أسباب وتحديات .. موجه جديدة من الهجرة غير الشرعية بالمغرب

الخميس 11/أكتوبر/2018 - 06:32 م
طباعة أسباب وتحديات ..
 
دينا حلمي

      موجة غير مسبوقة من الهجرة غير الشرعية تلك التي شهدها المغرب خلال الأسابيع القليلة الماضية، فقد عادت "قوارب الموت" إلى الحياة بعد سنوات من السبات. تحولت الهجرة من محاولة اختراق السياج الشائك الذي يفصل المغرب عن مدينة مليلية التي توجد رهن الحكم الإداري لإسبانيا وفوق التراب المغربي، إلى المغامرة بركوب تلك القوارب في محاولة للوصول إلى الضفة الإسبانية.

      لم يقتصر الأمر على محاولات من المهاجرين المنحدرين من بلدان أفريقية بل امتد إلى المغاربة ذاتهم. ولم تعد عمليات الهجرة سرية إذ خرجت إلى العلن بعد قيام المهاجرين بنشر صور وفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي تُوثق هذه العمليات، ما أثار التساؤلات بشأن العوامل التي أدت إلى ظهور هذه الموجه اللافتة من الهجرة غير الشرعية ودفعت الشباب المغربي للإفصاح عنها؟

المغرب والهجرة غير الشرعية: تاريخًا من المواجهة

      بالنظر إلى تاريخ عمليات الهجرة غير الشرعية من المغرب، يُلاحظ أن الأمر ليس بالجديد، فدائمًا ما شكلت المملكة النقطة الأساسية الجاذبة للمهاجرين الأفارقة للولوج إلى البلدان الأوروبية. فهؤلاء يقدمون من نيجيريا وغانا والكاميرون وبوركينا فاسو وغيرها من بلدان غرب القارة، ويقطعون مسافات طويلة عبر مالي ثم الجزائر وصولًا إلى المغرب، لتبدأ بعدها رحلتهم إلى أوروبا وخاصة إسبانيا التي لا تبعد عن المملكة سوى بنحو 15 كيلومترا فقط بحرا.

      وفي مواجهة تلك الظاهرة، انتهجت السلطات المغربية خلال السنوات الماضية أسلوبًا جديدًا عززت من خلاله الحراسة الأمنية على سواحلها، كما قامت بتفكيك شبكات التهجير الناشطة في مجال تهريب البشر، ووقعت مع إسبانيا عدد من اتفاقيات التعاون للتصدي لهذه الظاهرة.

     بالفعل أدت تلك الإجراءات إلى انخفاض معدل الهجرة غير الشرعية خلال السنوات الماضية بشكل ملحوظ، حيث لم يبلغ عدد المهاجرين من المغرب عبر مضيق جبل طارق عام 2014 سوى 83 مهاجر، بعد أن كان العدد عام 2012 نحو 1672 مهاجرًا غير شرعيًا (1).

عودة معدلات الهجرة إلى الارتفاع

     بتلك المعدلات المنخفضة لم تعد السواحل الإسبانية على رأس قائمة تهريب البشر، لكن ما حدث هذا العام أن اختلف الوضع مع عودة قوارب الهجرة غير الشرعية (قوارب الموت) إلى الحياة مجدداً في الطريق البحرية بين إسبانيا والمغرب.

      فقد أدى هذا إلى ارتفاع معدلات الهجرة مرة أخرى، حيث استقبلت إسبانيا وحدها نحو 43% (32.272)، من المهاجرين الذين وصلوا على الشواطئ الأوروبية والذين بلغ عددهم نحو74.501 مهاجر في الفترة بين 1 يناير/ كانون الثاني و12 أيلول/سبتمبر 2018، ما جعلها الوجهة الأولى للهجرة السرية عبر البحر المتوسط (2). كذلك ارتفعت نسبة المهاجرين المغاربة إلى إسبانيا من 5% في بداية العام إلى نحو20% مؤخرا، طبقا لما أشارت إليه عدد من الصحف الإسبانية (3).

      وبذلك سجل عام 2018 أعلى نسبة مهاجرين في تاريخ الهجرة السرية من المغرب إلى إسبانيا متجاوزة عام 2006 عندما حطمت إسبانيا رقمًا قياسيًا في استقبال قوارب الموت. ولم تكن وقتها تنطلق من المغرب فقط، بل نسبة كبيرة تنطلق من موريتانيا والسنغال (4).

موجة جديدة وخروجًا عن السرية

      على هذا النحو، شهد المغرب خلال الشهرين الأخيرين محاولات كثيفة من الهجرة غير الشرعية، بدأت أبرزها في الـ11 من أغسطس/آب الماضي بترحيل السلطات المغربية للعديد من المهاجرين الأفارقة من مدينة "طنجة" القريبة من إسبانيا إلى مدن أخرى في الجنوب المغربي. ما أدى إلى تصاعد موجه من الانتقادات الحقوقية واتهام السلطات المغربية بانتهاك حرية التنقل لهؤلاء المهاجرين بإرغامهم على ترك مدينة وترحيلهم إلى أماكن أخرى بدون رغبتهم.

     وفي الشهر ذاته، حاول مهاجرون أفارقة اقتحام السياج الحدودي مع مدينة "سبتة" (داخل الأراضي المغربية وخاضعة للإدارة الإسبانية)، غير أن إسبانيا قامت بترحيلهم إلى المغرب، استنادًا إلى اتفاق بين الطرفين منذ عام 1992 يقضي بإعادة الأجانب الذين يدخلون الأراضي الإسبانية بصورة غير قانونية (5).

    قبِل المغرب بعودة هؤلاء المهاجرين ( 116 مهاجرًا)، إلا أن الأمر كان له انعكاسات سلبية تمثلت في تحويل الوجهة نحو قوارب الهجرة. فلم تكد تمر أيام قليلة، وتحديدًا في الـ25 من أغسطس/آب الماضي، حتى صُدم المغاربة بفيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي تُوثق هجرة الشباب إلى إسبانيا عبر البحر المتوسط (6).

     بدأ هؤلاء الشباب يتقاسمون معلوماتهم الخاصة، ويتفقون على ثمن الرحلة، ويتقاسمون فيديوهات وصور لبعض المهاجرين غير الشرعيين الذين استعرضوا بدورهم لقطات من رحلتهم وهم يركبون القوارب المطاطية، وبذلك خرجت عمليات الهجرة من إطار السرية إلى العلن.

     لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ شهد المغرب في سبتمبر/ أيلول الماضي، تظاهرات للعديد من الشباب تطالب السلطات بتركهم يغادرون البلاد. وجاءت ذروة الأزمة في الـ25 من الشهر ذاته مع إطلاق أفراد البحرية المغربية الرصاص على قارب مطاطي كان يحمل شبابًا مغاربة يحاولون الهجرة السرية، ما نتج عنه وفاة شابة تدعى "حياة بلقاسم"، واندلاع موجه من الغضب والانتقادات الدولية مازالت قائمة حتى اليوم (7).

أسباب ارتفاع الهجرة غير الشرعية

     لم يحد مقتل الطالبة من ظاهرة الهجرة غير الشرعية، بل ارتفعت بشكل ملحوظ وبمعدل يتراوح ما بين500 إلى700 مهاجر في اليوم، ما يشير إلى وجود عوامل عدة تدفع بالكثيرين خاصة فئة الشباب إلى المجازفة بحياتهم وركوب الأمواج، لعل أبرزها التالي:

1- تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية:

      فصحيح  أن ارتفاع أو انخفاض معدلات الهجرة غير الشرعية يرتبط بشكل كبير بالإجراءات الأمنية، إلا السبب الأكبر بها هو الظروف المعيشية. فالفقر والأزمات الاجتماعية والاقتصادية، تظل محددات رئيسية في رفع وخفض نسبة الهجرة، فكلما زادت حدة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية في البلاد، زادت محاولات الهجرة غير الشرعية، وكلما توّفرت مؤشرات على التنمية وتوافر ظروف العيش الكريم انخفضت تلك المحاولات.

     وتشير الأوضاع بالمغرب إلى ارتفاع معدلات الهجرة نتيجة تفاقم البطالة والفقر وتدهور الظروف الاقتصادية. إذ بلغ معدل البطالة خلال الربع الأول من العام الجاري نحو 10.5%، وكان النصيب الأكثر انتشارا للبطالة في صفوف حاملي الشهادات الجامعية، حيث بلغت نسبتهم 22.7% في مايو/أيار الماضي، بما يمثل ضعفي معدل البطالة العامة في البلاد، كما أن هذه النسبة مرشحه للتزايد في السنوات الخمس القادمة (8).

     أما عن الفقر، فنحو 60% من المغربيين يعيشونه الأمر الذي أكده تقرير للأمم المتحدة حينما أشار إلى أن أكثر من 5 ملايين مغربي يعيشون بأقل من 550 درهمًا في الشهر، ومليوني مغربي يعيشون بأقل من 300 درهمًا في الشهر، وذلك على مستويين الأول يعاني بشكل حادّ والمستوى الثاني يعاني بشكل متوسّط.

     وضح التقرير أيضًا أن 12.6% من المغربيين قريبون من عتبة الفقر متعدد الجوانب، مقابل 4.9% يعيشون فقرًا حادًا متعدد الأبعاد ويفتقدون لأدنى شروط العيش الكريم (9). وفي الشأن ذاته أشارت الإحصاءات الرسمية الخاصة بمؤشّر الهشاشة الاجتماعية العام، إلى أنّ نسبة تلك الهشاشة تصل إلى نحو 21.6% بالقرى المغربية.

     في ظل هذه الأوضاع، عمد الكثير من الشباب إلى الهجرة، وبلغ الأمر بهم إلى التظاهر في المدن مطالبين بالحق في الهجرة والتخلي عن الجنسية المغربية، كما حدث في "تطوان" و"الدار البيضاء"، كتعبير احتجاجي عن الرغبة في الهروب من البطالة واليأس.

2- الإحباط والتهميش الاجتماعي:

      يرتبط هذا العنصر بما سبقه، حيث يسود شعور عام بالإحباط والتهميش الاجتماعي بين الشباب الذين يمثلون ثلثي سكان المغرب، فهم يرون أنفسهم عاجزون عن الاستقلال سريعًا، من خلال إيجاد وظيفة والزواج وترك المنزل الأسري.

- فقدان الثقة في العملية السياسية برمتها:

      زاد الوعي السياسي لدى الشباب بعد حراك الربيع العربي، وظهرت قيم جديدة ترتبط بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، كما ارتفع سقف مطالب الشباب في تغيير جذري للواقع. وبينما انطلقت الإصلاحات مع رئيس الحكومة المغربية السابق عبد الإله ابن كيران، غير أنها توقفت، وأعلنت المؤسسات الدستورية الرسمية من خلال تقاريرها أن الفساد والرشوة تستفحلان في المغرب، ما أدى إلى نمو شعورًا متزايدًا من الخيبة وفقدان الثقة والأمل انعكست تداعياته في عودة الهجرة السرية مرة أخرى.

محاولات مغربية للضغط على أوروبا

      على هذا النحو، دفع ارتفاع معدلات الهجرة غير الشرعية وارتباطها بالعوامل الاقتصادية بالأساس، المغرب إلى إتباع نهج في التعامل مع ملف المهاجرين يقوم على الضغط على الدول الأوروبية للحصول على المزيد من المساعدات مقابل وقف تدفق موجات الهجرة إليها، وكأنه في ذلك يسير على النموذج التركي في التعامل مع ملف اللاجئين.

      وبالفعل بدأ المغرب تنفيذ هذا النهج عبر رفضه المطالب الأوروبية بإقامة مراكز لإيواء المهاجرين على أراضيه، إذ أكد مصطفى الخلفي الناطق الرسمي باسم الحكومة أن "هذه المراكز ليست سوى تصدير لمشكلة الهجرة بدلا من حلها"، وطالب ناصر بوريطة وزير الخارجية الدول الأوروبية بـ"إقامة شراكة على قدم المساواة مع المغرب لإدارة ذلك الملف"، فيما أشار خالد الزروالي مدير الهجرة ومراقبة الحدود إلى أن "المملكة تلعب دور حارس لبوابة الهجرة إلى أوروبا، ما يستدعي حصولها على مساعدات للقيام بهذه المهمة" (10).

    وهكذا ففي حال حصولها على تلك المساعدات، يمكن استثمارها بالداخل للقضاء على البطالة والفقر، ما يصب في صالح تقليص معدلات الهجرة بين شبابها. إلا أن الأمر بالنهاية سيتوقف على ما إذا كانت المملكة يمكنها توظيف هذه المساعدات بشكل صحيح في ظل انتشار الفساد بها وإعاقته لأي محاولات للإصلاح.

الهوامش:

1-       أوروبا تراهن على النموذج المغربي في مكافحة الهجرة غير الشرعية، العرب اللندنية، 9 مايو 2015، متاح على الرابط: https://bit.ly/2E4b7Fj

2-       عبر مضيق جبل طارق.. هكذا انتعشت الهجرة السرية بين المغرب وإسبانيا، دويتشه فيله، 20 سبتمبر 2018، متاح على الرابط: https://bit.ly/2QxPtL2

3-       الهجرة غير الشرعية بالمغرب .. من سرية إلى استعراضية مستفزة، دويتشه فيله، 20 سبتمبر 2018، متاح على الرابط: https://bit.ly/2y5tx38

4-       2018 تسجل أعلى رقم في تاريخ الهجرة من المغرب إلى اسبانيا وتجاوز عدد الغرقى الـ400، القدس العربي، 5 أكتوبر 2018، متاح على الرابط: http://www.alquds.co.uk/?p=1027295

5-       Government sends 116 migrants who jumped fence back to Morocco, elpais,  23 AGO 2018, Available on: https://elpais.com/elpais/2018/08/23/inenglish/1535032545_735013.html

6-       الهجرة غير الشرعية بالمغرب .. من سرية إلى استعراضية مستفزة، مرجع سابق.

7-       المغرب: صدمة إثر مقتل الشابة حياة في البحر وسط تفشي إشاعة "فونطوم"، البي بي سي، 27 سبتمبر 2018، متاح على الرابط: http://www.bbc.com/arabic/middleeast-45666890

8-       المغرب: البطالة في صفوف الشباب قنبلة موقوتة وسبب رئيسي للقلق الاجتماعي، فرانس24، 11 فبراير 2018، متاح على الرابط: https://bit.ly/2RyinMr

9-       تقرير دولي يكشف عن أرقام صادمة حول نسبة الفقر في المغرب، المغرب اليوم، 29 يناير 2017، متاح على الرابط: https://bit.ly/2RvUNQp

10-   لهذا يرفض المغرب إنشاء مراكز إيواء للمهاجرين السريين، العربي الجديد، 3 يوليو 2018، متاح على الرابط: https://bit.ly/2QzyOGX

شارك