حول اعتقال "مليون من مسلمي الإيغور" في الصين (31/8/2018)، BBC عربي، على الرابط:                                                                           http://www.bbc.com/arabic/world-45371782

4-      المرجع السابق.

5-           SIGAL SAMUEL, Ibid.  

شارك