خمسة وأربعون عامًا للتضامن العربي: الثابت والمتغير في العلاقات العربية منذ حرب أكتوبر

السبت 13/أكتوبر/2018 - 06:27 م
طباعة خمسة وأربعون عامًا
 
محمود جمال عبد العال

سطَّرت حرب أكتوبر/تشرين الأول صفحة ناصعة البياض في تاريخ التضامن العربي الذي قلَّما أن يحدث خاصة هذه الأيام؛ إذ أكد التعاون العربي في هذه الحرب على الوحدة والمصير المشترك، وأن ما قد تشهده العلاقات العربية العربية من توترات في بعض الأحيان ما هو إلا اختلاف في وجهات النظر وسرعان ما تنطوي آثاره خاصة في الظروف الصعبة التي تتطلب التكاتف، وهذا ما أثبتته العلاقات المصرية السعودية بعد نكسة يونيو/حزيران 1967. فعلى الرغم من اتساع هوة الخلاف المصري السعودي في اليمن إلا أن نكسة 1967 مثلت فرصة لاستعادة التنسيق والتعاون بعيدًا عن سياسات التشفي والكيد، ويعود ذلك بشكلٍ أساسي لإدراك الجانبين لما  لهم من ثقل عربي ودولي بواجبهم ودورهم تجاه قضايا أمتهم.

وجاءت حرب أكتوبر لتثبت مرة أخرى أهمية التكامل بين الشعوب العربية لتحقيق الانتصار؛ إذ لم تتوانَ الدول العربية في تقديم العون لجبهتي المواجهة مع إسرائيل (مصر وسوريا). واختلفت الأنماط التي بدا عليها التضامن العربي سواءً في فترة التجهيز للحرب أو أثناء انطلاق عمليات التحرير، وشاركت الدول العربية بجنودها وسلاحها وأموالها وقراراتها السياسية والاقتصادية في الحرب، وذلك إدراكًا منهم بالأهمية الاستراتيجية والثقل السياسي الذي تمثله مصر في مساندة قضايا الأمة. وبالفعل، مثَّل انشغال مصر بداخلها الممزق، وبعدها عن رسم خريطة المنطقة العربية بعد أحداث 2011 فرصة لفاعلين إقليميين ودوليين لتقاسم النفوذ في المنطقة، بل ووصل الأمر حد السعي والعمل حثيثًا على إسقاط نموذج الدولة الوطنية وإحلالها بالميليشيات والجماعات العنيفة، وهو ما حدث فعليًا في ليبيا وسوريا واليمن.

انطلاقًا مما سبق، يحاول هذا التقرير رصد أبرز محطات الانتصار والانكسار التي مرت بها العلاقات المصرية العربية، وكيف كانت مصر حاضرة في أبرز محطاته مثل الحرب العراقية الإيرانية، وحرب تحرير الكويت، والحرب على الإرهاب بعد احداث سبتمبر/أيلول 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية. لا يهدف هذا التقرير إلى رصد الماضي والغوص في أحداثه بقدر ما يسعى إلى الكشف عنها لاتخاذ الدروس والعبر خاصة في ظل الذكرى ال45 للحرب.

التضامن العربي قُبيل وأثناء الحرب

شهدت حرب السادس من أكتوبر/تشرين الأول مواقف خالدة لا يُمكن أن يغفلها التاريخ، أو ينساها بمرور الوقت؛ حيث أكدت وحدة وتماسك الوطن العربي. وجاء على رأس هذه المواقف ما قامت به سوريا التي خاضت مع مصر الحرب على جبهة الجولان، والسعودية والإمارات وليبيا والعراق واليمن والجزائر. وسنحاول إيجاز التضامن العربي الذي أبرزته الحرب فيما يلي(1):

1-     سوريا: شاركت دمشق في حرب أكتوبر/تشرين الأول؛ حيث نسقت مع مصر لبدء الحرب على إسرائيل على جبهة الجولان، وفي المقابل، وفي نفس التوقيت تبدأ مصر الاشتباك مع الاحتلال الإسرائيلي على أرض سيناء.

2-     المملكة العربية السعودية: سيَّرت الرياض جسرًا جويًا لنقل 20 ألف جنديًّا إلى الجبهة السورية. من ناحيةٍ أخرى، استخدمت المملكة بقيادة الملك "فيصل بن عبد العزيز آل سعود" البترول كسلاح ضغط على الدول الصديقة والمتعاونة مع الكيان الصهيوني في عدوانه على الأراضي العربية. وكان قد عقد وزراء البترول العرب في 17 أكتوبر/تشرين الأول اجتماعًا في دولة الكويت، وقد كانت من أبرز نتائج هذا المؤتمر خفض انتاج النفط بواقع 5% شهريًا إضافة إلى مضاعفة سعره. وقد مارست الولايات المتحدة الأمريكية ضغوطًا على الملك "فيصل" للتراجع عن هذا القرار؛ حيث وصل وزير الخارجية الأمريكي إلى الرياض وحاول إقناع الملك "فيصل"، ولكن كان رد الرياض حاسمًا في هذا الأمر. وعندما سأل أحد الصحفيين الملك "فيصل" عن مدى تخوفه من عمل عسكري أمريكي لإثنائه عن هذه السياسية، رد بثقة قائلًا: "إن ما نقدمه هو أقل القليل مما تقدمه مصر وسوريا اللتان تقدمان أرواح جنودها في معارك الأمة المصيرية وإننا قد تعودنا على عيش الخيام، ونحن على استعداد الرجوع إليها مرة أخرى، وحرق آبار البترول بأيدينا ولا تصل إلى أيد أعدائنا". ونتيجة لهذه السياسة، قفزت أسعار النفط من 3 دولارات إلى 11 دولارًا للبرميل، وذلك لأسباب تتصل باندفاع المستهلكين إلى تخزين النفط إضافة إلى النقص الحاد الذي أصاب القطاع بأكمله.

3-     الإمارات العربية المتحدة: ضرب الشيخ "زايد آل نهيان" مثالًا نبيلًا في العطاء، فبالإضافة إلى موقفه الراسخ من مسألة تصدير النفط إلى الدول المتعاونة مع إسرائيل، طلب الشيخ "زايد" من سفيره في المملكة المتحدة بحجز جميع غرف العمليات الحرجة المتنقلة من أوربا لخدمة الجنود المصريين والسوريين والفلسطينيين، وأقدم الشيخ "زايد" على اقتراض مليار دولار من البنك الدولي، ووضعه في حساب الحكومتين المصرية والسورية لدى الاتحاد السوفيتي لشراء الأسلحة، وعندما تم سؤاله عن موقف الولايات المتحدة من سياسة رفع أسعار النفط عن طريق تخفيض انتاجه، ومدى تخوفه من فعل أمريكي كرد على هذه السياسة قال كلمته التي خلدها التاريخ: "أن دولتنا جزء من الأمة العربية، يوجد بيننا الدين والتاريخ واللغة والآلام والآمال والمصير المشترك؛ فالبترول العربي ليس أغلى من الدم العربي"(2).

4-     العراق: شاركت بغداد بقوةٍ في حرب أكتوبر، وذلك دعمًا للصمود العربي على الجبهة السورية والجبهة المصرية. واعتبر العراق أن الحرب لا تخص القاهرة أو دمشق وحدهما، ولكن اعتبرها حربًا عربية بامتياز؛ إذ تشير التقارير إلى أن العراق ساهم في الحرب بقواته وأسلحته؛ حيث وضع 600 دبابة للاستعداد للدعم اللوجيستي على حدوده مع سوريا، وسيَّر قوات جوية وبرية إلى الجبهتين السورية والمصرية، وأعلن أن كامل قواته ووحداته تحت أمر القيادة المصرية والسورية.

5-     ليبيا: تشير التقارير العسكرية إلى الدعم الكبير الذي قدمته ليبيا للجبهة المصرية؛ حيث قامت مصر بنقل مقر الكلية البحرية المصرية إلى ليبيا، إضافة إلى ذلك عقدت طرابلس صفقات طائرات مع الحكومة الفرنسية لخدمة المجهود العسكري المصري، بل وقامت باستخراج جوازات سفر ليبية للطيارين المصريين ليتم تدريبهم على هذه المعدات.

6-     الجزائر: عند قيام الحرب، أرسل الرئيس الجزائري وقتها "هواري بومدين" أسرابًا من الطائرات التي وصلت الجبهة المصرية من 9-11 أكتوبر/تشرين الأول. علاوة على ذلك، وضع "بومدين" 200 مليون دولار في حساب مصر وسوريا لدى الاتحاد السوفيتي، وذلك خدمة للمجهود الحربي على الجبهتين.

7-     السودان: عندما تُذكر السودان في دعم الصمود العربي في وجه إسرائيل، يتوارد إلى الأذهان مؤتمر الخرطوم الذي أقرَّ اللاءات الثلاث (لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض) بعد نكسة يونيو/حزيران 1967، وقد استضافت السودان الكليات العسكرية المصرية بعد النكسة التي تسببت في انهيار منظومات الدفاع الجوي المصرية خوفًا من استهدافها من سلاح الجو الإسرائيلي في حال بقيت بالقاهرة.

وهكذا تثبت الأمثلة مدى أهمية التضامن العربي كمفتاح لانتصار أكتوبر/تشرين الأول، فمن ناحيتها اليمن قامت بإغلاق مضيق باب المندب لقطع إمدادات القوات الإسرائيلية عن طريق البحر الأحمر، ولم تتوانى الكويت رغم صغر مساحتها عن تقديم الدعم، واستقبال وتدريب الطيارين المصريين في الكويت، وقامت بتدريب وإرسال لواء اليرموك و سرب من الطائرات للمشاركة في الحرب.

مرحلة القطيعة العربية مع مصر بعد كامب ديفيد

أثارت الخطوات التي اتخذها الرئيس السادات للتقارب مع إسرائيل بعد انتهاء مرحلة الحرب حفيظة الدول العربية؛ حيث رفضوا خطط السلام مع إسرائيل، وكذلك دعوة الرئيس السادات للأطراف العربية الأخرى كمنظمة التحرير الفلسطينية، وسوريا، والأردن للدخول في خطة سلام شاملة يترتب عليها التطبيع مع إسرائيل وإنهاء حالة العداء والحرب.

تضمنت معاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل الوصول إلى صيغة تفاهمات تضمن تطبيع العلاقات بين البلدين. وكانت المحاور الرئيسية للمعاهدة إنهاء حالة الحرب وإقامة علاقات ودية بينهما، وانسحاب إسرائيل من الأراضي المصرية التي احتلتها بعد نكسة يونيو/حزيران 1967، وضمان عبور السفن الإسرائيلية قناة السويس، واعتبار مضيق تيران الذي كان سببًا في إغلاق قناة السويس في وجه الملاحة الإسرائيلية قبيل النكسة، وخليج العقبة ممرات دولية. وتضمنت الاتفاقية كذلك بدأ المفاوضات لإنشاء منطقة حكم ذاتي للفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة(3).

ترتب على هذه الخطوات دخول العرب في حالة قطيعة مع مصر، مما أدى إلى نقل الجامعة العربية من القاهرة إلى تونس، وتم تجميد عضوية مصر بعد توقيع الاتفاقية عام 1979. واعتبر العرب في ذلك الوقت أن السادات رضخ للمطالب الإسرائيلية وتنازل منفردًا عن الحقوق العربية، وعلى إثر ذلك، تزعم العراق برئاسة "صدام حسين" جبهة لرفض الاتفاقية، وعقد مؤتمر قمة لجامعة الدول العربية لرفض كل مخرجات الاتفاقية الإسرائيلية المصرية(4).

وتمكَّن الرئيس "محمد حسني مبارك" فيما بعد استعادة العلاقات الدبلوماسية مع الدول العربية عام 1987 بعد اغتيال الرئيس السادات على أيدي الجماعات الإسلامية، وتوليه حكم مصر. واستطاع إعادة الجامعة العربية إلى مقرها الأصلي وسط القاهرة، ومن ثم عودة عضوية مصر إلى الجامعة عام 1989. وقد كان طبيعيًا أن تستعيد القاهرة مكانتها الطبيعية لدى جامعة الدول، وذلك لما كان لها من دورٍ كبيرٍ في إنشاء الجامعة بعد توقيعها، ومندوبي 6 من الدول العربية المؤسسة للجامعة على بروتوكول الإسكندرية الذي مهد الطريق لخروج المشروع إلى النور.

واجهت الجامعة العديد من المشكلات بعد نقلها من القاهرة؛ إذ لم تنتقل بكامل وثائقها وكفاءاتها المصرية، كما أنها قابلت مشكلة تتعلق بالاعتراف الدولي في المقر الجديد لا سيما بعد أن غاب عنها دولة عربية مؤثرة بحجم مصر.

الدور المصري في تحرير الكويت

                لعبت مصر دورًا واضحًا وحاسمًا في حرب الخليج الثانية، وسعى الرئيس "مبارك" في بدايات الأزمة لاستمالة صدام وإثنائه عن غزو الكويت وتحجيم طموحاته التوسعية على حساب جيرانه من دول الخليج العربي، واستخدم في ذلك الجهود الدبلوماسية، ولكنه وصل إلى قناعة بأن "صدام" لن يعير أي اهتمام للوساطات العربية والدولية، ومن ثم قاد حملة دبلوماسية ناجحة مع الحلفاء العالميين، وداخل أروقة الجامعة العربية. ويعتبر بعض المحللين أن قرار مبارك بالوقوف ضد الغزو تاريخي، ولم يكتفِ "مبارك" بالجهود الدبلوماسية التي بذلها، ولكنه شارك في حرب التحرير جنبًا إلى جنب مع قوات التحالف الدولي التي أُوكِل لها تحرير الكويت؛ حيث كانت القوات المصرية التي بلغت 35 ألف أول قوة تصل إلى الموانئ السعودية(5).

وقد كانت حرب الخليج اختبارًا حقيقيًا لمسألة التضامن العربي؛ حيث انعكست سلبًا على الفكرة في أصلها، وذلك لما أصاب العرب من حالة انقسام حاد بين تأييد الغزو ومعارضته. ورغم الحساسيات التي خلفتها الحرب إلا أنها أوجدت قناعة حقيقية لدى الاطراف العربية بأهمية الدور المصري، وأهمية القرار الذي اتخذته الجامعة العربية بإعادة مصر إلى عضوية الجامعة. ويعتبر الخبراء أن وقوف مصر في صف دول مجلس التعاون الخليجي في أزمة الكويت لا يُمكن أن ينفك عن الموقف الذي قادته دول مجلس التعاون لدعم مصر في ثورة 30 يونيو/حزيران 2013؛ حيث مارست السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ضغوطًا على حلفائها الغربيين لتغيير رؤيتهم مما حدث في مصر بعد عزل نظام الإخوان المسلمين بقيادة محمد مرسي.

ومن الأهمية بمكان التطرق إلى الموقف الخليجي من أزمة مصر مع المجتمع الدولي في 30 يونيو/حزيران 2013؛ حيث قاد وزير الخارجية الراحل "سعود الفيصل" حملة مكوكية للمجتمع الدولي لدعم المرحلة الانتقالية في مصر، واعتبر "الفيصل" أن المملكة لن تتهاون في الوقوف بجانب مصر. ولم يقتصر دعم المملكة العربية السعودية علي الدعم السياسي بل ذهب ليكون دعمًا اقتصاديًا كذلك، وتبنت الرياض حزمة مساعدات عاجلة أرسلتها إلي الحكومة المصرية لدعم وتنشيط الاقتصاد المصري، ومن جانبه طلب الملك "عبد الله بن عبد العزيز" إرسال ثلاثة مستشفيات ميدانية بكامل معداتهم وأطقمهم الفنية إلي مصر لتخفيف الضغط علي المستشفيات المصرية. من ناحيةٍ أخرى، ظهر موقف دولة الإمارات الداعم لمصر؛ إذ أعرب وزير الخارجية الإماراتي خلال زيارته إلي مصر رفض أبوظبي أي تدخل في شئون مصر الداخلية، كما دعَّمت الإمارات الموازنة العامة المصرية بشكلٍ عاجلٍ لسد العجز في الخزانة فضلًا عن الدعم الدبلوماسي الذي قادته الخارجية الإماراتية ممثلًا في سفاراتها وقنصلياتها في الخارج لدعم الموقف المصري. ومن ناحيتها، قدمت الكويت دعمًا نقديًا عاجلًا لدعم الاقتصاد المصري خاصة في ظل حالات الاضطراب السياسي والاقتصادي التي تعيشها مصر.

مرحلة ما بعد أحداث 11 سبتمبر، والحرب على العراق

                حاولت مصر منذ تصفية صراعاتها مع إسرائيل بعد توقيع كامب ديفيد، ورجوعها لممارسة قيادتها في الوطن العربي بعد استعادة عضويتها في جامعة الدول العربية، وإنهاء قطيعتها مع الدول العربية أن تتجاوب مع الأحداث الدولية؛ حيث قدمت رؤيتها للأسس والكيفية التي يجب أن تكون عليها مكافحة الإرهاب بعد أحداث سبتمبر التي ضربت الولايات المتحدة الأمريكية في 2001. وقد انعكس التجاوب المصري إيجابًا على تطور العلاقات المصرية الأمريكية، وذلك على المستويات السياسية والاقتصادية، وهو ما عكسه انطلاق الحوار الاستراتيجي بين الطرفين، وذلك للتغلب على حالة عدم الاستقرار والسيولة التي أصابت منطقة الشرق الأوسط خلال هذه الفترة. وكانت العلاقات المصرية الأمريكية في هذه الفترة تقوم على أهدافٍ أساسية، يأتي في مقدمتها الحرب على الإرهاب.

                ورغم التناغم بين الجنبين المصري والأمريكي في هذه الفترة في مسألة الحرب على الإرهاب، رفضت القاهرة خطة واشنطن لاحتواء ليبيا والعراق والسودان، وهو ما شكت منه الدبلوماسية الأمريكية؛ إذ اعتبرته عدم تعاون من الجانب المصري. في المقابل، اعتبرت مصر أن إعادة العراق إلى حضنها العربي بات ضرورة لذلك كانت تعارض أي خطوة أمريكية في مجلس الأمن ضد العراق، وسعت لعقد مصالحة عربية شاملة لإعادة العراق إلى حضنه العربي، وهو ما كانت تعترضه واشنطن التي شنت حربًا عسكرية شاملة لإسقاط النظام العراقي بالقوة عام 2003.

مرحلة الانتفاضات، وأحداث 2011

مثلت حالة عدم الاستقرار بعد ثورة 25 يناير، وعزل نظام الإخوان المسلمين في 30 يونيو/حزيران فرصة جديدة لإعادة اختبار مراحل التلاحم والتضامن العربي. وقد يُذكر التضامن في هذه الأحداث ما تم في حرب أكتوبر؛ حيث تم توظيف أدوات الضغط كافة، وتنسيق الأدوار وتبادلها بين الدول العربية المختلفة بهدف الخروج بالمنطقة من حالة اللا استقرار الذي غرقت فيه منذ 8 سنوات تقريبًا.

في المقابل، يعتبر البعض أن حالة الوهن التي عاشها الواقع العربي بعد انتفاضات 2011 وما تلاها من أحداث عنف تؤكد على استمرار حالة الضعف العربي، وهو ما ترك مجالًا لتدخلات إقليمية ودولية كما نرى الآن في ليبيا واليمن والعراق وسوريا ولبنان. في هذا السياق، اعتبر المتابعون للشأن العربي أن انشغال مصر بقضاياها الداخلية بعد 2011 ساهم بشكلٍ كبير في تفاقم الأحداث في هذه الدول للأسوأ.

التضامن العربي في أكتوبر، والدروس المستفادة

                اعتبر الباحثون والمحللون في الشخصية العربية أن معركة أكتوبر قد شهدت إعادة اكتشاف العرب لذواتهم من جديد خاصة بعد ما أصابهم من نكسة ونكبة بعد نجاح الغرب في أن يزرع إسرائيل بينهم. واستطاع العرب بالفعل اكتشاف قدراتهم الذاتية، وتمكنوا من توظيفها واستخدامها في حربهم المصيرية مع إسرائيل.

استطاع العرب خلال هذه الحرب تنظيم جهودهم، فحاولت كل دولة توظيف ما تمتلك من أوراق للتأثير في مجريات الحرب، وهو ما حدث بالفعل؛ حيث وظفت دول الخليج سلاح النفط لمحاربة إسرائيل والمتعاونين معها، فيما شاركت العراق بعدتها وعتادها الكاملين في الحرب، وبذلت ليبيا والجزائر جهودًا عالية في دعم حسابات دول المواجهة لدى الاتحاد السوفيتي لضمان وصول الإمدادات اللازمة لاستكمال الحرب. ويعتبر الباحثون أن أهم ما يواجه إسرائيل من مشاكل فكرة الجغرافيا والعمق الاستراتيجي؛ إذ لا تمتلك هذه العوامل فيما تُعتبر الدول العربية جميعها عمقًا استراتيجيًا لبعضها بعضًا.

ورغم هذه الحالة من التفاؤل إلا أن ما تبع حالة التضامن العربي في أكتوبر/تشرين الأول تراجعت بشكلٍ كبير ولم تظهر إلا على مستويات تنسيق ثنائي بين الدول. وهو ما تؤكده تطورات القضية الفلسطينية التي لم تنجز أي شيء يمكن التعويل عليه. ومثل غزو العراق لدولة الكويت، وانطلاق حرب التحرير صدمة كبيرة للمؤمنين بالقومية العربية؛ حيث شهدت الجامعة العربية انقسامًا واضحًا بين العرب في التعامل مع العراق. فبينما رفضت بعض الدول تدخل القوات الاجنبية لتحرير الكويت شاركت دولًا عربية أخرى في عملية التحرير. وما قضى على فكرة التضامن العربي على الأقل عند مقارنته بما حدث في حرب أكتوبر/تشرين الأول، الجُرح الذي خلَّفه الغزو العراقي للكويت، وكذلك ما تعرضت له دولة العراق من غزو في 2003 من قِبل قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن والمملكة المتحدة، وإسهامهم في تدمير العراق وإسقاط نظامها السياسي بالقوة، وما تلا ذلك من تمدد لحالة العنف التي اتخذت أنماطًا متعددة مثل النمط الجهادي كتنظيم القاعدة ، وتنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، أو طائفي بين السنة والشيعة.

الهوامش:

1-      مها سالم، سلاح العرب في حرب أكتوبر (26/10/2017)، الأهرام، على الرابط: https://goo.gl/aB1Do2

2-      الشيخ زايد ودرس التاريخ.. "النفط ليس أغلى من الدم العربي" (6/10/2010)، بوابة العين، على الرابط: https://goo.gl/Gn64D5

3-      مصر تنشر وثائق تاريخية نادرة لاتفاقية "كامب ديفيد" (19/9/2018)، وكالة سبوتنيك للأنباء، على الرابط: https://goo.gl/zcBpJA

4-      قطع العلاقات.. سوابق عربية تحفظها الذاكرة (5/6/2017)، سكاي نيوز العربية، على الرابط: https://goo.gl/bNPzcN

5-      حرب تحرير الكويت.. ذكرى جديدة لاختلاط الدماء الطاهرة للجندي المصري والكويتي (6/2/2018)، البوابة، على الرابط: https://goo.gl/6QD7XS

شارك