التغيرات الاجتماعية في مصر بعد حرب أكتوبر 1973

الإثنين 08/أكتوبر/2018 - 01:18 ص
طباعة التغيرات الاجتماعية
 
محمد عمر

شهدت مصر تحولات اجتماعية وثقافية على مر التاريخ، خاصة بعد الأحداث الجوهرية في تاريخها السياسي، كانت فترة ما بعد الانتصار في حرب أكتوبر 1973، من أكثر الأحداث تأثيرا في بنية الشعب المصري ثقافيا واجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، فقد تلتها فترة الانفتاح التي اتبعها الرئيس الراحل محمد أنور السادات، وتسببت في زيادة اختراق العولمة للشعب المصري مع نشر ثقافة الاستهلاك، رغم أنها ساهمت في إخراج الدولة من الظروف الصعبة التي مرت بها عقب حرب أكتوبر وما سبقها من حروب خاضتها مصر، ويضاف إلى الأحداث المؤثرة أيضا في حياة الشعب المصري بعد حرب أكتوبر، انتشار موجات هجرة المصريين وبشكل خاص إلى دول الخليج العربي من أجل العمل، مما ساهم في تغيرات اجتماعية وثقافية أحدثها هؤلاء المهاجرون بشكل أكبر من نظرائهم الذي هاجروا إلى الدول الأوروبية والأمريكية.

أولاً- سياسة الانفتاح والعولمة

         تخلى الرئيس السادات، عن جزء كبير من السياسات الاشتراكية التي اتبعها سلفه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، مما أحدث تغيرات اجتماعية واقتصادية وسياسية في المجتمع المصري، فقد اتبع السادات سياسة الليبرالية الغربية وتخلى عن الاشتراكية السوفيتية، سائرا على نهج سياسات الانفتاح الاقتصادي، وتحرير السوق، ورفع الدعم المقدم للمواطنين خاصة الطبقات المتوسطة والفقيرة، وإقرار مجموعة من القوانين الاقتصادية لاستعادة الدولة عافيتها مجددا وتنشيط حركة التجارة، فالمعونات والمساعدات الخارجية بعد حرب أكتوبر لن تكفي لإعادة الدولة إلى قوتها مجدداً.

            تسببت القرارات الاقتصادية التي جاءت تطبيقا لمبادئ الليبرالية الغربية في التحولات الاجتماعية بالأساس بجانب القرارات السياسية، إلا أن الأمور الاقتصادية هي من أضعفت الطبقة الوسطى بشكل أساسي وزادت من شريحة الطبقة الفقيرة مع ظهور فئات ضيقة مستفيدة ورجال أعمال استفادت من هذه القرارات وعرفت وقتها بـ"القطط السمان"، فمثلا وضع السادات القانون رقم 118 لسنة 1975 للاستيراد والتصدير، الذي ساعد في خلق طبقة صغيرة من رجال الأعمال والمستوردين والمنتفعين وقانون النقد الأجنبي رقم 97 لسنة 1976، المتسبب في بدء انخفاض قيمة العملة المصرية مقارنة بالعملات الأخرى، والقانون رقم 43 لسنة 1974 الخاص بفتح باب الاقتصاد المصري لرأس المال العربي والأجنبي في شكل استثمار مباشر، وهو ما مهد لظهور الشركات الأجنبية وبدء توغلها في السوق المصري.

            وكان لهذا الأمر تداعيات إيجابية وسلبية على الطبقات المصرية، فمن ناحية ساهمت الكثير من الشركات الأجنبية والخاصة في إضعاف الشركات والكيانات الحكومية المشابهة مما أضعف العاملين فيها، بل وتهميش القطاعات الحيوية التي كان يعتمد عليها الاقتصاد المصري خاصة الزراعة والصناعة، فقد ركزت الاستثمارات الجديدة على القطاعات غير السلعية، مثل المعاملات المالية والسلع والمنتجات الفاخرة والنقل الخاص والسياحة، وقد تسببت هذه السياسات أيضا في إضعاف فئة عمال الصناعة وكذلك الفلاحين الذين هجر الكثير منهم الأراضي إما لقلة العائد أو بحثا عن فرص أفضل، والتوسع في عمليات بيع الأراضي الزراعية من أجل البناء عليها، وهو ما قلص الرقعة الزراعية في مصر وتسبب في ارتفاع أسعار المواد الغذائية بل اللجوء إلى استيراد الكثير منها خاصة السلع الاستراتيجية مثل القمح.

               وعلى المستوى الإيجابي ساهمت عمليات الاستثمار الأجنبي والتوسع في القطاع الخاص في توفير فرص عمل للكثير من المواطنين، فالدولة لم يعد بمقدروها استبعاب جميع القوة العاملة في هيكلها الإدراي أو شكات ومصانع القطاع العام التابعة لها، فالقطاع الخاص لا يمكن لأي دولة تهميشه أو إقصائه، ويكشف عن أهمية ذلك الأرقام الحالية، فحوالي 6 مليون موظف ضمن الجهاز الإداري  للدولة بينما معظم القوة العاملة نشطة في القطاع الخاص، وكشف عن هذا الأمر  محمد سعفان، وزير القوى العاملة، في أغسطس 2017، حينما أكد القطاع الخاص يمثل 85% من الاقتصاد المصري(1).

           وفي تقرير آخر صادر عن الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء، في أغسطس 2018، أكد أن حجم قوة العمل، ويشمل أعداد المشتغلين والمتعطلين بلغ 29.036 مليون فرد، وصل عدد المشتغلين إلى 26.161 مليون مشتغل، فيما بلغ عدد المتعطلين 2.875 مليون متعطل، وبالطبع يعمل العدد الأكبر من العاملين في القطاع الخاص(2).

            استكمل الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، سياسات الانفتاح التي بدأها السادات، بل وسع من آليات السوق الخاص وصولا لعملية الخصخصة التي طالت العديد من القطاعات والشركات الحيوية التي كانت تمثل ركنا أساسيا في الاقتصاد المصري، محققة قدر من التوازن المجتمعي وسط فئة العمال، وقد تسببت سياسة الخصخصة في بداية التظاهرات الحقيقة ضد مبارك مثل احتجاجات عمال مصانع غزل المحلة عام 2008 وتجددها لاحقا، وكانت فئة العمال من أكثر الفئات تضررا من هذه السياسات، ولهذا كانت حاضرة في احتجاجات يناير 2011، إلا أن القطاع الخاص حافظ عليه مبارك مما ساهم في توفير قدر من الوظائف لقطاعات وساعة من الشعب، إلا أن دعمه للقطاع الخاص وعمليات الخصخصة المتزايدة أتت بنتئاج عسكية، على فئات الشعب المصري، وتقليل شريحة الطبقة الوسطى مقابل توسع الفقيرة، وتحكم فئة قليلة في الثروة، مما اوجد حالة من غياب العدالة الاجتماعية، التي كانت أولى مطالب ثورة يناير.

         ومع قدوم محمد مرسي، لم تكن هناك خطط فعلية واضحة قابلة للتنفيذ أو تطوير ما سبقه، وظلت نسب الفقر كما هي وفي ازدياد مع تهميش الطبقة الوسطى والاعتماد على الفقيرة سياسيا فقط، بحشدها من أجل صناديق الاقتراع فقط وبعدها ليس لها صوت، فالبنسبة لشركات لقطاع العام لم يطالها أي تغيير أو إرجاع مع تم خصخصته، أو دعم القطاع الخاص سواء عمال أو رجال أعمال بم يسهم في تحريك عجلة الاقتصاد، بل كان هناك عزوفا كبيرا من قبل المستثمرين سواء المصريين أو الأجانب بسبب الضبابية السياسية وعدم وضوح سياسات النظام الحاكم، الأمر الذي أقلق الكثيرون، فقد انخفضت حجمن الاستثمارات الأجنبية إلى أقل من مليار دولار بعد أن تخطت الـ30 مليار دولار في عام 2009.

                وتكشف الأرقام الاقتصادية تأثيرها الكبير على الأوضاع الاجتماعات لقطاعات عريضة من المصريين، فقد انخفض تصنيف مصر الائتماني إلي درجة "‏CCC‏"، وهو  ما أدى إلى تخفيض التصنيف الائتماني لقدرة مصر علي سداد ديونها الخارجية والداخلية، وانعكس ذلك على حجم البطالة، فقد ارتفعت مؤشراتها لتصل إلي13.5% بعد أن كانت في حدود 11.5% في عام2012، وانضم إلى سوق البطالة حوالي1.1 مليون شاب في سن العمل خلال عام واحد فقط، الأمر الذي انعكس مجتمعيا سواء على القوة الشرائية للمواطن التي لا تتناسب ومستويات الدخول المنخفضة نتيجة لتراجع حجم الانتاج والاستثمارات، بالتالي لم تتحسن أوضاع الطبقة الوسطى التي انتظرت الكثير من حكومات ما بعد يناير ، أما الطبقة الفقيرة فلم تكن أحسن حالا من سابقتها بل اتسعت شريحتها عن ذي قبل(3).

          ففي تقرير للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، أكد أنه خلال فترة مرسي ارتفعت معدلات الفقر إلي 25.5% بعد أن كانت 23.5% خلال عام 2012، وارتفع حجم التضخم في الأسعار ليصل لأكثر من 17.5% بعد أن كان حوالي 14.5%، وبخلاف ذلك انخفضت قيمة الجنيه مقابل العملات الأجنبية بأكثر من 18%، بالتالي انعكس التراجع الاقتصادي على أوضاع الشعب المصري، بخلاف القرارات السياسية التي زادت من حدة الاستقطاب المجتمعي، وسعي بعض التيارات السياسية لاحتكار السياسية كسابقيها الأمر الذي أوجد حالة من الغضب الشعبي وإعادتها مجددا لسلاح الشارع، للإطاحة بالنظام القائم، فتبريرات الاستقرار والأمان التي كانت تقال من اجل اندلاع موجات غضب جديدة لم تحل دون هذا الأمر.

         وبعد ثورة 30 يونيو، استمرت مصر في سياسات الحرية الاقتصادية لأنه لا يمكن الرجوع إلى سياسات الاشتراكية التي تبنتها مصر في عهد عبدالناصر، فالدول الاشتراكية ذاتها تخلت عنها، وإن كان هناك نوعا من الردة إلى بعض مبادئ الاشتراكية وللمفارقة أقدمت عليها عتاة الرأسمالية ومن كانوا يروجون لها ويخوضون الحروب تحت رايتها، فاليوم أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن اتباع سياسات حمائية جديدة وفرض رسوم جمركية لحماية الصناعات والمنتجات والعمال الأمريكيين، مخالفا الاتفاقات والقوانين الدولية في هذا الشأن.

           بالتالي أصبحت مصر الآن تسير ضمن آلية السوق الحرة، منفتحة على الاستثمارات الأجنبية ودعم القطاع الخاص، مع الاهتمام بالقطاع العام مجددا فهو  أحد الآليات الأساسية في تكوينات البنية الاجتماعية لقطاعات عريضة من العمالة المصرية، وفي هذا الإطار شكل الرئيس عبدالفتاح السيسي في مارس 2016 وزارة قطاع الأعمال وذلك بعد كانت شركات قطاع الأعمال العام تابعة لوزارة الاستثمار، وذلك من أجل إحياء القطاع مجددا ليس لأسباب اقتصادية فقط وإنما لعوامل اجتماعية واستراتيجية، فالدولة لا يمكن أن تترك الساحة بالكامل للقطاع الخاص، فهو من ناحية لم يفلح في دعم فئات المجتمع أو بناء دولة قوية منذ اعتماد السادات عليه، أما الآن هناك مشاريع استراتيجية تتولاها الدولة عبر أجهزتها المختلفة، مع مساعدة القطاع الخاص في تطوير  ذاته والتوسع بما يساهم في تخفيض نسب البطالة والفقر ورفع معدلات الاستثمار الأمر الذي سيكون له انعكاسات سياسية واجتماعية.

             فمن ناحية سيمنح الدولة شرعية الإنجاز أمام مواطنيها، مع ضمان تخفيف وإنهاء وطأة الاحتجاجات التي أدرك الشعب أنها ملاذه في تحقيق متطلباته، رغم وجود بعض النتائج السلبية الناجمة عن هذه الاحتجاجات، وتعمل الدولة الآن على التوسع في المشاريع ذات الصبغة الاجتماعية بالتوازي مع الاقتصادية، من أجل تخفيف نسب البطالة وخفض معدلات الفقر سواء عبر المساكن الشعبية أو برامج الحماية الاجتماعية والصحية، من أجل التخفيف من وطأة برنامج الإصلاح الاقتصادي التي أثرت كثيرا على طبقات الشعب خاصة الوسطى والفقيرة.

          وبالفعل رغم كثافة برامج الاصلاح الاقتصادي وخفض الدعم عن الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والمحروقات، إلا أن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أعلن في أغسطس 2018، عن انخفاض نسب البطالة في الربع الثاني لعام 2018، إلى 9.9% من إجمالي قـــوة العمـــل، بينما كان 10.6 % في الربع الأول من العام ذاته، بانخفاض قدره 2.1% عن الربع المماثل من عام 2017(4).

ثانياً - ثقافة الهجرة إلى الخارج

      وصف الشعب المصري منذ القدم بأنه مرتبط بشدة بأرضه ولا يتركها، إلا أن هذه المفهوم تغير قريبا، فقد وصف ويندل كليلاندي أحد الكتاب الغربيين عام 1936 المصريين بأنهم يهاجرون للسياحة وعادة ما يعودون، قائلا إن "المصري لا يهاجر"، إلا أن هذه المقولة وغيرها اختفت من قاموس المصريين، بعد ثورة 1952، فقد نشطت عمليات الهجرة أولا عن طريق القوة الناعمة، فقد أرسلت مصر منذ الخمسينات والستينيات اطباء ومثقفين ومعلمين إلى دول الخليج العربي من اجل مساعدة هذه الدول على التقدم ودعمها بالكفاءات البشرية في مجالات أخرى، وهو ما منح مصر نفوذا معنويا وثقافيا وقوة ناعمة(5).

     تبدلت الأمور كثيرا مع نكسة 1967، فقد أصيبت فئات صغيرة من الشعب المصري بهزيمة نفسية جعلته تقبل أن يغادر بلاده بحثا عن مورد رزق في مكان آخر، وتزامن مع النكسة كثرة اكتشفات النفط الخليجي ووجود وفرة نفطية شكلت مصدرا ماليا مهما لدول الخليج وللعمالة العربية خاصة المصرية، بل إن الحكومات المصرية منذ نهائية الستينيات في هجرة مواطنيها مصدر دخل لها، يمكن من خلالها أن تمول خزينتها، لتصدر أول قانون منظم للعمل في الخارج عام 1969 وصولا لإنشاء الجهاز المركزي لشئون الهجرة والاغتراب في عهد السادات.

           استمر الأمر كما هو في عهد مبارك بل أخذ في الازدياد، وتحولت القوة العاملة في الخارج مصدر قوة للدولة عير التحويلات المالية التي يرسلونها لذويهم في الداخل، بل أصبحت الددولة تعتمد عليها اعتمادا كبيرا مثل السياحة وقناة السويس كأحد مصادر العملة الصعبة، إلا أن الأمور منذ التسعينيات أخذت في التغير عن فترة عبد الناصر والسادات، ففي عهدهما كان التركيز على المهن التعليمية مثل الأطباء والقضاء والمعلمين، أما في عهد مبارك أصبح العدد الأكبر من المهاجرين من المهارات الحرفية مثل عمال البناء والأعمال الشاقة الأخرى، بخلاف استمرار الأطباء والمهن المشابهة وإن كان تأثيرها أقل.

        استمر الأمر  طوال فترة مبارك وكذلك مرسي، وصولا إلى فترة الرئيس السيسي، ولأهمية المهاجرين في الخراج شكلت وزارات منفصلة لهم تارة وتارة أخرى تدمج في وزارة القوى العاملة، واليوم يوجد لدينا وزارة مختصة بهم تسمى "وزارة الدولة للهجرة وشئون المصريين بالخارج".

            ويصل عدد المصريين المهاجرين في الخارج وفقا لتقرير صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء في عام 2018، نحو 9.5 مليون مواطن، يوجد منهم حوالي 6.2 مليون مواطن في الدول العربية بما يمثل ما نسبته 65.8%، من إجمالي المصريين بالخارج نهاية 2016، تحتل السعودية المرتبة إذ يصل عدد المصريين بها نحو 2.9 مليون شخص، بينما بلغ عدد المصريين في الأردن حوالي 1.15مليون مواطن، فينا يبلغ عدد المصريين بالإمارات نحو 765 ألف مواطن أي بنسبة 12.3%، فيما وصل عدد المقيمين بالدول الأوروبية نحو 1.25 مليون شخص بنسبة 44.8% في إيطاليا اي حوالي 560 الف مواطن، وفي فرنسا 365 ألف مواطن، اما المانيا فبلغ حوال 77 ألف شخص بجانب دول أخرى(6).

        ومثلت تحويلات المصريين في الخارج مصدر دخل مهم للحكومة منذ فترة الرئيس السادات، حيث تعد مصر من أكبر 10 دول مستقبلة للتحويلات علي مستوي العالم، مما يسهم في دعم ميزان المدفوعات، وبخلاف ذلك تتميز التحويلات بالثبات النسبي بما يسمح بتدفقها بشكل منتظم بخلاف المصادر الأخرى مثل السياحة أو الاستثمارات الأجنبية والمساعدات، ففي تقرير صادر عن البنك المركزي في يوليو 2018، كشف عن ارتفاع تحويلات المصريين في الخارج بنسبة 41.2 % على أساس سنوي في أبريل 2018 ، لتصل إلى 2.3 مليار دولار، مسجلة 26 مليار دولار، بينما قناة السويس رغم أهميتها الاقصادية والاستراتيجية لم تتجاوز عائداتها في العام المالي 6 مليار دولار، محققة 5.6 مليار دولار فقط، ومع هذا اعتبر هذا الرقم أعلى إيرادات في تاريخ القناة لهذا العام، بارتفاع قدره 13% عن العام المالي السابق له، وذلك بفضل قناة السويس الجديدة(7).

      ورغم إفادة المهاجرين المصريين لبلدهم طوال هذه العقود، إلا أنهم قد يشكلوا عبئا حاليا ومستقبلا على الدولة، فالبنسبة لدول الخليج العربي بدأت تتبع سياسة توطين الوظائف خاصة في السعودية والكويت والإمارات مع تزايد الاعتماد على العمالة الآسيوية لرخص أسعارها بخلاف تراجع أسعار النفط، وهو ما ساهم في تقليل أعداد المصريين المهاجرين لهذه الدول مع عودة جزء ليس بهين، ويضاف لذلك العمالة المصرية التي غادرت ليبيا بعد احداث ثورة فبراير 2011، وما زالت ليبيا تعاني حتى اليوم وهو ما يصعب إيفاد أو بقاء العمالة المصرية هناك.

ثالثاً- تجدد حالة الثورية لدى الشعب المصري

          عاد الشعب المصري إلى حالة الثورية والاحتجاج مجددا التي كانت نشطة قبل ثورة يوليو 1952، مثل المشاركة في ثورة 1919 والاحتجاجات المتكررة ضد الاحتلال الإنجليزي والملك وحكومته، وبعد يوليو  1952 لم يقم الشعب المصري بتظاهرات أو احتجاجات واسعة ضد النظام السياسي، حتى مع نكسة 1967 خرجت تظاهرات مؤيدة للرئيس جمال عبدالناصر ورفض رحيله مطالبين ببقائه في منصبه لاستكمال الحرب ضد دولة الاحتلال الإسرائيلي، رغم المطالبة بمحاكمة بعض المسؤوليين المتورطين في النكسة.

         رحل عبدالناصر في سبتمبر 1970 ليتولى من بعده السادات الحكم، استطاع خلال سنوات قليلة الاستعداد لحرب أكتوبر محققا معجزة تاريخية وعسكرية، أعادت لمصر  ليس فقط أراضيها المسلوبة وإنما إعادة الثقة للمواطن المصري في شخصه وقوته وثقته في مؤسسات الدولة والنظام السياسي، وقد منح هذا الانتصار  السادات شعبية وشرعية سياسية مفتوحة، إلا أن قراراته برفع أسعار بعض السلع الأساسية مثل الخبز ، تسببت في اندلاع احتجاجات قوية سميت بـ"انتفاضة الخبز" في يناير  1977، رافعة شعارات رافضة للغلاء تعبر عن مطالبهم مثل "يا حاكمنا فى عابدين فين الحق وفين الدين"، "سيد مرعى يا سيد بيه كيلو اللحمة بقى بجنيه".

           ونظرا لاتساع موجة التظاهرات وحدتها اضطر الرئيس السادات إلى التراجع عن قراراته، التي أعلن عنها وقتها عبد المنعم القيسوني، نائب رئيس الوزراء للشئون المالية والاقتصادية في خطاب أمام مجلس الشعب بشأن مشروع الميزانية لعام 1977، وعرض فيها فرض إجراءات تقشفية تطال قطاعات الشعب خاصة الطبقات المتوسطة والفقيرة من أجل تخفيض عجز الموازنة، وهذا جاء بسبب شروط الاتفاق مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إلا أن الرد الشعبي كان أسرع من إجراءات الحكومة. ووصف السادات لما جرى من احتجاجات شعبية بأنها "ثورة حرامية" ضمن مخطط شيوعي يقوده يساريون لخلق الاضطرابات وقلب نظام الحكم، وقبض على كثيرون من النشطاء اليساريين، ورغم ذلك تراجع السادات عن القرار أمام الضغط الشعبي(8).

          رحل الرئيس السادات وجاء من بعده محمد حسني مبارك الذي أدرك درس السادات ولم يقترب كثيرا من السلع الأساسية، إلا أن تدني المرتبات وانتشار الفساد وارتفاع نسب البطالة وعمليات التزوير والإفساد التي طالت الحياة السياسية، دفعت لانتقال موجة ثورات الربيع العربي إلى مصر بعد قدمت إليها من تونس، ففي 25 يناير 2011، خرج المتظاهرون رافعون شعارات تطالب بالعيش والحرية والكرامة والإنسانية ومحاربة الفساد. لم تمر سوى بضعة أيام لتنتقل المطالب إلى الدعوة لرحيل نظام مبارك بالكامل وبدء مرحلة جديدة، ليؤكد أن الشعب المصري ما زال محتفظا بثوريته، فهو  يقبل الحلول السياسية والتفاوض مع النظام الحكام، ولا يلجأ لأعمال العنف والخروج المسلح.

          بضغط شعبي اضطر مبارك إلى التنحي عن السلطة وتبدأ مصر مرحلة جديد، بوضع إعلان دستوري في مارس 2011 لترتيب المرحلة الانتقالية، نجحت أول انتخابات بعد الثورة بانتخاب مجلس الشعب والشورى، سيطرت الأحزاب الإسلامية عليهما، ووصلت قمة السيطرة بوصول محمد مرسي قادما من صفوف جماعة الإخوان المسلمين، إلى منصب رئاسة الجمهورية، ومتزعما إصدار أول دستور للبلاد بعد يناير 2011، سيطر فيه تيار معين على كتابته، لكن لم يدم هذا الأمر  أكثر من عام، فنتيجة لسياسات مرسي وجماعة الإخوان سادت حالة من الاحتقان الشعبي الرافضة للإجراءات السياسية والاقتصادية، ليتم الإطاحة بهم سريعا في ثورة 30 يونيو 2013، ليؤكد الشعب المصري مجددا أن شعلة الغضب والثورية لم تمت في عروقه، وموجها رسالة للجميع أنه لن يحكم رغم عنه وإن حدث فسيكون مؤقتا، وحينها ستنفجر الجماهير  في وجه الجميع.

شارك