فنزويلا: ما بين أزمات متفاقمة ومحاولات استيعاب من الجوار

الثلاثاء 02/أكتوبر/2018 - 05:49 م
طباعة فنزويلا: ما بين أزمات
 
نهال أحمد

تواجه فنزويلا أزمة متعددة الجوانب، تزداد حدتها يومًا بعد يوم، لاسيما بعد تفاقم الأوضاع الاقتصادية ، وارتفاع معدلات الهروب إلى الخارج؛ بحثًا عن أوضاع معيشية أفضل، وهو ما دفع 13 دولة من دول القارة إلى عقد اجتماع استثنائي يوم الثلاثاء الموافق 4 سبتمبر 2018 بالعاصمة الإكوادورية كيتو، لبحث سبل وآليات مواجهة تفاقم أزمة الهجرة من فنزويلا، في محاولة لاحتواء المأزق الذي يلقي بظلاله لا على الداخل الفنزويلي فحسب، ولكن يمتد إلى باقي دول الجوار.

أولاً- انهيارات اقتصادية متوالية وفقر مدقع متصاعد

ترجع الأزمة الاقتصادية في فنزويلا لعقود عدة؛ لكنها تبلورت بشكل رئيسي منذ الأزمة الاقتصادية المالية عام 2008، والتي كانت أبرز ملامحها تراجع الطلب على المنتجات النفطية، لتُصاب الاقتصادات النفطية بانتكاسة خطرة، كانت تداعياتها أكثر بروزًا على الاقتصاد الفنزويلي القائم بنسبة 90% على العوائد النفطية، ليصل إنتاج فنزويلا النفطي إلى أدنى مستوى له منذ ثلاثة عقود،حيث أصبح معدل الإنتاج حوالي  1.5 مليون برميل / يوميا، مقارنة بـ 3.5 مليون برميل خلال عام 2008 ، ولم يقتصر تدهور الوضع على شقه الاقتصادي فحسب؛ لكنه امتد ليشمل الشق السياسي أيضا بعدما تعرضت الدولة لتوترات سياسية واضطرابات أمنية؛ على خلفية الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة، بعدما وصلت نسبة التضخم بالاقتصاد الفنزويلي لمعدلات غاية في الخطورة، حيث أعلن البرلمان الفنزويلي في 3 أغسطس 2018، عن وصول معدل التضخم إلى24600 % ، وهو ما أثر بشكل مباشر  على عمليات تمويل استيراد الأغذية والمواد اللازمة، ومن ثم ارتفاع أسعار السلع لتصل إلى مستويات خطيرة تضررت منها الطبقتين الفقيرة والمتوسطة، بينما وصلت نسبة الفقر عام 2017 لنسبة 87%، في حين بلغت نسبة الفقر المدقع إلى 61%(1).

ومما ساهم في تعقد الوضع هناك؛ ما شهدته الدولة من توترات واضطرابات سياسية خلال عام 2017، احتجاجًا على سياسات "مادورو"  حينما تعالت الأصوات المنادية بإقالته ، بل وتراشق الاتهامات بين كلا من الحكومة والمعارضة بشأن محاولة كل منهما الإطاحة بالآخر والانقلاب عليه، وهي الاضطرابات التي أسفرت عن مقتل عشرات المواطنين. ورغم رفض غالبية المواطنين لحكم "مادورو" إلا أنه تمكن من الظفر بفترة رئاسية جديدة؛ تعكس مؤشراتها الحالية استمرار فشل سياساته، بل وتسببها في مزيد من تعقد الوضع الراهن في البلاد ، ويستدل على ذلك من ارتفاع معدلات هجرة المواطنين إلى دول الجوار؛ في مشهد مشابه تماما لما يعانيه اللاجئين والمهاجرين من مناطق التوتر بالشرق الأوسط.

ثانياـً- أزمة الهجرة وانعكاساتها على دول الجوار

أدى تفاقم الأوضاع الإنسانية لمهاجري فنزويلا، وضعف تأثير إجراءات حكومة بلادهم في تقليص أعداد المهاجرين، ومن ثم زيادة الضغط على دول الجوار، إلى دفع عدد من دول القارة لعقد اجتماع  استثنائي، يستهدف بحث سبل وآليات مواجهة تلك الأزمة، وبالفعل انعقد الاجتماع بالإكوادور خلال سبتمبر 2018 بمشاركة 13 دولة، وهي:

(بوليفيا،الإكوادور،الأرجنتين،البرازيل،كولومبيا،كوستاريكا،الدومينيكان،تشيلي،المكسيك،بنما،الباراغواي،البيرو ،الأوروغواي)

 وتم خلاله دعوة  فنزويلا لقبول تلقي مساعدات تستهدف تخفيف حدة الأوضاع الإنسانية المتردية، بينما دعت الدول في البيان الختامي الصادر عن الاجتماع؛ كاركاس إلى تمكين المواطنين الراغبين في الهجرة من إتمام إجراءات الهوية وجوازات السفر الخاصة بهم، في حين تصر فنزويلا على رفض أي مساعدات خارجية أو المشاركة في فعاليات تستهدف  حل الأزمة، معتبرة أن أي حديث عن مشاكل داخلية تخص البلاد هو بمثابة تضخيم للواقع ومحاولة للتدخل الخارجي في شئونهم ، وهو ما ترفضه الدولة جملة وتفصيلًا.

وعلى الصعيد الآخر، فرغم محاولات دول الجوار تقديم حلول لأزمة الفنزويلين إلا أن ذلك لا ينفي الضغوطات المتزايدة التي تعانيها تلك الدول على خلفية تدفق المهاجرين المستمر ،حيث طالبت كولومبيا المجتمع الدولي بمساعدات مادية لإعانتها على تحمل ضغط توافد المهاجرين، لاسيما في ظل التحديات التي تواجهها والمرتبطة بعملية السلام والمصالحة ما بين الفصائل المتنازعة، والتهديدات الأمنية باحتمالية تكرار حرب أهلية إلى جانب المشكلات التي تواجهها في هيكل اقتصادها،  وبالفعل استجاب الاتحاد الأوروبي لهذا المطلب، حيث أعلن المفوض المختص بالشؤون الإنسانية "كريستوس ستيليانيدس" عن تقديم مبلغ مليوني يورو لفنزويلا وستة لكولومبيا . في حين أعلنت البيرو عن تشديد الإجراءات الخاصة بالدخول إلى أراضيها ،بل واشترطت أوراق رسمية وجوازات سفر لعبور الفنزويلين إلى أراضيها بعدما تعرضت موادها الأساسية لنقص هائل، أفضى لأزمة في سد احتياجات المواطنين، وهو الإجراء الذي اتبعته دول أخرى كتشيلي والأرجنتين، فيما أصدر الرئيس البرازيلي قرار بنشر قوات مسلحة على الحدود مع فنزويلا؛ تحديدًا في ولاية "رورايما" وذلك على خلفية الصدامات التي نشبت بين بعض السكان والمهاجرين في تلك الولاية خلال أغسطس 2018 ، والتي أسفرت عن تدمير عدد من مخيمات اللاجئين وإغلاق محلات تجارية(2).. ومن هنا كانت الدعوة إلى اجتماعات دورية لمناقشة حلول لتلك الأزمة التي تنعكس تداعياتها لا على الداخل الفنزويلي فحسب، لكنه يمتد بشكل رئيسي إلى دول الجوار.

ثالثاً-  إجراءات كاركاس للحد من تفاقم الأوضاع

على خلفية ما سبق ذكره بشأن توترات الأوضاع على كافة المستويات بفنزويلا ؛ فكانت أبرز التداعيات ممثلة في تصاعد معدلات هجرة المواطنين، حتى أصبحت فنزويلا في منافسة حقيقية مع سوريا من حيث تصاعد طلبات اللجوء سواء إلى أوروبا أو حتى إلى دول أمريكا الجنوبية ، ولعل المبرر الذي ذكرته صحيفة "أيه بي سي" الإسبانية بشأن تلقي المواطنين صدمة موجعة نتيجة للسياسات القمعية التي اتبعها ضد المعارضة سياسيًا، والمواطنين من حيث الإجراءات الاقتصادية القاسية هي الأقرب لتبرير أسباب تصاعد طلبات اللجوء والهجرة ، ويمكن أن تستشف ملامح الأزمة في عجز الحكومة عن استيفاء متطلبات المواطنين من  الغذاء والدواء، ووفقًا لبيانات صادرة عن المعهد الوطني للإحصاء ، وصل عدد الفنزويلين المقيمين بإسبانيا إلى أكثر من 215 ألف مواطن(3) .

                في حين يعبر  يومياً ما يصل إلى 400 فنزويلي جسر "سيمون بوليفار" وصولًا إلى دولة كولومبيا بحثًا عن أوضاع مادية أفضل، بل وتعد مدينة كوكوتا أهم النقاط الرئيسية للدخول إلى البلاد، وكان لمنظمة الصليب الأحمر  دورًا كبيرًا في تخفيف الأعباء الإنسانية بتمركزها على الحدود ما بين الدولتين لتقديم المساعدات للاجئين وصولًا إلى منطقة أكثر أمانًا، بينما أعلنت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، عن تسجيل ما يقترب من 250 ألف مهاجر فنزويلي إلى كولومبيا حتى عام 2017 . وفي ظل تفاقم الأوضاع بهذا الشكل فقد تطلب الأمر تحرك من قبل  حكومة كاركاس، حيث قامت باتخاذ عدد من الإجراءات الاقتصادية التقشفية كان أبرزها حذف خمسة أصفار من العملة "البوليفار القوي"، وإصدار عملة جديدة تحت مسمى "البوليفار السيادي"، وهو ما يعني أن المليون بوليفار قوي، يعادل 10 بوليفار يساري في محاولة لتفادي تدني قيمة العملة الفنزويلية، وتتعدد النماذج التي طبقت هذا الإجراء وكانت أبرزها دولة زيمبابوي بعدما تعرضت عملتها لانهيارات كبيرة  عام 2008، دفعتها لإلغاء 10 أصفار من قيمة عملتها،  لكن للأسف فشلت التجربة وتعددت العملات المتداولة هناك، ولا تملك زيمبابوي عملة محلية خاصة بها حتى الآن. ومن هنا نجد أن هذا الإجراء يمثل خطوة  حقيقية مناسبة، لكنها تتطلب في الوقت ذاته إصلاحات اقتصادية ورقابة حكومية صارمة على الأسواق لتجنب استغلال المواطنين، في حين حاولت الحكومة التصدي لارتفاع الأسعار، عبر زيادة الأجور  مرات متتالية بمعدل مرة كل شهرين خلال عام 2017، إلا أن هذا الإجراء فشل أيضا في احتواء الوضع المالي المتردي(4).

واستكمالًا لباقي الإجراءات التي تم اتخاذها؛ فقد أعلنت حكومة "مادورو" عن خطة ادخار عبر بيع شهادات استثمارية للموظفين وأصحاب المعاشات ، والحصول على قيمة  ذهب مناظرة لها بعد عام ، ورغم ذلك إلا أن هذا الإجراء تسبب في ارتفاع معدلات الهجرة للخارج بعدما فشلت الغالبية العظمى من المواطنين في شراء تلك الشهادات، فيما توازى هذا مع انخفاض احتياطي الذهب في البلاد من الأساس، ما يعني عجز الدولة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه من قاموا بشراء الشهادات، ما من شأنه التسبب في مزيد من تفاقم الأمور على المدى القريب.

كل ما سبق يضع حكومة "مادورو" أمام حل أوحد، يتمثل في ضرورة إعادة الحوار مع الدول المجاورة، للوصول إلى حالة من التفاهم والتقارب السياسي ، وفي الوقت ذاته على دول أمريكا الجنوبية أن تتحد لإنقاذ فنزويلا من تلك المعضلة التي يمكن أن تطيح باستقرار الدولة، بل  وعلى الجميع أن يتفهموا أن العقوبات الأمريكية المقررة  والمتعمدة بين الحين  والآخر على دول أمريكا اللاتينية؛ وتحديدًا فنزويلا، إنما تستهدف بالأساس إبقاء تلك القارة كحديقة خلفية للولايات المتحدة ،واستمرار تبعيتها الكلية لها. ومن ثم فعلى الجميع إدراك أبعاد هذا المخطط الأمريكي الهادم، والالتفاف حول هدف واحد وهو الحفاظ على كينونة تلك القارة وسيادة دولها.

المصادر:

(1) انكماش كبير في الاقتصاد الفنزويلي، روسيا اليوم، بتاريخ 23/12/2017، متاح على الرابط : https://bit.ly/2NpvujL

(2)أمريكا اللاتينية تواجه أزمة هجرة مع تدفق الآلاف من الفنزوليين الفارين من بلادهم، فرنسا 24، بتاريخ 25/8/2018، متاح على الرابط:                                                                                                                                https://bit.ly/2MWHWYY           

(3)الهجرة من فنزويلا إلى كولومبيا: أزمة لا أحد يريد رؤيتها، موقع يورو نيوز، بتاريخ 29/3/2018، متاح على الرابط:

https://bit.ly/2MXQKhk

(4)أسعار النفط تنخفض بينما تترقب الأسواق قرار ترمب بشأن إيران، الشرق الأوسط، بتاريخ8/5/2018، متاح على الرابط:                                                                                                                                                         https://bit.ly/2Mf8xeM

شارك